سوريا - اقتصاد
اقتصاد الممرات في سوريا.. الترانزيت والنفط والسكك تعيد رسم خريطة التجارة
سوريا على خريطة الممرات الإقليمية.. هل تتحول الجغرافيا إلى ثروة؟
م
مجد محمد
نشر في: ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٥:٥٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بعد سنوات أضعفت فيها الحرب حركة التجارة والنقل عبر الأراضي السورية، بدأت مؤشرات جديدة تعيد سوريا تدريجياً إلى خريطة الممرات الإقليمية، مع ارتفاع حركة الترانزيت، وتوسع نقل المشتقات النفطية العراقية عبر ميناء بانياس، بالتوازي مع مساعٍ لإحياء خطوط الطاقة وإعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية.
لكن الرهان الاقتصادي يتجاوز مجرد مرور الشاحنات والطاقة عبر الأراضي السورية؛ إذ يكمن التحدي في تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية تبقى داخل البلاد، عبر رسوم العبور والخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتأمين والاستثمار وخلق فرص العمل.
فهل تستطيع سوريا الانتقال من دولة تعبرها التجارة والطاقة إلى «اقتصاد ممرات» يجعل من موقعها بين العراق وتركيا والأردن والبحر المتوسط مورداً اقتصادياً طويل الأجل؟
الترانزيت.. المؤشر الأول
تقدم حركة الشاحنات أحد أبرز المؤشرات على استعادة سوريا جزءاً من دورها كممر تجاري إقليمي، إذ تجاوز عدد شاحنات الترانزيت بين سوريا وتركيا 30 ألف شاحنة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقارنة بنحو 3500 شاحنة خلال عام 2025، وفق رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي.
وأشار بدوي أيضاً إلى عبور نحو 600 ألف شاحنة عبر المنافذ المشتركة منذ الثامن من كانون الأول 2024، في مؤشر على تنامي حركة البضائع والنقل البري.
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذه الحركة على رسوم العبور، إذ يمكن أن تنشأ حولها سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالنقل والتخزين والمناولة والتأمين والخدمات المصرفية وإعادة التصدير.
وفي تصريح خاص لـ«العين السورية»، يرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن أهمية الحركة القائمة اليوم تتجاوز أعداد الشاحنات، باعتبارها اختباراً عملياً لقدرة الأراضي السورية على التحول إلى ممر اقتصادي إقليمي، تستفيد منه الخزينة والقطاعات الخدمية والمجتمعات الواقعة على مسارات العبور.
بانياس يعيد سوريا إلى مسارات الطاقة
تظهر إمكانات الموقع السوري بصورة أوضح في قطاع الطاقة، بعدما بدأت الأراضي السورية تؤدي دوراً في نقل زيت الوقود العراقي براً إلى ميناء بانياس وإعادة تصديره عبر البحر المتوسط.
وخلال عام 2026، تحولت هذه الحركة إلى مسار تصدير فعلي، ووصلت شحنات عراقية محملة من بانياس إلى أسواق خارجية، من بينها الولايات المتحدة وإسبانيا ومصر.
ويضيف خط الغاز العربي بعداً آخر لموقع سوريا ضمن شبكات الطاقة الإقليمية، فيما يرى الدكتور فادي عياش أن حركة النفط الحالية يمكن أن تشكل أساساً لمشاريع أكبر تربط مصادر الطاقة العراقية بالبحر المتوسط، ولا سيما إذا انتقل النقل مستقبلاً من الاعتماد على الصهاريج إلى بنية تحتية أكثر كفاءة عبر خطوط الأنابيب ومحطات الضخ.
ولا يعني ذلك أن الممر السوري قادر على الحلول محل مضيق هرمز، وإنما يمكن أن يوفر للعراق مساراً إضافياً لتنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على طريق واحد، وهو ما يمنح الموقع السوري قيمة اقتصادية واستراتيجية إضافية.
السكك الحديدية.. الحلقة المكملة
تشكل السكك الحديدية ركناً أساسياً في أي مشروع لتحويل سوريا إلى مركز للنقل والخدمات اللوجستية، إلا أن هذا القطاع ما يزال يواجه تحديات كبيرة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب.
