سوريا - اقتصاد
هل تعود سوريا إلى التمويل الدولي من بوابة النفط؟
تساؤلات عديدة يجيب عليها الخبير الاقتصادي د. ياسين العلي في حديثه مع " العين السورية "
ا
العين السورية
نشر في: ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٦:٢٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية _ خاص
للمرة الأولى منذ 14 عاماً، يُفتح اعتماد مستندي لدى مصرف سورية المركزي لتمويل توريد منتجات نفطية إلى سوريا، بمشاركة مصرف أمريكي كبير. لكن السؤال الأهم ليس كيف ستُموَّل هذه الصفقة، بل ما إذا كانت سوريا قادرة على تحويلها من معاملة استثنائية إلى باب يعيد ربط تجارتها الخارجية بالقنوات المصرفية الدولية.
فالاعتماد المستندي ليس مجرد إجراء لتسديد ثمن شحنة نفطية، بل أداة لتنظيم الدفع وضمان حقوق أطراف التجارة. وعودة استخدامه تطرح اختباراً أوسع للاقتصاد السوري: هل يستعيد القدرة على تنفيذ المدفوعات الدولية فقط، أم يستطيع أيضاً الحصول على تمويل مصرفي يخفف الضغط على السيولة ويفتح المجال أمام استيراد المواد الأساسية وتمويل الإنتاج؟
تكمن إحدى أهم النقاط في معرفة طبيعة دور المصرف الأمريكي المشارك في العملية، فوجود مصرف دولي لا يعني بالضرورة أنه قدّم قرضاً لسوريا، أو أنه موّل قيمة الشحنة من أمواله الخاصة.
هذا التمييز ليس تفصيلاً تقنياً؛ بل هو ما يحدد القيمة الاقتصادية الفعلية للعملية. فإذا كان الاعتماد مغطى بالكامل بأموال متاحة مسبقاً، فإن فائدته الأساسية تتمثل في تنظيم الدفع وضمان تنفيذ المعاملة وفق شروطها.
ويشير العلي إلى أن معرفة قيمة الاعتماد، ومصدر تمويله، ونسبة تغطيته النقدية، وطبيعة دور المصرف الأمريكي، ضرورية لتحديد ما إذا كانت العملية تمثل استعادة قناة للدفع أم بداية لاستعادة الائتمان التجاري.
14 عاماً من العزلة.. ماذا تغيّر!
من هنا تكتسب عودة الاعتماد المستندي أهميتها، خصوصاً مع مشاركة مصرف أمريكي كبير، لكنها لا تعني تلقائياً زوال العقبات التي أعاقت التعاملات المصرفية السورية، ولا تثبت أن المصارف الدولية أصبحت مستعدة لتمويل التجارة السورية على نطاق واسع.
فالانفتاح المصرفي لا يُقاس بمجرد السماح بتنفيذ معاملة، بل بقدرة المصارف على إقامة علاقات مستمرة، وتوفير خدمات تمويل التجارة بشروط واضحة، وتوسيع عدد الجهات المستعدة للتعامل مع المؤسسات السورية.
وبحسب العلي، فإن الانتقال من المعاملات المحدودة إلى التمويل المستدام يتطلب تحسين الحوكمة والشفافية والامتثال وإدارة المخاطر، إلى جانب تطوير قدرة المصارف المحلية على تنفيذ الاعتمادات بصورة منتظمة وتنافسية.
هل يخفّض الاعتماد فاتورة النفط؟
قد تساعد الاعتمادات المستندية على تقليص بعض تكاليف الوساطة، والحد من مخاطر الدفع، وتحسين تنظيم المدفوعات الخارجية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة استيراد المشتقات النفطية، ولا يضمن تراجع أسعارها في السوق المحلية.
فإذا كان الاعتماد ممولاً من السيولة الأجنبية المتاحة لدى المستورد، فإنه ينظم استخدامها ولا يولّد دولارات إضافية. أما التمويل الخارجي المؤجل، فيمكن أن يخفف الضغط الفوري على السيولة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تأمين القطع الأجنبي عند حلول موعد السداد.
