سوريا - اقتصاد
من محطة الوقود إلى مائدة السوريين.. المحروقات تفتح باباً جديداً للغلاء
ارتفاع جديد في أسعار حوامل الطاقة يضع النقل والأسواق والأسر السورية أمام اختبار صعب، وسط مخاوف من ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوة المعيشية
ن
نورا حربا
نشر في: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٧:٥٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد زيادة أسعار المحروقات في سوريا مجرد قرار يتعلق بسعر الوقود، فكل ارتفاع جديد في كلفة الطاقة قد يشق طريقه من محطة الوقود إلى أجور النقل، ومن تكاليف الإنتاج إلى أسعار السلع، وصولاً إلى مائدة السوريين.
ومع استمرار اضطرابات أسواق النفط العالمية وتصاعد التوترات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة، تتزايد المخاوف من انعكاسات جديدة على السوق السورية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات مرتبطة بتأمين حوامل الطاقة واستقرار التغذية الكهربائية، بالتزامن مع ما تداولته وسائل إعلام عن زيادة ساعات تقنين الكهرباء.
ويأتي رفع الأسعار في وقت تتمسك فيه وزارة الاقتصاد والصناعة، ممثلة بالأمانة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بعدم العودة إلى آلية التسعير التي كانت معتمدة سابقاً، في إطار التوجه نحو اقتصاد حر وتنافسي.
وبين ارتفاع كلفة الطاقة وتراجع القدرة الشرائية، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تستطيع السوق السورية امتصاص الصدمة الجديدة، أم أن فاتورة المحروقات ستصل سريعاً إلى جيوب المواطنين؟
المحروقات.. صدمة تبدأ من الوقود ولا تنتهي عند المحطة
يربط الدكتور صبحي صالح، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، في حديثه للعين السورية، مرونة تسعير المحروقات بالتحول الأوسع نحو اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً، معتبراً أن العودة الكاملة إلى آليات التسعير القديمة أصبحت أمراً صعباً.
لكن صالح يرى أن تحرير الأسعار لا يعني ترك القطاعات الحيوية رهينة لتقلبات السوق، مشيراً إلى إمكانية الحد من آثار ارتفاع المحروقات من خلال حماية القطاعات الأكثر ارتباطاً بمعيشة المواطنين.
ويقترح في هذا السياق تعزيز نظام الشرائح للمحروقات المخصصة للأفران والنقل العام والزراعة والصناعة، بما يخفف انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار الخبز والغذاء والنقل والمنتجات الأساسية.
فارتفاع سعر الوقود لا يتوقف أثره عند محطات التعبئة، وإنما ينتقل إلى كلفة نقل المواد الأولية والمنتجات وتشغيل الآليات وعمليات التوزيع، ما يجعل الطاقة أحد العوامل الرئيسية في تحديد كلفة السلع والخدمات.
أمن الطاقة.. التحدي الأكبر
ولا يرى صالح أن التركيز على سعر المحروقات وحده كافٍ لفهم الأزمة، إذ إن التحدي الأهم أمام سوريا يتمثل في قدرتها على مواجهة أزمات الطاقة المقبلة وتقليل انعكاساتها على المواطن والسوق والاقتصاد.
فالحروب الإقليمية، واضطراب طرق الشحن، وارتفاع أسعار النفط، واحتمالات تعطل المصافي أو خطوط النقل، كلها عوامل يمكن أن تتحول إلى صدمات متكررة، ما يجعل بناء أمن طاقي أكثر صلابة جزءاً أساسياً من السياسة الاقتصادية.
ويبرز في هذا السياق المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية باعتباره إحدى أهم أدوات مواجهة اضطرابات الإمداد، إذ يسمح بتأمين احتياجات السوق لفترة من الزمن، ويمنح الجهات المعنية هامشاً للتعامل مع الأزمة قبل تحولها إلى نقص حاد أو ارتفاعات أكبر في الأسعار.
وكانت وزارة الطاقة قد أكدت خلال أزمات سابقة أن المخزون الاستراتيجي والتشغيلي من المشتقات بقي ضمن الحدود الآمنة، مع استمرار عمليات التخزين والنقل والتوريد.
