سوريا - رأي
شريانٌ إقليميّ على طريقٍ مُتعَب.. سلامة الطرق السورية على المحكّ مع عودة الترانزيت
ا
العين السورية - شذا ابراهيم
نشر في: ١ سبتمبر ٢٠٢٦، ٠٩:٤٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في رحلة السفر من المخرج الشماليّ لدمشق باتجاه حماة وحلب، لا تحتاج إلى قراءة بيانات وزارة النقل ولا الإحصاءات التراكمية لحركة المعابر كي تدرك أنّ شيئاً جوهريّاً تغيّر في إيقاع الشريان الدوليّ M5.
عودة الترانزيت واختناق الحركة الترددية
الاكتظاظ المباغت هو النتيجة المباشرة لعودة سوريا إلى موقعها الطبيعيّ كجسرِ عبورٍ برّيّ في الشرق الأوسط.
تأهيل الطرق استثمار استراتيجي لا مشروع خدمي
من غير المُنصف أن ترى في الشاحنات مجرّد سببٍ للازدحام أو مصدرٍ للخطر.
أسفلتٌ أرهقته تركة سنوات الحرب
لكنّ الواقع الميدانيّ للأسفلت يروي قصّةً مختلفة عن الطموح الاقتصاديّ.
عندما يتحول اختلاط الأحجام إلى خطر مقاس
ما كان انطباعاً يرويه ركّاب السيارات بين دمشق وحماة أو حلب، صار اليوم رقماً في جداول الحوادث.
"النظام الآمن" والفجوة بين النص والتطبيق
أمام هذه المعطيات، ينتقل النقاش من الأسفلت إلى الحوكمة.
شريانٌ يستحق طريقاً يحمله وقاعدةً تحرسه
في نهاية المطاف، لا يجوز وضع حركية التعافي الاقتصادي في تعارض مع حق ال
إنسان في أوتوستراد آمن يضمن أمنه وسلامته.
يكفي أن تمسك بالمقود لتجد نفسك، بعد دقائق من مغادرة أطراف العاصمة، في مواجهةٍ يومية مع شاحنات النقل الثقيل بأحجامها الكبيرة، ولوحاتها الأجنبية والمحلية، حيث تتزاحم على حاراتٍ محدودة، وتناور للتجاوز في مقاطع ضيّقة لا تتّسع لعرضها.
وسط اهتزاز الأسفلت المجهد وتناثر حصى الحواف على الزجاج الأمامي لسيارتك، يتوقّف السفر عن كونه انتقالاً سلساً بين مدينتين، ليصير تجربةً منخفضة في هوامش الأمان.
وسط اهتزاز الأسفلت المجهد وتناثر حصى الحواف على الزجاج الأمامي لسيارتك، يتوقّف السفر عن كونه انتقالاً سلساً بين مدينتين، ليصير تجربةً منخفضة في هوامش الأمان.
هنا، على الشريط الذي يصل وسط البلاد بجنوبها وشمالها، يواجه المسافر ثقل حركةِ عبورٍ تجارية وتناقلِ بضائع يستعيدان عافيتهما بسرعةٍ قياسية، مقابل بنيةٍ طرقية صُمِّمت لزمنٍ مضى، ترزح تحت تركة سنوات الحرب وغياب الصيانة.
امتلأ الطريق الذي ظلّ فارغاً متقطّعاً بفعل المعارك والقطوعات، وتدفّقت فيه الحركة فجأةً، بأسطولٍ ثقيلٍ بات يفوق قدرة الأسفلت على الاستيعاب، وقدرة القواعد على الضبط.
عودة الترانزيت واختناق الحركة الترددية
الاكتظاظ المباغت هو النتيجة المباشرة لعودة سوريا إلى موقعها الطبيعيّ كجسرِ عبورٍ برّيّ في الشرق الأوسط.

فالطريق الدوليّ M5 هو العمود الفقريّ لشبكة الطرق السريعة، والجزء الأهمّ من الممرّ الإقليميّ الذي يربط موانئ المتوسّط والحدود التركية شمالاً بالأردن ودول الخليج جنوباً.