كذلك، يتوقف انعكاس أي وفر على أسعار المشتقات النفطية على حجم الوفر نفسه مقارنة بكلفة التوريد والنقل والتمويل وسعر الصرف، فضلاً عن آليات التسعير المحلية.
لذلك، فإن الأثر الأهم للخطوة قد يكون في تحسين طريقة تمويل التجارة وإدارة المدفوعات، لا في إحداث انخفاض فوري في الأسعار.
من النفط إلى القمح والدواء.. هل تتوسع التجربة؟
إذا أمكن تكرار العملية، فقد تفتح المجال أمام استخدام الاعتمادات المستندية في استيراد القمح والأدوية والمواد الأولية الصناعية. وتكمن أهمية ذلك في إمكانية تنظيم مدفوعات هذه المستوردات وتقليل بعض المخاطر المرتبطة بتمويلها.
لكن تعميم التجربة يحتاج إلى أكثر من قرار مصرفي. فهو يتطلب توافر السيولة والضمانات، ومصارف مراسلة مستعدة للتعامل، وقدرة على استيفاء متطلبات الامتثال، إلى جانب شروط تمويل تتناسب مع طبيعة كل قطاع.
وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: هل ستُستخدم عودة التمويل لتسهيل الاستيراد فحسب، أم لتوفير مدخلات الإنتاج التي تساعد على توسيع النشاط الصناعي والزراعي وزيادة الصادرات؟
يحذر العلي من الخلط بين تأجيل دفع قيمة المستوردات وحل مشكلة العجز الخارجي. فالتمويل التجاري قد يمنح الاقتصاد وقتاً لإدارة التزاماته، لكنه لا يعالج نقص موارد القطع الأجنبي إذا لم يقترن بزيادة الإنتاج والصادرات.
الاختبار ليس في الصفقة.. بل في تكرارها!
لتقييم الأثر الحقيقي للخطوة، لا بد من مراقبة عدد الاعتمادات المستندية التي ستُفتح لاحقاً، وقيمتها، وتنوع المصارف المشاركة، وتكاليف التمويل وآجال السداد، ومدى استفادة القطاعات الإنتاجية منها.
كما أن نشر تفاصيل الصفقة الحالية، ضمن ما تسمح به الاعتبارات المصرفية والتعاقدية، من شأنه أن يساعد على تحديد طبيعة الإنجاز وحدوده، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن عودة أداة مصرفية بعد انقطاع طويل.
فالمشكلة التي تواجه الاقتصاد السوري لا تقتصر على كيفية تسديد ثمن المستوردات، بل تشمل أيضاً القدرة على تمويلها، وتأمين القطع الأجنبي اللازم لها، وتوليد موارد جديدة تسدّد الالتزامات الخارجية.
وهذا هو الفارق بين نجاح صفقة نفطية ونجاح تحول مصرفي. الأول يمكن أن يتحقق بمعاملة واحدة، أما الثاني فيحتاج إلى قنوات دفع مستدامة، وائتمان تجاري متاح، وقطاع إنتاجي قادر على توليد الدخل والصادرات.
بعد 14 عاماً، قد يكون فتح الاعتماد خطوة مهمة، علما ان الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: ياترى هل تستطيع سوريا تحويل هذه النافذة المصرفية إلى مسار منتظم لتمويل تجارتها وإنتاجها، أم ستبقى العودة محصورة بصفقات محددة ؟
للمرة الأولى منذ 14 عاماً، يُفتح اعتماد مستندي لدى مصرف سورية المركزي لتمويل توريد منتجات نفطية إلى سوريا، بمشاركة مصرف أمريكي كبير. لكن السؤال الأهم ليس كيف ستُموَّل هذه الصفقة، بل ما إذا كانت سوريا قادرة على تحويلها من معاملة استثنائية إلى باب يعيد ربط تجارتها الخارجية بالقنوات المصرفية الدولية.