المخزون الاستراتيجي.. الحجم والمكان مهمان
ويحتاج بناء مخزون فعال، إلى سياسة واضحة تتجاوز معالجة الاختناقات المؤقتة، بحيث تحدد الكميات وفق حجم الاستهلاك، وعدد الأيام التي تستطيع البلاد تغطيتها في حال تعطل الإمدادات الخارجية، وطبيعة المخاطر الإقليمية التي قد تؤثر في طرق التوريد.
ولا يتعلق الأمر بحجم المخزون فقط، بل بطريقة توزيعه أيضاً، إذ إن تركيز الجزء الأكبر من الكميات في عدد محدود من المواقع قد يزيد هشاشة منظومة الإمداد في حال تعطل طريق أو منشأة أو منطقة معينة.
ويؤكد صالح أن المخزون الاستراتيجي وصيانة المصافي وتنويع مصادر التوريد تمثل أدوات أساسية لتخفيف تقلبات الأسعار وتعزيز قدرة السوق السورية على مواجهة اضطرابات الإمداد.
إلا أن هذه الأدوات، بحسبه، لا تستطيع عزل سوريا بصورة كاملة عن حركة أسواق الطاقة العالمية، لكنها تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وتقليل انتقال آثارها إلى السوق المحلية.
النقل.. أول من يدفع فاتورة الارتفاع
وعلى مستوى السوق المحلية، يبدو قطاع النقل المرشح الأول للتأثر بالزيادة الجديدة في أسعار حوامل الطاقة.
ويؤكد مدير الإعلام في الأمانة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك عبد الله حلاق، في حديثه للعين السورية، أن الحديث عن انعكاسات القرار على أسعار الأسواق لا يزال مبكراً، باعتبار أن القرار صدر اليوم الأحد.
ويرجح حلاق أن يكون قطاع النقل أول القطاعات المتأثرة برفع أسعار المحروقات، فيما يرى أن أسعار المواد والسلع الأخرى لا تتأثر بالضرورة بالدرجة نفسها.
ويعزو ذلك إلى طبيعة السوق المفتوحة والمنافسة، التي يقول إنها تضبط الأسعار لصالح المستهلك.
ويؤكد حلاق أنه لا عودة إلى نظام التسعير الذي كان معمولاً به سابقاً، في ظل التوجه نحو اقتصاد حر وتنافسي.
وأوضح أن دوريات حماية المستهلك لا تبحث في الأسعار أو تدقق في مستوياتها، وإنما تتركز مهامها على الإعلان عن الأسعار، والجودة والمواصفات، وضبط حالات الغش.
الأسر السورية أمام فاتورة جديدة
في المقابل، يحذر أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، في حديثه للعين السورية، من تفاقم الفجوة المعيشية في سوريا، معتبراً أن ارتفاع تكاليف الطاقة يأتي ليضيف عبئاً جديداً إلى أعباء تواجهها الأسر أصلاً في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويشير حبزة إلى أن تآكل القدرة الشرائية وتراجع مستويات الخدمات الأساسية ينعكسان بصورة مباشرة على جودة حياة الأسر، ويدفعانها إلى تقليص استهلاكها اليومي والبحث عن بدائل أقل تكلفة.
وقد يصل الأمر، بحسبه، إلى التنازل عن جودة بعض المواد الأساسية أو استبدالها بمنتجات أقل قيمة، في محاولة للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
وبذلك، لا يتحول ارتفاع المحروقات إلى قضية مرتبطة بالطاقة فقط، وإنما إلى عامل يؤثر في نمط استهلاك الأسرة السورية ومستوى معيشتها وقدرتها على تأمين احتياجاتها اليومية.
غلاء لا تصنعه المحروقات وحدها
ويرى حبزة أن ارتفاع أسعار المحروقات يأتي ضمن مجموعة من العوامل المتداخلة التي تساهم في زيادة الضغوط الاقتصادية.
فإلى جانب ارتفاعات الأسعار العالمية، تلعب القرارات الاقتصادية الداخلية دوراً محورياً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء وتكاليف النقل.