وقبل عام 2011، كان هذا المحور يستوعب وحده بين مئة ومئةٍ وخمسة عشر ألف شاحنة عبورٍ سنوياً، تُرفد الخزينة برسوم العبور، وتنعش شبكةً واسعة من الخدمات على طوله.
وبعد التحرير، وكسرِ العزلة الحدودية، وعودةِ نظام النقل البرّي الدوليّ (تير) الذي يُتيح مرور الشحنة تحت ضمانٍ دوليّ ويخفّف العبء الجمركيّ، تدفّقت الشاحنات مجدداً عبر المعابر، لتختصرَ آلاف الكيلومترات وتتجنّب كلفة النقل البحريّ وأزمات الملاحة عند المضائق.
وبعد التحرير، وكسرِ العزلة الحدودية، وعودةِ نظام النقل البرّي الدوليّ (تير) الذي يُتيح مرور الشحنة تحت ضمانٍ دوليّ ويخفّف العبء الجمركيّ، تدفّقت الشاحنات مجدداً عبر المعابر، لتختصرَ آلاف الكيلومترات وتتجنّب كلفة النقل البحريّ وأزمات الملاحة عند المضائق.
والشاحنات الدولية العابرة ليست وحدها في هذا الزحام، إذ توازت معها قفزةٌ في الشحن الداخليّ والتنقّل بين المحافظات بعد عودة النشاط الاقتصاديّ. والشاحنات هنا أوضحُ إشارةٍ على عودة الحياة إلى شريانٍ كان مقطوعاً؛ لكنّ المفارقة أنّ هذه العودة اصطدمت بواقعٍ ميدانيّ لم يكتمل إعداده بعد لاستيعاب هذا الضغط.
تأهيل الطرق استثمار استراتيجي لا مشروع خدمي
من غير المُنصف أن ترى في الشاحنات مجرّد سببٍ للازدحام أو مصدرٍ للخطر.
فالترانزيت وحركة النقل الثقيل من أسرع الفرص المتاحة لتوليد الإيرادات وتثبيت موقع سوريا على خريطة إعادة البناء.
وشبكة الطرق الدولية، وفي مقدّمتها M5 وM4، أصولٌ إنتاجية تُدرّ عائداً، شأنها شأن الموانئ والمطارات.
وتأهيل الطريق الدوليّ ليكون قادراً على استيعاب النقل الثقيل بمعايير عالمية هو الخطوة الأولى لاجتذاب الاستثمار. فالمستثمر الصناعيّ أو التجاريّ يفحص، إلى جانب التسهيلات الضريبية، كلفةَ النقل وسرعته وأمان الإمداد.
وتأهيل الطريق الدوليّ ليكون قادراً على استيعاب النقل الثقيل بمعايير عالمية هو الخطوة الأولى لاجتذاب الاستثمار. فالمستثمر الصناعيّ أو التجاريّ يفحص، إلى جانب التسهيلات الضريبية، كلفةَ النقل وسرعته وأمان الإمداد.
وحين يستوعب الطريق الشاحنات بكفاءةٍ دون تأخيرٍ أو حوادث، تتراجع كلفة التأمين وتنساب السلع بأقلّ الخسائر. ويبقى الإنفاق على تأهيل هذا الشريان استثماراً تأسيسيّاً يُبنى عليه التعافي كلّه. والمطلوب اليوم أن يكون الطريق بمستوى الفرصة التي تعبر فوقه.
أسفلتٌ أرهقته تركة سنوات الحرب
لكنّ الواقع الميدانيّ للأسفلت يروي قصّةً مختلفة عن الطموح الاقتصاديّ.

فأطوال شبكة الطرق السريعة والرئيسية في البلاد تبلغ نحو 9058 كيلومتراً، تعرّض معظمها لأضرارٍ بنيوية شديدة، وتوقّفت فيه الصيانة الدورية الجذرية توقّفاً شبه كامل لأكثر من عقدٍ من الزمن.