فالاعتماد المستندي ليس مجرد إجراء لتسديد ثمن شحنة نفطية، بل أداة لتنظيم الدفع وضمان حقوق أطراف التجارة. وعودة استخدامه تطرح اختباراً أوسع للاقتصاد السوري: هل يستعيد القدرة على تنفيذ المدفوعات الدولية فقط، أم يستطيع أيضاً الحصول على تمويل مصرفي يخفف الضغط على السيولة ويفتح المجال أمام استيراد المواد الأساسية وتمويل الإنتاج؟
تساؤلات عديدة يجيب عليها الخبير الاقتصادي د. ياسين العلي في حديثه مع " العين السورية " موضحا أن أهمية الخطوة تتجاوز الصفقة النفطية، لكنها لا تكفي وحدها للحديث عن عودة سوريا إلى النظام المصرفي الدولي.
فنجاح معاملة واحدة يثبت إمكانية تنفيذها ضمن ترتيبات محددة، بينما يتطلب التحول الحقيقي قدرة المصارف على تكرار هذه العمليات بصورة منتظمة، وبتكاليف وشروط تمويل قابلة للاستمرار.
من يدفع ثمن الصفقة؟
من يدفع ثمن الصفقة؟
تكمن إحدى أهم النقاط في معرفة طبيعة دور المصرف الأمريكي المشارك في العملية، فوجود مصرف دولي لا يعني بالضرورة أنه قدّم قرضاً لسوريا، أو أنه موّل قيمة الشحنة من أمواله الخاصة.
واضاف أن هناك فرق بين مصرف يتولى تنفيذ المدفوعات أو تسويتها، وآخر يؤكد الاعتماد ويتحمل التزاماً مصرفياً محدداً، وثالث يقدم تمويلاً مؤجلاً يتيح للمستورد تسديد قيمة البضاعة في وقت لاحق.
هذا التمييز ليس تفصيلاً تقنياً؛ بل هو ما يحدد القيمة الاقتصادية الفعلية للعملية. فإذا كان الاعتماد مغطى بالكامل بأموال متاحة مسبقاً، فإن فائدته الأساسية تتمثل في تنظيم الدفع وضمان تنفيذ المعاملة وفق شروطها.
أما إذا تضمن تمويلاً خارجياً، فقد يمنح المستورد مهلة للسداد ويخفف حاجته الفورية إلى السيولة، لكنه ينشئ التزاماً مالياً يستحق لاحقاً.
ويشير العلي إلى أن معرفة قيمة الاعتماد، ومصدر تمويله، ونسبة تغطيته النقدية، وطبيعة دور المصرف الأمريكي، ضرورية لتحديد ما إذا كانت العملية تمثل استعادة قناة للدفع أم بداية لاستعادة الائتمان التجاري.
14 عاماً من العزلة.. ماذا تغيّر!
خلال السنوات الماضية، واجهت التجارة السورية صعوبات في استخدام القنوات المصرفية الدولية، في ظل العقوبات ومخاطر الامتثال وتراجع علاقات المراسلة بين المصارف. وأسهمت هذه الظروف في دفع بعض التعاملات نحو الوسطاء والدفعات المسبقة ووسائل التسوية غير المباشرة، التي قد تزيد الكلفة والمخاطر.
من هنا تكتسب عودة الاعتماد المستندي أهميتها، خصوصاً مع مشاركة مصرف أمريكي كبير، لكنها لا تعني تلقائياً زوال العقبات التي أعاقت التعاملات المصرفية السورية، ولا تثبت أن المصارف الدولية أصبحت مستعدة لتمويل التجارة السورية على نطاق واسع.
فالانفتاح المصرفي لا يُقاس بمجرد السماح بتنفيذ معاملة، بل بقدرة المصارف على إقامة علاقات مستمرة، وتوفير خدمات تمويل التجارة بشروط واضحة، وتوسيع عدد الجهات المستعدة للتعامل مع المؤسسات السورية.
وبحسب العلي، فإن الانتقال من المعاملات المحدودة إلى التمويل المستدام يتطلب تحسين الحوكمة والشفافية والامتثال وإدارة المخاطر، إلى جانب تطوير قدرة المصارف المحلية على تنفيذ الاعتمادات بصورة منتظمة وتنافسية.
