سوريا - اقتصاد
موازنة 2027.. هل ترتفع الأجور ويتحسن مستوى المعيشة؟
الدكتورة منال الشياح تشرح تحديات الإيرادات وتمويل العجز وأولويات الإنفاق والاستثمار في الموازنة المقبلة.
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦، ٠٩:٢٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
تواجه الحكومة السورية في إعداد موازنة عام 2027 تحدياً يتمثل في الموازنة بين محدودية الموارد العامة واتساع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، من تحسين مستوى المعيشة والخدمات الأساسية إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتحفيز الإنتاج والاستثمار.
وفي ظل هذه المعادلة، لا يقتصر التحدي على تأمين الإيرادات اللازمة لتغطية النفقات، بل يمتد إلى تحديد أولويات الإنفاق، واختيار آليات تمويل العجز، وضمان توجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الأكثر إسهاماً في التعافي الاقتصادي.
وترى الدكتورة منال الشياح، عميدة كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق في حديثها مع "العين السورية" ، أن بناء تقديرات واقعية للموازنة المقبلة يتطلب الاستناد إلى بيانات تنفيذ موازنة 2026، ومقارنة الإيرادات المحصلة فعلياً بالتقديرات، ومتابعة تنفيذ النفقات الجارية والاستثمارية، إلى جانب دراسة تطورات النشاط الاقتصادي والإنتاج والاستثمار.
وتحذر الشياح من استنتاج أرقام موازنة 2027 بصورة آلية انطلاقاً من بيانات العام الجاري، مشيرة إلى ضرورة مراعاة التغيرات الاقتصادية والنقدية والالتزامات الحكومية وأولويات إعادة الإعمار. وتؤكد أن نجاح الموازنة لا يُقاس بحجمها وحده، بل بقدرتها على تحقيق توازن واقعي بين الموارد المتاحة والالتزامات العامة، وتحويل الإنفاق إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
موارد محدودة وأولويات متنافسة
تتمثل إحدى أبرز الصعوبات أمام إعداد موازنة 2027 في تعدد الاحتياجات التي تتنافس على الموارد نفسها. فالحكومة مطالبة بتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة تراجع القدرة الشرائية، وإعادة تأهيل المرافق الإنتاجية والخدمية، في وقت تحتاج فيه المالية العامة إلى موارد مستقرة وقدرة أكبر على ضبط الإنفاق.
وترى الشياح أن معالجة هذه المعادلة لا ينبغي أن تقوم على التخفيض الشامل للنفقات، بل على إعادة ترتيبها وفقاً لدرجة الضرورة والعائد المتوقع. ويشمل ذلك حماية الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، ومراجعة النفقات الأقل أولوية، ورفع كفاءة المؤسسات العامة، والحد من الهدر في المشتريات والعقود الحكومية.
وتحذر من أن التوسع في الالتزامات الجارية من دون موارد مستدامة قد يزيد الضغوط المالية في السنوات المقبلة، في حين أن تأجيل الاستثمارات الضرورية قد يرفع تكاليف الإصلاح مستقبلاً.
ولا يقتصر تحسين مستوى المعيشة، وفق الشياح، على زيادة الرواتب والأجور، إذ قد يتراجع أثر أي زيادة في الدخول إذا استمرت الأسعار في الارتفاع أو بقيت الخدمات الأساسية مرتفعة التكلفة أو محدودة التوافر. لذلك، يتطلب تحسين الظروف المعيشية الجمع بين السياسات المالية والاجتماعية والإنتاجية.
زيادة الإيرادات من دون رفع الضرائب
توسيع الإيرادات العامة لا يستلزم بالضرورة زيادة الضرائب والرسوم، بحسب الشياح، التي ترى أن البداية ينبغي أن تكون من تحسين تحصيل الإيرادات المستحقة فعلياً، وتوسيع قاعدة المكلفين، والحد من التهرب، ودمج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة تدريجياً في الاقتصاد الرسمي.