وتضرر أكثر من 60% من الخطوط والمحطات والجسور، فيما يبلغ طول الخطوط الفاعلة نحو 1050 كيلومتراً من إجمالي شبكة يصل طولها إلى 2552 كيلومتراً.
ورغم حجم الأضرار، سجل نقل البضائع بالقطارات تحسناً ملحوظاً خلال العام الجاري. ووفق مدير عام المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية المهندس أسامة حداد، بلغ حجم البضائع المنقولة منذ بداية 2026 وحتى نهاية تموز نحو 663.5 ألف طن، مقابل 417.9 ألف طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تقارب 59%.
وتتجاوز أهمية إعادة تأهيل السكك زيادة حجم البضائع المنقولة، إذ يمكن للشبكة أن تسهم في خفض تكاليف النقل، وربط الموانئ بالأسواق ومناطق الإنتاج، ودعم إنشاء مراكز لوجستية وصناعية، وصولاً إلى تعزيز الربط مع شبكات النقل الإقليمية.
كركوك–بانياس.. من الشاحنات إلى الأنابيب
وفي موازاة النقل البري، عاد مشروع الربط النفطي بين العراق وسوريا إلى الواجهة بعد توقيع مذكرتي تفاهم بين سوريا والعراق وائتلاف من الشركات الدولية في تموز 2026، لتأهيل وإحياء خط الأنابيب العراقية–السورية «حديثة–بانياس»، المرتبط تاريخياً بمسار كركوك–بانياس.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل تنامي نقل المشتقات النفطية العراقية بالشاحنات عبر الأراضي السورية، إذ يمثل النقل عبر الأنابيب خياراً أكثر قدرة على استيعاب كميات كبيرة من الطاقة إذا استُكملت الدراسات والتأهيل وبدأ التنفيذ.
ولا يزال المشروع في مرحلة الدراسات الفنية والتقنية والمالية، بحسب تصريحات لمسؤول في الشركة السورية للبترول في تموز الماضي، ما يعني أن الحديث يدور حتى الآن عن مشروع قيد التطوير وليس عن خط دخل الخدمة فعلياً.
ويمكن لإحياء هذا المسار أن يفتح المجال أمام خفض تكاليف النقل وزيادة الطاقة الاستيعابية، وأن يحول حركة النفط القائمة من نشاط يعتمد بصورة رئيسية على الشاحنات إلى ممر طاقة أكثر استدامة يربط العراق بالبحر المتوسط.
البنية التحتية.. شرط تحويل الموقع إلى ثروة
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع اقتصاد ممرات، فتحويل الموقع السوري إلى مورد اقتصادي مستدام يتطلب بنية تحتية قادرة على استيعاب حركة أكبر من التجارة والطاقة، تبدأ من الطرق والسكك وخطوط النفط والغاز، ولا تنتهي عند المعابر والموانئ والمناطق الحرة والمراكز اللوجستية.
ويتطلب ذلك بالتوازي تسريع الإجراءات الجمركية، وتحسين الربط بين النقل البري والسككي والبحري، وتطوير الخدمات اللوجستية، إلى جانب إيجاد نماذج تمويل وشراكات قادرة على جذب الاستثمارات إلى مشاريع إعادة التأهيل.
فكل شاحنة أو قطار أو ناقلة تمر عبر سوريا يمكن أن تولد رسوماً وإيرادات، لكن القيمة الاقتصادية الأكبر تبدأ عندما تنشأ حول حركة العبور منظومة متكاملة من التخزين والنقل والخدمات والصناعات والتأمين والتمويل وإعادة التصدير.
من دولة عبور إلى اقتصاد ممرات
هنا تكمن الفرصة الأوسع أمام الاقتصاد السوري، فإذا استطاعت سوريا الربط بين الترانزيت والطاقة والسكك الحديدية والموانئ والخدمات اللوجستية ضمن منظومة واحدة، يمكن لموقعها الجغرافي أن يتحول من ميزة على الخريطة إلى أصل اقتصادي يولد الإيرادات، ويجذب الاستثمارات، ويدعم فرص العمل.
والمعادلة ليست في حجم التجارة والطاقة التي تمر عبر سوريا فحسب، بل في مقدار القيمة الاقتصادية التي تستطيع البلاد الاحتفاظ بها من هذا المرور.
