سوريا - اقتصاد
كيف يقرأ الاقتصاديون أثر ارتفاع أسعار المازوت على الأسواق السورية؟
رفع المازوت 40%.. اقتصاديون يحذرون من انتقال الصدمة إلى الإنتاج والنقل والأسعار
ا
العين السورية
نشر في: ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٤٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

رفعت الحكومة أسعار المشتقات النفطية، في مقدمتها المازوت الذي ارتفع بنحو 40%، في خطوة تفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وسط تحذيرات من انتقالها سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات.
وتقول الجهات الرسمية إن القرار يرتبط بارتفاع تكلفة تأمين المشتقات النفطية، إلى جانب صيانة مصفاة بانياس، لكن خبراء اقتصاديين يرون أن التأثير الفعلي للقرار لن يتوقف عند سعر ليتر المازوت، بل سينتقل عبر حلقات الإنتاج والنقل والتوزيع وصولاً إلى المستهلك.
زيادة المازوت لا تبقى في قطاع النقل
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور خالد التركاوي لـ«العين السورية» أن رفع أسعار المحروقات ينعكس على مختلف مراحل العملية الإنتاجية، وليس على النقل فقط.
ويقدّر التركاوي أن أسعار المواد الأولية قد ترتفع بنسب تتراوح بين 25% و30% مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، فيما يمكن أن تصل الزيادة في بعض المواد التكميلية إلى نحو 50%، بحسب طبيعة المنتج وحجم اعتماده على المحروقات والنقل.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري في أن آثار القرار لا يمكن حصرها في قطاع النقل، معتبراً أن ارتفاع أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على الإنتاج، الذي يشكل المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي في المرحلة الراهنة.
ويرى الحاري أن الأثر سيمتد إلى معظم السلع والخدمات، مع تعرض قطاعات البناء والإنشاءات والبنية التحتية والصناعة لضغط أكبر، إلى جانب الزراعة والخدمات والحياة اليومية.
40% للمازوت.. فكم يدفعها المستهلك في النهاية؟
لا يدفع المستهلك كلفة المازوت بشكل مباشر فقط. فالمزارع يحتاج إلى الوقود للري والنقل، والمصنع يحتاجه لتشغيل المعدات، والتاجر يدفع كلفة نقل البضائع، فيما تدخل المحروقات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم مراحل إنتاج السلع وتوزيعها.
ويقدّر الحاري أن رفع أسعار الطاقة وخاصة المازوت الذي ارتفع بنسبة 40% يمكن أن يرفع تكاليف الإنتاج بنحو 40% إلى 45%، قبل احتساب أثر الأجور وهوامش الأرباح. كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة قد يفرض زيادات في الأجور، ما يضيف نحو 10% إلى الكلفة.
وبناءً على ذلك، يرى الحاري أن الزيادة النهائية التي قد يتحملها المستهلك يمكن أن تصل إلى 60% أو أكثر في بعض الحالات، نتيجة تراكم التكاليف عبر مراحل الإنتاج والنقل والتوزيع.
وهنا تختلف تقديرات الخبيرين لحجم الصدمة؛ فبينما يقدّر التركاوي ارتفاع أسعار المواد الأولية بنحو 25% إلى 30%، مع وصول الزيادة في بعض المواد التكميلية إلى 50%، يذهب الحاري إلى تقدير أكثر تشدداً، ويرى أن الزيادة النهائية التي تصل إلى المستهلك قد تبلغ 60% أو أكثر في بعض الحالات.
لكن هذه النسب لا تمثل قاعدة موحدة لجميع السلع، إذ يختلف أثر ارتفاع المحروقات بحسب طبيعة القطاع ومدى اعتماده على الطاقة، وطول سلسلة التوريد، وهوامش الربح، وقدرة السوق على استيعاب الزيادة.
التضخم.. هل يتجاوز أثر القرار نسبة رفع المازوت؟
ويرى الحاري أن أثر القرار على التضخم لن يتوقف عند الزيادة المباشرة في أسعار المحروقات، إذ تنتقل الصدمة من الطاقة إلى الإنتاج ثم النقل والتوزيع والأجور، قبل أن تستقر في السعر النهائي للسلعة.
ويشير إلى أن حجم الأثر سيختلف بين قطاع وآخر، تبعاً لمدى الاعتماد على المحروقات، وسلوك المنتجين والتجار، إلى جانب تطورات سعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.
من يتحمل الفاتورة؟
ويلتقي الخبيران في أن المستهلك سيكون الطرف الأكثر تحملاً للعبء، وإن اختلفت تقديراتهما لحجم الزيادة التي قد تصل إلى الأسعار النهائية.
فالتاجر أو المنتج قد يتحمل جزءاً من ارتفاع التكاليف لفترة محدودة، لكن استمرار ارتفاع كلفة النقل والإنتاج يدفعه في الغالب إلى إعادة تسعير منتجاته.
ويحذر الحاري من أن المواطن سيكون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، خصوصاً في ظل ضيق الأوضاع المعيشية، مشيراً في الوقت نفسه إلى خطر استخدام زيادة أسعار المحروقات كذريعة لرفع الأسعار بأكثر من الزيادة الفعلية في التكاليف.
ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد ينعكس أيضاً على نوعية بعض المنتجات، مع احتمال لجوء مستوردين أو منتجين إلى خيارات أقل جودة للحفاظ على هوامش الربح.
هل نحن أمام زيادة مؤقتة؟
ترتبط الزيادة، وفق التبرير الرسمي، بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية وأعمال الصيانة في مصفاة بانياس.
لكن السؤال الاقتصادي الأهم هو ما إذا كانت هذه العوامل مؤقتة، أم أن الأسعار الجديدة ستتحول إلى مستوى يصعب التراجع عنه لاحقاً.
فالعودة إلى الأسعار السابقة ستكون أكثر صعوبة إذا ما أصبحت الزيادة جزءاً من تكاليف الإنتاج والنقل والتسعير لدى الشركات والتجار.
كيف يمكن تخفيف الصدمة؟
إذا كانت الحكومة ترى أن رفع أسعار المحروقات أصبح ضرورياً لتغطية تكاليف تأمينها، فإن تخفيف أثر القرار يتطلب إجراءات موازية، خصوصاً للقطاعات الأكثر حساسية.
ومن أبرز الخيارات التي يطرحها الخبير التركاوي:
الحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية.
استمرار دعم الطحين أو المازوت المخصص للأفران الخاصة بما يحد من انتقال الزيادة إلى سعر الخبز.
تقديم حوافز أو تخفيضات ضريبية للقطاعات الإنتاجية الأكثر تأثراً.
تخصيص آليات دعم واضحة للمزارعين ووسائل النقل التي تشكل المحروقات جزءاً رئيسياً من تكاليفها.
تشديد الرقابة على استغلال القرار لرفع الأسعار بنسب تفوق الزيادة الفعلية في التكاليف.
رفع سعر المازوت بنسبة 40% ليس مجرد تعديل في تسعيرة أحد أنواع المحروقات، بل اختبار لقدرة الاقتصاد السوري على امتصاص صدمة جديدة دون تحويلها إلى موجة تضخم أوسع.
وبين تقديرات تتحدث عن ارتفاعات كبيرة في كلفة المواد والإنتاج، وتحذيرات من انتقال الزيادة عبر سلسلة التوريد، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الحكومة في احتواء أثر القرار، أم أن زيادة المازوت ستكون الشرارة التي تطلق موجة غلاء جديدة يدفع المواطن ثمنها؟