وما زالت المعالجات المطبَّقة على أغلب مقاطع M5 حتى اليوم مجرّد قشطٍ موضعيّ ورقعٍ إسعافية، لا تمسّ الطبقات التأسيسية التي تآكلت وتفتّتت تحت تأثير العوامل الجوية وغياب تصريف المياه.
وإلى ذلك، فإنّ أجزاءً واسعة من هذا الأوتوستراد صُمِّمت قبل عقود، لضغوطٍ محورية وأحجام حركةٍ أقلّ بكثير مما يُسجَّل اليوم.
وإلى ذلك، فإنّ أجزاءً واسعة من هذا الأوتوستراد صُمِّمت قبل عقود، لضغوطٍ محورية وأحجام حركةٍ أقلّ بكثير مما يُسجَّل اليوم.
وحين تهبط مئات الشاحنات، محمّلةً بأوزانٍ استثنائية، فوق أسفلتٍ مُجهَدٍ خالٍ من المسارب الخاصة بالنقل الثقيل، تتضاعف وتيرة التدهور فتتشكّل الحفر والأخاديد التي تعترض إطارات السيارات السياحية، ويفقد السائق سيطرته على المقود في لحظة.
وهكذا تتحوّل الشاحنة، التي تمثّل الفرصة الاقتصادية للبلاد، بحمولاتها الفائقة وتجاوزاتها على الأسفلت المتهالك، إلى أداةٍ تُسرّع تدمير البنية التحتية التي تعتمد هي ذاتها عليها.
عندما يتحول اختلاط الأحجام إلى خطر مقاس
ما كان انطباعاً يرويه ركّاب السيارات بين دمشق وحماة أو حلب، صار اليوم رقماً في جداول الحوادث.
فقد سجّل النصف الأول من عام 2026 قفزةً ناهزت ضعف أعداد حوادث السير على محاور السفر الرئيسية مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق (نحو 2496 حادثاً مقابل 1279)، مع تركّز النسبة الأكبر من الإصابات والوفيات على الطرق الخارجية والدولية، وهي بعينها طرق العبور والنقل الثقيل.
وتكشف بيانات المرور أنّ السببين المتصدّرين لغالبية هذه الكوارث هما السرعة الزائدة بنسبةٍ تصل إلى 31٪، والتجاوز الخطر غير القانونيّ بنسبة 14٪، وهو تحديداً ما يُعرف بـالتجاوز الخطر الذي يضطرّ إليه سائقو الشاحنات والسيارات السياحية عند التداخل في الحارة السريعة.
وتكشف بيانات المرور أنّ السببين المتصدّرين لغالبية هذه الكوارث هما السرعة الزائدة بنسبةٍ تصل إلى 31٪، والتجاوز الخطر غير القانونيّ بنسبة 14٪، وهو تحديداً ما يُعرف بـالتجاوز الخطر الذي يضطرّ إليه سائقو الشاحنات والسيارات السياحية عند التداخل في الحارة السريعة.
وحين تجتمع الأوزان الضخمة مع الأسفلت المتهالك وغياب الإنارة والعواكس الأرضية، تتضاعف نتائج الأخطاء البشرية لتصير حوادث دموية طالت محورَي حماة-حلب ودير الزور-دمشق. هذه الأرقام جرسُ إنذارٍ صريح، يفرض أن تتصدّر سلامةُ الطرق سلّم الأ
ولويات.
ولويات."النظام الآمن" والفجوة بين النص والتطبيق
أمام هذه المعطيات، ينتقل النقاش من الأسفلت إلى الحوكمة.
فأحدث الرؤى الدولية في سلامة المرور، وتجسّدها أطر منظمة الصحة العالمية تحت مسمّى «نهج النظام الآمن»، تنطلق من مبدأ واضح قوامه أنّ الخطأ البشريّ على الطريق متوقّعٌ ودائم، وعلى المنظومة الهندسية والإدارية أن تُصمَّم بحيث تحدّ من نتائج هذا الخطأ، فلا تترك حياة الناس رهناً بوجود «سائقٍ مثاليّ» لا يسهو ولا يخطئ أبداً.