وعندها، يمكن أن تبدأ سوريا انتقالاً تدريجياً من دولة عبور إلى «اقتصاد ممرات»، يعيد ربطها بشبكات التجارة والطاقة الإقليمية، ويحوّل موقعها بين العراق وتركيا والأردن والبحر المتوسط إلى مورد اقتصادي طويل الأجل.
لكن الرهان الاقتصادي يتجاوز مجرد مرور الشاحنات والطاقة عبر الأراضي السورية؛ إذ يكمن التحدي في تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية تبقى داخل البلاد، عبر رسوم العبور والخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتأمين والاستثمار وخلق فرص العمل.
فهل تستطيع سوريا الانتقال من دولة تعبرها التجارة والطاقة إلى «اقتصاد ممرات» يجعل من موقعها بين العراق وتركيا والأردن والبحر المتوسط مورداً اقتصادياً طويل الأجل؟
الترانزيت.. المؤشر الأول
تقدم حركة الشاحنات أحد أبرز المؤشرات على استعادة سوريا جزءاً من دورها كممر تجاري إقليمي، إذ تجاوز عدد شاحنات الترانزيت بين سوريا وتركيا 30 ألف شاحنة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقارنة بنحو 3500 شاحنة خلال عام 2025، وفق رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي.
وأشار بدوي أيضاً إلى عبور نحو 600 ألف شاحنة عبر المنافذ المشتركة منذ الثامن من كانون الأول 2024، في مؤشر على تنامي حركة البضائع والنقل البري.
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذه الحركة على رسوم العبور، إذ يمكن أن تنشأ حولها سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالنقل والتخزين والمناولة والتأمين والخدمات المصرفية وإعادة التصدير.
وفي تصريح خاص لـ«العين السورية»، يرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن أهمية الحركة القائمة اليوم تتجاوز أعداد الشاحنات، باعتبارها اختباراً عملياً لقدرة الأراضي السورية على التحول إلى ممر اقتصادي إقليمي، تستفيد منه الخزينة والقطاعات الخدمية والمجتمعات الواقعة على مسارات العبور.
بانياس يعيد سوريا إلى مسارات الطاقة
تظهر إمكانات الموقع السوري بصورة أوضح في قطاع الطاقة، بعدما بدأت الأراضي السورية تؤدي دوراً في نقل زيت الوقود العراقي براً إلى ميناء بانياس وإعادة تصديره عبر البحر المتوسط.
وخلال عام 2026، تحولت هذه الحركة إلى مسار تصدير فعلي، ووصلت شحنات عراقية محملة من بانياس إلى أسواق خارجية، من بينها الولايات المتحدة وإسبانيا ومصر.
ويضيف خط الغاز العربي بعداً آخر لموقع سوريا ضمن شبكات الطاقة الإقليمية، فيما يرى الدكتور فادي عياش أن حركة النفط الحالية يمكن أن تشكل أساساً لمشاريع أكبر تربط مصادر الطاقة العراقية بالبحر المتوسط، ولا سيما إذا انتقل النقل مستقبلاً من الاعتماد على الصهاريج إلى بنية تحتية أكثر كفاءة عبر خطوط الأنابيب ومحطات الضخ.
ولا يعني ذلك أن الممر السوري قادر على الحلول محل مضيق هرمز، وإنما يمكن أن يوفر للعراق مساراً إضافياً لتنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على طريق واحد، وهو ما يمنح الموقع السوري قيمة اقتصادية واستراتيجية إضافية.
السكك الحديدية.. الحلقة المكملة
تشكل السكك الحديدية ركناً أساسياً في أي مشروع لتحويل سوريا إلى مركز للنقل والخدمات اللوجستية، إلا أن هذا القطاع ما يزال يواجه تحديات كبيرة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب.
وتضرر أكثر من 60% من الخطوط والمحطات والجسور، فيما يبلغ طول الخطوط الفاعلة نحو 1050 كيلومتراً من إجمالي شبكة يصل طولها إلى 2552 كيلومتراً.