هل يخفّض الاعتماد فاتورة النفط؟
قد تساعد الاعتمادات المستندية على تقليص بعض تكاليف الوساطة، والحد من مخاطر الدفع، وتحسين تنظيم المدفوعات الخارجية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة استيراد المشتقات النفطية، ولا يضمن تراجع أسعارها في السوق المحلية.
فإذا كان الاعتماد ممولاً من السيولة الأجنبية المتاحة لدى المستورد، فإنه ينظم استخدامها ولا يولّد دولارات إضافية. أما التمويل الخارجي المؤجل، فيمكن أن يخفف الضغط الفوري على السيولة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تأمين القطع الأجنبي عند حلول موعد السداد.
كذلك، يتوقف انعكاس أي وفر على أسعار المشتقات النفطية على حجم الوفر نفسه مقارنة بكلفة التوريد والنقل والتمويل وسعر الصرف، فضلاً عن آليات التسعير المحلية.
لذلك، فإن الأثر الأهم للخطوة قد يكون في تحسين طريقة تمويل التجارة وإدارة المدفوعات، لا في إحداث انخفاض فوري في الأسعار.
من النفط إلى القمح والدواء.. هل تتوسع التجربة؟
إذا أمكن تكرار العملية، فقد تفتح المجال أمام استخدام الاعتمادات المستندية في استيراد القمح والأدوية والمواد الأولية الصناعية. وتكمن أهمية ذلك في إمكانية تنظيم مدفوعات هذه المستوردات وتقليل بعض المخاطر المرتبطة بتمويلها.
لكن تعميم التجربة يحتاج إلى أكثر من قرار مصرفي. فهو يتطلب توافر السيولة والضمانات، ومصارف مراسلة مستعدة للتعامل، وقدرة على استيفاء متطلبات الامتثال، إلى جانب شروط تمويل تتناسب مع طبيعة كل قطاع.
وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: هل ستُستخدم عودة التمويل لتسهيل الاستيراد فحسب، أم لتوفير مدخلات الإنتاج التي تساعد على توسيع النشاط الصناعي والزراعي وزيادة الصادرات؟
يحذر العلي من الخلط بين تأجيل دفع قيمة المستوردات وحل مشكلة العجز الخارجي. فالتمويل التجاري قد يمنح الاقتصاد وقتاً لإدارة التزاماته، لكنه لا يعالج نقص موارد القطع الأجنبي إذا لم يقترن بزيادة الإنتاج والصادرات.
الاختبار ليس في الصفقة.. بل في تكرارها!
لتقييم الأثر الحقيقي للخطوة، لا بد من مراقبة عدد الاعتمادات المستندية التي ستُفتح لاحقاً، وقيمتها، وتنوع المصارف المشاركة، وتكاليف التمويل وآجال السداد، ومدى استفادة القطاعات الإنتاجية منها.
كما أن نشر تفاصيل الصفقة الحالية، ضمن ما تسمح به الاعتبارات المصرفية والتعاقدية، من شأنه أن يساعد على تحديد طبيعة الإنجاز وحدوده، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن عودة أداة مصرفية بعد انقطاع طويل.
فالمشكلة التي تواجه الاقتصاد السوري لا تقتصر على كيفية تسديد ثمن المستوردات، بل تشمل أيضاً القدرة على تمويلها، وتأمين القطع الأجنبي اللازم لها، وتوليد موارد جديدة تسدّد الالتزامات الخارجية.
وهذا هو الفارق بين نجاح صفقة نفطية ونجاح تحول مصرفي. الأول يمكن أن يتحقق بمعاملة واحدة، أما الثاني فيحتاج إلى قنوات دفع مستدامة، وائتمان تجاري متاح، وقطاع إنتاجي قادر على توليد الدخل والصادرات.
بعد 14 عاماً، قد يكون فتح الاعتماد خطوة مهمة، علما ان الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: ياترى هل تستطيع سوريا تحويل هذه النافذة المصرفية إلى مسار منتظم لتمويل تجارتها وإنتاجها، أم ستبقى العودة محصورة بصفقات محددة ؟


