يعود القطن السوري إلى الحقول وسط محاولات لاستعادة مكانته في القطاعين الزراعي والصناعي، لكن الطريق من زراعة المحصول إلى تحقيق عائد اقتصادي مجزٍ لا يزال محفوفاً بالتحديات. فارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، وتراجع الموارد المائية، وزيادة أعباء الري والمحروقات، إلى جانب تأخر تحديد الأسعار وآليات التسويق، تضع المزارعين أمام معادلة صعبة، عنوانها ارتفاع النفقات مقابل عائد لا يزال غير مضمون.
وبحسب البيانات المتاحة للموسم الزراعي 2026، يُقدّر الإنتاج المتوقع بنحو 79.5 ألف طن، فيما يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن الفجوة لا تزال واسعة بين الإنتاج الحالي والإمكانات التي يمكن أن يحققها القطاع.
وفي تصريح خاص لـ«العين السورية»، يوضح محمد أن القطن يُعدّ من المحاصيل الاستراتيجية التي شكّلت لعقود ركيزة للاقتصاد الزراعي والصناعي في سوريا، لارتباطه بصناعات الحلج والغزل والنسيج، وتوفيره فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعشرات الآلاف.
ويشير إلى أن الإنتاج الاقتصادي الممكن، وفق تقديره استناداً إلى بيانات وزارة الاقتصاد، يتراوح بين 300 و400 ألف طن سنوياً، بما يمكن أن يلبّي احتياجات السوق المحلية، في حين لا يتجاوز إنتاج الموسم الحالي 79,467 طناً بحسب بيانات وزارة الزراعة، مقارنة بأكثر من مليون طن في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين (مطلع الألفية)
ولا تقتصر أهمية القطن على كونه محصولاً زراعياً، إذ يشير الخبير إلى أن الصناعات النسيجية كانت تمثل نحو 25 إلى 30% من الإنتاج الصناعي غير النفطي، وأن تحويل القطن الخام إلى خيوط وأقمشة يمكن أن يضاعف قيمته المضافة من ثلاث إلى خمس مرات. وهذا ما يجعل تراجع المحصول قضية تتجاوز دخل المزارع لتطال الصناعة والتشغيل والقدرة على تلبية الطلب المحلي.
الرقة في صدارة المشهد الإنتاجي
تحتل محافظة الرقة موقعاً مهماً في خارطة زراعة القطن السورية، إذ تشكل تكاليف الري والاعتماد على المحروقات أحد أبرز التحديات أمام المزارعين. ويقدّر رئيس المكاتب التخصصية في مديرية زراعة الرقة، أحمد ثلجي، كلفة إنتاج الطن الواحد بنحو 700 دولار، في وقت كان فيه المزارعون لا يزالون ينتظرون بدء التسويق الرسمي وتحديد آلياته.
وتزداد الضغوط مع ارتفاع أسعار المازوت وتكاليف العمالة والنقل، ما يجعل السعر المتداول غير كافٍ بالضرورة لتغطية النفقات الفعلية. كما أن غياب الوضوح بشأن التسويق يضع المزارع أمام خيارات محدودة، بين البيع وفق الأسعار المتاحة أو الانتظار على أمل الحصول على سعر أفضل، مع ما يحمله التأخير من مخاطر وتكاليف إضافية.
تظهر الصورة عاملات يقطفن القطن في أحد حقول الرقة - صورة خاصة بـ "العين السورية" ولا تبدو هذه التحديات منفصلة عن واقع البنية التحتية الزراعية، إذ يربط الدكتور عبد الرحمن محمد تراجع زراعة القطن بارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر التسعير والتسويق، إلى جانب تراجع البنية التحتية للري والحلج. ويحذّر من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع المزارعين إلى التحول نحو محاصيل بديلة أقل تكلفة، بما يؤدي إلى مزيد من تقلص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة.