كما يحذر من أن ضعف الرقابة على الأسواق وانتشار الاحتكار والارتفاعات العشوائية للأسعار يمكن أن يضاعف أثر أي زيادة في تكاليف الطاقة، ويدفعها سريعاً نحو المستهلك.
«السوق الحر غير المنضبط» تحت المجهر
وينتقد حبزة ما يصفه بـ*«السوق الحر غير المنضبط»*، معتبراً أنه لم يحقق الوفرة أو المنافسة الشريفة المرجوة، بل أدى، بحسب رأيه، إلى فوضى في الأسعار.
ويشير إلى أن الجهات الرقابية، ومنها مديريات التموين وحماية المستهلك، فقدت الكثير من صلاحياتها في التدخل لتحديد الأسعار أو ضبط الربح الفاحش، لتتركز مهامها بصورة أكبر على مراقبة الإعلان عن الأسعار وضبط الغش.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: أسعار طاقة ترتفع، سوق تتحرك وفق المنافسة، وراتب وقدرة شرائية لا يواكبان ارتفاع تكاليف المعيشة.
من محطة الوقود إلى مائدة السوريين
رفع أسعار المحروقات قد لا يعني بالضرورة ارتفاعاً فورياً في جميع أسعار السلع، لكن الخطر الأكبر يكمن في أثره التراكمي، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الكهرباء والنقل والإنتاج واستمرار اضطرابات أسواق الطاقة.
ولهذا، فإن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى مقاربة تتجاوز قرار رفع أو خفض سعر المحروقات، وتتجه نحو بناء منظومة أكثر قدرة على حماية السوق والمواطن من الصدمات.
ويشمل ذلك تعزيز المخزون الاستراتيجي، وصيانة المصافي، وتنويع مصادر التوريد، وتطبيق شرائح أكثر حماية للقطاعات الحيوية، إلى جانب مكافحة الاحتكار ومنع الارتفاعات غير المبررة.
فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول سعر ليتر المحروقات، وإنما حول ما سيحدث بعد ذلك: أجور النقل، كلفة الإنتاج، أسعار المواد الغذائية، وفاتورة الأسرة السورية.
وبين محطة الوقود ومائدة السوريين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع السياسات الاقتصادية امتصاص صدمة المحروقات، أم أن ارتفاع الطاقة سيكون بوابة جديدة لمزيد من الغلاء واتساع الفجوة المعيشية؟
ومع استمرار اضطرابات أسواق النفط العالمية وتصاعد التوترات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة، تتزايد المخاوف من انعكاسات جديدة على السوق السورية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات مرتبطة بتأمين حوامل الطاقة واستقرار التغذية الكهربائية، بالتزامن مع ما تداولته وسائل إعلام عن زيادة ساعات تقنين الكهرباء.
ويأتي رفع الأسعار في وقت تتمسك فيه وزارة الاقتصاد والصناعة، ممثلة بالأمانة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بعدم العودة إلى آلية التسعير التي كانت معتمدة سابقاً، في إطار التوجه نحو اقتصاد حر وتنافسي.
وبين ارتفاع كلفة الطاقة وتراجع القدرة الشرائية، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تستطيع السوق السورية امتصاص الصدمة الجديدة، أم أن فاتورة المحروقات ستصل سريعاً إلى جيوب المواطنين؟
المحروقات.. صدمة تبدأ من الوقود ولا تنتهي عند المحطة
يربط الدكتور صبحي صالح، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، في حديثه للعين السورية، مرونة تسعير المحروقات بالتحول الأوسع نحو اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً، معتبراً أن العودة الكاملة إلى آليات التسعير القديمة أصبحت أمراً صعباً.
لكن صالح يرى أن تحرير الأسعار لا يعني ترك القطاعات الحيوية رهينة لتقلبات السوق، مشيراً إلى إمكانية الحد من آثار ارتفاع المحروقات من خلال حماية القطاعات الأكثر ارتباطاً بمعيشة المواطنين.
ويقترح في هذا السياق تعزيز نظام الشرائح للمحروقات المخصصة للأفران والنقل العام والزراعة والصناعة، بما يخفف انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار الخبز والغذاء والنقل والمنتجات الأساسية.