ورغم حجم الأضرار، سجل نقل البضائع بالقطارات تحسناً ملحوظاً خلال العام الجاري. ووفق مدير عام المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية المهندس أسامة حداد، بلغ حجم البضائع المنقولة منذ بداية 2026 وحتى نهاية تموز نحو 663.5 ألف طن، مقابل 417.9 ألف طن خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تقارب 59%.
وتتجاوز أهمية إعادة تأهيل السكك زيادة حجم البضائع المنقولة، إذ يمكن للشبكة أن تسهم في خفض تكاليف النقل، وربط الموانئ بالأسواق ومناطق الإنتاج، ودعم إنشاء مراكز لوجستية وصناعية، وصولاً إلى تعزيز الربط مع شبكات النقل الإقليمية.
كركوك–بانياس.. من الشاحنات إلى الأنابيب
وفي موازاة النقل البري، عاد مشروع الربط النفطي بين العراق وسوريا إلى الواجهة بعد توقيع مذكرتي تفاهم بين سوريا والعراق وائتلاف من الشركات الدولية في تموز 2026، لتأهيل وإحياء خط الأنابيب العراقية–السورية «حديثة–بانياس»، المرتبط تاريخياً بمسار كركوك–بانياس.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل تنامي نقل المشتقات النفطية العراقية بالشاحنات عبر الأراضي السورية، إذ يمثل النقل عبر الأنابيب خياراً أكثر قدرة على استيعاب كميات كبيرة من الطاقة إذا استُكملت الدراسات والتأهيل وبدأ التنفيذ.
ولا يزال المشروع في مرحلة الدراسات الفنية والتقنية والمالية، بحسب تصريحات لمسؤول في الشركة السورية للبترول في تموز الماضي، ما يعني أن الحديث يدور حتى الآن عن مشروع قيد التطوير وليس عن خط دخل الخدمة فعلياً.
ويمكن لإحياء هذا المسار أن يفتح المجال أمام خفض تكاليف النقل وزيادة الطاقة الاستيعابية، وأن يحول حركة النفط القائمة من نشاط يعتمد بصورة رئيسية على الشاحنات إلى ممر طاقة أكثر استدامة يربط العراق بالبحر المتوسط.
البنية التحتية.. شرط تحويل الموقع إلى ثروة
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع اقتصاد ممرات، فتحويل الموقع السوري إلى مورد اقتصادي مستدام يتطلب بنية تحتية قادرة على استيعاب حركة أكبر من التجارة والطاقة، تبدأ من الطرق والسكك وخطوط النفط والغاز، ولا تنتهي عند المعابر والموانئ والمناطق الحرة والمراكز اللوجستية.
ويتطلب ذلك بالتوازي تسريع الإجراءات الجمركية، وتحسين الربط بين النقل البري والسككي والبحري، وتطوير الخدمات اللوجستية، إلى جانب إيجاد نماذج تمويل وشراكات قادرة على جذب الاستثمارات إلى مشاريع إعادة التأهيل.
فكل شاحنة أو قطار أو ناقلة تمر عبر سوريا يمكن أن تولد رسوماً وإيرادات، لكن القيمة الاقتصادية الأكبر تبدأ عندما تنشأ حول حركة العبور منظومة متكاملة من التخزين والنقل والخدمات والصناعات والتأمين والتمويل وإعادة التصدير.
من دولة عبور إلى اقتصاد ممرات
هنا تكمن الفرصة الأوسع أمام الاقتصاد السوري، فإذا استطاعت سوريا الربط بين الترانزيت والطاقة والسكك الحديدية والموانئ والخدمات اللوجستية ضمن منظومة واحدة، يمكن لموقعها الجغرافي أن يتحول من ميزة على الخريطة إلى أصل اقتصادي يولد الإيرادات، ويجذب الاستثمارات، ويدعم فرص العمل.
والمعادلة ليست في حجم التجارة والطاقة التي تمر عبر سوريا فحسب، بل في مقدار القيمة الاقتصادية التي تستطيع البلاد الاحتفاظ بها من هذا المرور.
وعندها، يمكن أن تبدأ سوريا انتقالاً تدريجياً من دولة عبور إلى «اقتصاد ممرات»، يعيد ربطها بشبكات التجارة والطاقة الإقليمية، ويحوّل موقعها بين العراق وتركيا والأردن والبحر المتوسط إلى مورد اقتصادي طويل الأجل.