ويستشهد محمد بمنطقة الغاب، حيث يشير إلى انخفاض المساحة المزروعة بالقطن من 7,006 هكتارات عام 2011 إلى 4.4 هكتارات فقط في الموسم الحالي
المزارع بين ارتفاع التكاليف وأسعار السوق
على الأرض، تبدو الأرقام أكثر وضوحاً في تفاصيل الموسم اليومية. حيث يروي المزارع "خليل العثمان الحمود"، من مزرعة ميسلون في الرقة، أن
❝زراعة القطن بدأت في آذار، وأن المحصول احتاج إلى الري نحو 13 مرة، في ظل عدم وصول مياه شبكة الري إلى أرضه، ما اضطره إلى الاعتماد على المازوت لتأمين المياه.❞
ويشير الحمود إلى أن سعر برميل المازوت ارتفع من نحو 100 دولار في بداية الموسم إلى قرابة 300 دولار، فيما تراوحت تكاليف زراعة الدونم الواحد، باستثناء المازوت، بين 150 و230 دولاراً. كما بلغت أجور قطاف المحصول نحو 100 دولار، ووصلت تكاليف نقل العمال إلى نحو 110–120 دولاراً للطن، وفق تقديراته.
ويضيف أن أسعار القطن المتداولة، التي تراوحت بين 750 و850 دولاراً للطن، لا تعني بالضرورة تحقيق ربح، إذ يجب احتساب تكاليف الوقود والري والعمالة وسائر مستلزمات الإنتاج. لذلك يطالب بتحديد سعر رسمي يراعي التكاليف الفعلية، ويمنح المزارع فرصة لاسترداد نفقاته وتحقيق عائد يضمن استمرار زراعة المحصول في المواسم المقبلة.
تسعير عادل يسبق الموسم لا يلحق به
لا تتوقف المشكلة عند ارتفاع النفقات، بل تمتد إلى توقيت تحديد السعر وآلية احتسابه. ويؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن الوصول إلى سعر عادل يتطلب احتساب تكاليف الإنتاج الفعلية، بما يشمل البذار والأسمدة والمحروقات وأجور العمالة والري ومكافحة الآفات، على أن يضاف إليها هامش ربح مناسب يضمن للمزارع جدوى الاستمرار في زراعة المحصول.
ويشدد الخبير على ضرورة إعلان السعر التأشيري قبل بدء الموسم الزراعي، لا بعد انتهاء معظم عمليات الإنتاج، حتى يتمكن المزارع من اتخاذ قراره بناءً على حسابات اقتصادية واضحة. ويرى أن التسعيرة المتداولة البالغة 85 ليرة جديدة للكيلوغرام لم تغطِّ التكاليف، فيما يقدّر المزارعون السعر العادل بما لا يقل عن 750 دولاراً للطن أو ما يعادله بالليرة السورية بما يقارب 105 آلاف ليرة سورية جديدة.
كما يدعو إلى ربط التسعير بآلية دعم لمستلزمات الإنتاج، ولا سيما المحروقات والبذار، لأن رفع السعر وحده لن يكون كافياً إذا بقيت كلفة الزراعة مرتفعة إلى هذا الحد.
ومن جهته، يوضح رئيس اتحاد فلاحي الرقة، عيسى العيسى، أن
❝دراسة تكاليف الإنتاج رُفعت إلى الجهات المعنية، وأن لجنة مختصة تدرس التسعيرة، مؤكداً ضرورة أن تراعي الأسعار الأعباء الفعلية التي يتحملها الفلاحون.❞
وفي السياق نفسه، يشير مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة، الدكتور محمد معري، إلى التحديات التي يواجهها الموسم، وفي مقدمتها تراجع الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر تحديد سعر المحصول وتسديد مستحقات المزارعين، موضحاً أن الجهات المعنية في الوزارة تعمل على استكمال إجراءات تحديد التسعيرة الخاصة بالموسم الجديد.
تأخر التسويق يهدد استمرار زراعة القطن
يؤثر تأخر التسعير والتسويق في قدرة المزارع على التخطيط للموسم التالي، إذ لا يستطيع تحديد جدوى الزراعة أو تقدير العائد المتوقع من دون معرفة السعر وآلية الاستلام والجهة التي ستشتري المحصول.