فارتفاع سعر الوقود لا يتوقف أثره عند محطات التعبئة، وإنما ينتقل إلى كلفة نقل المواد الأولية والمنتجات وتشغيل الآليات وعمليات التوزيع، ما يجعل الطاقة أحد العوامل الرئيسية في تحديد كلفة السلع والخدمات.
أمن الطاقة.. التحدي الأكبر
ولا يرى صالح أن التركيز على سعر المحروقات وحده كافٍ لفهم الأزمة، إذ إن التحدي الأهم أمام سوريا يتمثل في قدرتها على مواجهة أزمات الطاقة المقبلة وتقليل انعكاساتها على المواطن والسوق والاقتصاد.

فالحروب الإقليمية، واضطراب طرق الشحن، وارتفاع أسعار النفط، واحتمالات تعطل المصافي أو خطوط النقل، كلها عوامل يمكن أن تتحول إلى صدمات متكررة، ما يجعل بناء أمن طاقي أكثر صلابة جزءاً أساسياً من السياسة الاقتصادية.
ويبرز في هذا السياق المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية باعتباره إحدى أهم أدوات مواجهة اضطرابات الإمداد، إذ يسمح بتأمين احتياجات السوق لفترة من الزمن، ويمنح الجهات المعنية هامشاً للتعامل مع الأزمة قبل تحولها إلى نقص حاد أو ارتفاعات أكبر في الأسعار.
وكانت وزارة الطاقة قد أكدت خلال أزمات سابقة أن المخزون الاستراتيجي والتشغيلي من المشتقات بقي ضمن الحدود الآمنة، مع استمرار عمليات التخزين والنقل والتوريد.
المخزون الاستراتيجي.. الحجم والمكان مهمان
ويحتاج بناء مخزون فعال، إلى سياسة واضحة تتجاوز معالجة الاختناقات المؤقتة، بحيث تحدد الكميات وفق حجم الاستهلاك، وعدد الأيام التي تستطيع البلاد تغطيتها في حال تعطل الإمدادات الخارجية، وطبيعة المخاطر الإقليمية التي قد تؤثر في طرق التوريد.
ولا يتعلق الأمر بحجم المخزون فقط، بل بطريقة توزيعه أيضاً، إذ إن تركيز الجزء الأكبر من الكميات في عدد محدود من المواقع قد يزيد هشاشة منظومة الإمداد في حال تعطل طريق أو منشأة أو منطقة معينة.
ويؤكد صالح أن المخزون الاستراتيجي وصيانة المصافي وتنويع مصادر التوريد تمثل أدوات أساسية لتخفيف تقلبات الأسعار وتعزيز قدرة السوق السورية على مواجهة اضطرابات الإمداد.
إلا أن هذه الأدوات، بحسبه، لا تستطيع عزل سوريا بصورة كاملة عن حركة أسواق الطاقة العالمية، لكنها تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وتقليل انتقال آثارها إلى السوق المحلية.
النقل.. أول من يدفع فاتورة الارتفاع
وعلى مستوى السوق المحلية، يبدو قطاع النقل المرشح الأول للتأثر بالزيادة الجديدة في أسعار حوامل الطاقة.
ويؤكد مدير الإعلام في الأمانة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك عبد الله حلاق، في حديثه للعين السورية، أن الحديث عن انعكاسات القرار على أسعار الأسواق لا يزال مبكراً، باعتبار أن القرار صدر اليوم الأحد.
ويرجح حلاق أن يكون قطاع النقل أول القطاعات المتأثرة برفع أسعار المحروقات، فيما يرى أن أسعار المواد والسلع الأخرى لا تتأثر بالضرورة بالدرجة نفسها.
ويعزو ذلك إلى طبيعة السوق المفتوحة والمنافسة، التي يقول إنها تضبط الأسعار لصالح المستهلك.
ويؤكد حلاق أنه لا عودة إلى نظام التسعير الذي كان معمولاً به سابقاً، في ظل التوجه نحو اقتصاد حر وتنافسي.