وتبنّي وزارة النقل والمؤسسات المعنية لهذا المفهوم في أوراقها الاستراتيجية خطوةٌ تأسيسية تُثنى عليها، غير أنّ المحكّ يبقى في إنزال المفهوم إلى أرض الأوتوستراد.
والمشكلة الأساسية في سوريا اليوم ليست في غياب قانون السير، فالنصوص القائمة تحدّد العقوبات والالتزامات، وإنّما في الفجوة بين وجود القانون وإنفاذه على الأرض.
والمشكلة الأساسية في سوريا اليوم ليست في غياب قانون السير، فالنصوص القائمة تحدّد العقوبات والالتزامات، وإنّما في الفجوة بين وجود القانون وإنفاذه على الأرض.
فضبط حركة النقل الثقيل العائدة يقوم على إطارٍ حوكميّ تُنفَّذ فيه القاعدة القائمة بلا استثناء، أكثر مما يقوم على سنّ نصوصٍ جديدة.
يبدأ ذلك من أبسط القواعد كإلزام الشاحنات بالمسار الأيمن حصراً، ومنع تجاوز بعضها في أوقات الذروة.
ويمتدّ إلى تفعيل محطات الوزن المحوريّ عند منافذ المدن والمعابر، لتُمنَع الأحمال الفائقة من استنزاف الأسفلت وإضعاف قدرة الشاحنة نفسها على الكبح، ثمّ إلى تحديث قيم الغرامات وتكثيف دوريات المرور على النقاط السوداء الأكثر عرضةً للحوادث.
وحين يعود الشريان الاقتصاديّ إلى العمل قبل أن تكتمل قاعدته الناظمة، يُدفع الفرق بين الواقع والواجب أسفاً وأرواحاً على الطريق.
وحين يعود الشريان الاقتصاديّ إلى العمل قبل أن تكتمل قاعدته الناظمة، يُدفع الفرق بين الواقع والواجب أسفاً وأرواحاً على الطريق.
شريانٌ يستحق طريقاً يحمله وقاعدةً تحرسه
في نهاية المطاف، لا يجوز وضع حركية التعافي الاقتصادي في تعارض مع حق ال
إنسان في أوتوستراد آمن يضمن أمنه وسلامته. إن عودة الشاحنات إلى طريق الـ M5 واستعادة سوريا لدورها الترانزيتي الإقليمي هما علامة فارقة في مرحلة البناء وسعي البلاد نحو الاستقرار؛ لكن هذا الإنجاز يظل مهدداً إذا لم يُحاط ببرنامج عمل إداري وهندسي محكم.
المطلوب اليوم الانتقال السريع من الحلول الإسعافية وسياسة إطفاء الحرائق في المنهج الإداري، إلى خطة وطنية شاملة لتأهيل المحاور الدولية، توازي بين توقيع الاتفاقيات التجارية وتوفير شروط السلامة العامة. فالشريان الحيوي الذي يستعيد عافيته اليوم ليحمل بضائع المنطقة واقتصادها يستحق طريقاً أسفلتيّاً صلباً يقدر على حمله، وقاعدةً قانونيةً وحوكمية حازمة تحرسه وتحمي سالكيه.
المطلوب اليوم الانتقال السريع من الحلول الإسعافية وسياسة إطفاء الحرائق في المنهج الإداري، إلى خطة وطنية شاملة لتأهيل المحاور الدولية، توازي بين توقيع الاتفاقيات التجارية وتوفير شروط السلامة العامة. فالشريان الحيوي الذي يستعيد عافيته اليوم ليحمل بضائع المنطقة واقتصادها يستحق طريقاً أسفلتيّاً صلباً يقدر على حمله، وقاعدةً قانونيةً وحوكمية حازمة تحرسه وتحمي سالكيه.