ويحذّر الدكتور عبد الرحمن محمد من أن غياب جهة تسويقية رسمية واضحة يضع المزارعين تحت ضغط السوق، وقد يدفعهم إلى بيع إنتاجهم بأسعار منخفضة لا تغطي تكاليفهم، مع تراكم الديون وتراجع قدرتهم على تمويل المواسم اللاحقة. ويضيف أن استمرار هذه الظروف يهدد بتراجع المساحات المزروعة، ويضعف قدرة القطاع على استعادة مستويات إنتاجه السابقة.
ويرى الخبير أن الدولة ينبغي أن تضطلع بدور الضامن الأخير لشراء المحصول عبر المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان، مع فتح مراكز استلام في مناطق الإنتاج كافة، وصرف مستحقات المزارعين فور التسليم بدلاً من تأخيرها لأشهر.
كما يدعو إلى تنظيم العلاقة بين المزارعين والقطاع الخاص من خلال الزراعة التعاقدية، بحيث يلتزم المصنّعون بشراء المحصول وفق أسعار متفق عليها مسبقاً، مع وجود ضمانات تكفل تنفيذ العقود وتحمي المزارع من الإخلال بالاتفاقات. تظهر الصورة عاملات يقطفن القطن في أحد حقول الرقة - صورة خاصة بـ "العين السورية"
عودة المحالج.. خطوة نحو استعادة التصنيع
لا تتوقف أهمية القطن عند كونه محصولاً زراعياً، فهو مادة أولية ترتبط بها سلسلة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ من الحقول، وتمر بالحلج والغزل والنسيج، وصولاً إلى المنتجات النهائية والأسواق المحلية والخارجية.
وفي هذا السياق، استأنف محلج محردة في محافظة حماة عمله في 30 أيلول 2026، بعد توقف استمر أربع سنوات، بطاقة تصل إلى نحو 12 طناً في الوردية الواحدة. كما يعمل محلجا العاصي في حماة وتشرين في حلب، بينما لا يزال محلج الفداء في حماة خارج الخدمة.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن عودة محالج محردة والعاصي وتشرين إلى العمل تمثل خطوة أولى لاستعادة الدورة الإنتاجية للقطن، لكنها لا تكفي بمفردها لتحقيق التعافي ما لم ترتبط هذه المنشآت بوحدات الغزل والنسيج، بحيث يُحوَّل القطن المحلوج إلى خيوط وأقمشة داخل سوريا بدلاً من الاكتفاء بتصديره مادة خاماً.
ويشير الخبير إلى أن تحويل 10 آلاف طن من القطن محلياً يمكن أن يوفر عشرات الملايين من الدولارات من واردات المنسوجات، لافتاً إلى أن ذلك يتطلب إعادة تأهيل المنشآت الصناعية المتوقفة، التي يقدّر أن نحو 50% من المنشآت النسيجية لا تزال خارج العمل، وفق تصريحه.
من المحصول الخام إلى قيمة مضافة محلية
اقتصادياً، لا تتحدد قيمة القطن بسعر بيعه عند الحصاد فقط، بل بما يمكن أن يولده من قيمة مضافة خلال مراحل التصنيع. فحلج القطن وغزله وتحويله إلى خيوط وأقمشة ومنتجات نسيجية يتيح توسيع النشاط الصناعي، وخلق فرص عمل، وتحريك الطلب على الخدمات والنقل والطاقة، بدلاً من الاكتفاء بتسويق المادة الخام.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط المحالج بمصانع الغزل والنسيج من شأنه أن يعزز الاستفادة من المحصول محلياً، ويحد من الاعتماد على استيراد المنتجات النسيجية، شريطة توفير المواد الأولية بصورة منتظمة وتأمين الطاقة ومستلزمات التشغيل وإعادة تأهيل المنشآت القادرة على استيعاب الإنتاج.