وأوضح أن دوريات حماية المستهلك لا تبحث في الأسعار أو تدقق في مستوياتها، وإنما تتركز مهامها على الإعلان عن الأسعار، والجودة والمواصفات، وضبط حالات الغش.
الأسر السورية أمام فاتورة جديدة
في المقابل، يحذر أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، في حديثه للعين السورية، من تفاقم الفجوة المعيشية في سوريا، معتبراً أن ارتفاع تكاليف الطاقة يأتي ليضيف عبئاً جديداً إلى أعباء تواجهها الأسر أصلاً في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويشير حبزة إلى أن تآكل القدرة الشرائية وتراجع مستويات الخدمات الأساسية ينعكسان بصورة مباشرة على جودة حياة الأسر، ويدفعانها إلى تقليص استهلاكها اليومي والبحث عن بدائل أقل تكلفة.
وقد يصل الأمر، بحسبه، إلى التنازل عن جودة بعض المواد الأساسية أو استبدالها بمنتجات أقل قيمة، في محاولة للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
وبذلك، لا يتحول ارتفاع المحروقات إلى قضية مرتبطة بالطاقة فقط، وإنما إلى عامل يؤثر في نمط استهلاك الأسرة السورية ومستوى معيشتها وقدرتها على تأمين احتياجاتها اليومية.
غلاء لا تصنعه المحروقات وحدها
ويرى حبزة أن ارتفاع أسعار المحروقات يأتي ضمن مجموعة من العوامل المتداخلة التي تساهم في زيادة الضغوط الاقتصادية.
فإلى جانب ارتفاعات الأسعار العالمية، تلعب القرارات الاقتصادية الداخلية دوراً محورياً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء وتكاليف النقل.
كما يحذر من أن ضعف الرقابة على الأسواق وانتشار الاحتكار والارتفاعات العشوائية للأسعار يمكن أن يضاعف أثر أي زيادة في تكاليف الطاقة، ويدفعها سريعاً نحو المستهلك.
«السوق الحر غير المنضبط» تحت المجهر
وينتقد حبزة ما يصفه بـ*«السوق الحر غير المنضبط»*، معتبراً أنه لم يحقق الوفرة أو المنافسة الشريفة المرجوة، بل أدى، بحسب رأيه، إلى فوضى في الأسعار.
ويشير إلى أن الجهات الرقابية، ومنها مديريات التموين وحماية المستهلك، فقدت الكثير من صلاحياتها في التدخل لتحديد الأسعار أو ضبط الربح الفاحش، لتتركز مهامها بصورة أكبر على مراقبة الإعلان عن الأسعار وضبط الغش.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: أسعار طاقة ترتفع، سوق تتحرك وفق المنافسة، وراتب وقدرة شرائية لا يواكبان ارتفاع تكاليف المعيشة.
من محطة الوقود إلى مائدة السوريين
رفع أسعار المحروقات قد لا يعني بالضرورة ارتفاعاً فورياً في جميع أسعار السلع، لكن الخطر الأكبر يكمن في أثره التراكمي، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الكهرباء والنقل والإنتاج واستمرار اضطرابات أسواق الطاقة.
ولهذا، فإن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى مقاربة تتجاوز قرار رفع أو خفض سعر المحروقات، وتتجه نحو بناء منظومة أكثر قدرة على حماية السوق والمواطن من الصدمات.
ويشمل ذلك تعزيز المخزون الاستراتيجي، وصيانة المصافي، وتنويع مصادر التوريد، وتطبيق شرائح أكثر حماية للقطاعات الحيوية، إلى جانب مكافحة الاحتكار ومنع الارتفاعات غير المبررة.
فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول سعر ليتر المحروقات، وإنما حول ما سيحدث بعد ذلك: أجور النقل، كلفة الإنتاج، أسعار المواد الغذائية، وفاتورة الأسرة السورية.
وبين محطة الوقود ومائدة السوريين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع السياسات الاقتصادية امتصاص صدمة المحروقات، أم أن ارتفاع الطاقة سيكون بوابة جديدة لمزيد من الغلاء واتساع الفجوة المعيشية؟