كما تتطلب الاستفادة من هذه الإمكانات تنسيقاً بين الجهات الزراعية والصناعية والتسويقية، بما يضمن للمزارع سوقاً واضحة لمحصوله، ويوفر للمحالج والمصانع المواد الأولية اللازمة لاستمرار الإنتاج. ويشمل ذلك تطوير قنوات التسويق والتصدير، وتأمين مستلزمات الزراعة، وتحسين شبكات الري، وتوفير بيئة تسمح للقطاع الخاص بالمساهمة في التصنيع والتسويق ضمن قواعد واضحة.
أزمة بنية اقتصادية لا مجرد مشكلة سعر
في قراءته الأكاديمية، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن مشكلة القطن السوري لا تقتصر على تحديد سعر المحصول، بل ترتبط بأزمة مؤسسية في إدارة سلسلة القيمة الزراعية والصناعية. فغياب التنسيق بين وزارة الزراعة ووزارة الاقتصاد والمصرف الزراعي والمؤسسة العامة للحلج، بحسب رأيه، يخلق حالة من عدم اليقين، ويضعف قدرة المزارع على التخطيط، كما يحرم المصنّع من الاعتماد على مادة أولية محلية مستقرة.
ويؤكد أن معالجة جانب واحد من المشكلة لن تحقق النتيجة المطلوبة؛ فتحديد سعر أعلى من دون دعم مستلزمات الإنتاج، أو تقديم الدعم من دون توفير التسويق، أو تشغيل المحالج من دون ربطها بمصانع الغزل والنسيج، لن يؤدي إلى استعادة الدورة الاقتصادية المتكاملة للقطن.
ويطرح الخبير ما يصفه بضرورة بناء «عقد زراعي جديد»، تتوزع فيه المسؤوليات بين الدولة التي تضمن وضوح الأسعار والمخاطر وتوفير المستلزمات، والمزارع الذي يلتزم بالكميات والجودة، والقطاع الخاص الذي يسهم في التصنيع والتسويق.
إنقاذ القطن يبدأ من حماية المزارع
يتطلب استعادة مكانة القطن السوري حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بإعلان سعر تأشيري قبل الزراعة يحتسب التكاليف الفعلية وهامش الربح، وصرف مستحقات المزارعين فور تسليم المحصول، وتأمين البذار والمحروقات والأسمدة بأسعار مدعومة عبر المصرف الزراعي.
كما تشمل الإجراءات المطلوبة إعادة تأهيل شبكات الري والسدود لتأمين مياه الزراعة، وتفعيل الزراعة التعاقدية بين المزارعين والمصانع بإشراف الدولة، إلى جانب اعتماد سياسة جمركية متوازنة تحمي المنتج المحلي وتشجع التصنيع من دون الإضرار بمستلزمات الإنتاج أو تعطيل المنافسة.
وتكشف تجربة موسم 2026 أن زيادة الإنتاج المتوقعة لا تكفي وحدها لاستعادة مكانة القطن السوري، ما لم تنعكس على دخل المزارع واستقرار المنشآت الصناعية. فالمحصول الذي تتجاوز قيمته الاقتصادية حدود الحقل يحتاج إلى منظومة متكاملة تضمن استدامة زراعته، وتربط الإنتاج الزراعي بالحلج والتصنيع والتسويق.
وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وانتظار التسعيرة وآليات الاستلام، تبقى الأولوية لتوفير شروط اقتصادية تسمح للمزارع بالاستمرار، وللمنشآت الصناعية بالحصول على المواد الأولية، وللسوق باستيعاب الإنتاج. فاستعادة «الذهب الأبيض» لا تتحقق بمجرد عودة القطاف أو تشغيل المحالج، بل ببناء سلسلة إنتاج متكاملة تمنح كل حلقة فيها فرصة للاستمرار وتحقيق القيمة، وتعيد للقطن دوره في دعم الزراعة والصناعة والتشغيل وتقليل الاعتماد على الاستيراد.