وتبرز في هذا السياق أهمية إصلاح الإدارة الضريبية من خلال تبسيط إجراءات التسجيل والتصريح والدفع، وتطوير قواعد البيانات، وربط المعلومات بين الجهات الحكومية، وتوسيع الخدمات الإلكترونية. فمن شأن هذه الإجراءات تحسين التحصيل وتقليل تكاليف الامتثال والنزاعات التي تواجه المكلفين.
كما تدعو الشياح إلى مراجعة الإعفاءات والتسهيلات الضريبية، والتأكد من ارتباطها بأهداف اقتصادية واضحة، مثل تشجيع الاستثمار والإنتاج والتشغيل، بدلاً من استمرارها من دون تقييم لنتائجها.
وفي الجانب الجمركي، تشير إلى أهمية مكافحة التهريب والتلاعب بالقيم المصرح عنها، وتحسين الرقابة على المنافذ، مع تبسيط إجراءات استيراد المواد الأولية والتجهيزات الإنتاجية، بما يتيح زيادة كفاءة التحصيل من دون تحميل المنتجين تكاليف إضافية تعيق نشاطهم.
وتحذر من أن المبالغة في الأعباء الضريبية قد تؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الحصيلة على المدى المتوسط، مؤكدة أن الهدف ينبغي أن يكون بناء إيرادات عامة مستقرة تتنامى بالتوازي مع تعافي الاقتصاد.
تمويل العجز.. بين الاقتراض ومخاطر التضخم
يشكل تحديد مصادر تمويل العجز المحتمل أحد الملفات التي يتعين على الحكومة معالجتها عند إعداد الموازنة المقبلة. لكن الشياح ترى أن اختيار أدوات التمويل ينبغي أن يسبقه تحديد أسباب العجز ومكوناته، إذ تختلف المعالجة بحسب ما إذا كان ناتجاً عن ضعف التحصيل أو عن احتياجات استثمارية ضرورية.
وتشمل الخيارات المتاحة الاقتراض المحلي، وإصدار أدوات دين حكومية، والاستفادة من المنح والمساعدات، وتحسين إدارة السيولة والأصول العامة، إلى جانب تعزيز الإيرادات وإعادة ترتيب النفقات. ويمكن اللجوء إلى التمويل الخارجي عندما تتوافر شروط مناسبة تتوافق كلفتها ومخاطرها مع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
غير أن الاقتراض المحلي يحتاج إلى سوق مالية موثوقة، وقواعد واضحة للإصدار والسداد، وإفصاح منتظم عن الدين العام وتكاليف خدمته. كما أن التوسع فيه من دون ضوابط قد يزاحم القطاع الخاص على التمويل ويرفع كلفة الائتمان الموجه إلى المشروعات الإنتاجية.
أما التمويل النقدي للعجز، فتزداد مخاطره عندما يؤدي إلى ضخ سيولة لا يقابلها توسع في الإنتاج، بما قد يفاقم الضغوط التضخمية ويضعف القوة الشرائية ويضغط على سعر الصرف.
وفي المقابل، لا تعتبر الشياح كل عجز سلبياً بالضرورة، إذ يمكن أن يكون تمويل الاستثمار الضروري مبرراً اقتصادياً إذا أسهم في رفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل وتحسين الإيرادات المستقبلية. لكن ذلك يتطلب التمييز بين العجز المرتبط باستثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي واضح، والعجز المستمر بسبب نفقات جارية غير قابلة للاستدامة.
الرواتب والدعم والاستثمار.. أين تذهب الموارد؟
لا تقتصر خيارات الموازنة على تحديد حجم الإنفاق، بل تشمل كيفية توزيعه بين الاحتياجات الاجتماعية العاجلة ومتطلبات بناء القدرة الإنتاجية على المدى الطويل.
وفي ملف الرواتب والأجور، تدعو الشياح إلى مراعاة تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مع تقييم القدرة المالية على إجراء تحسينات مستدامة. كما تشدد على أهمية ربط تحسين الأجور بتطوير الأداء المؤسسي والإنتاجية، لتجنب زيادة الالتزامات المالية من دون انعكاس كافٍ على جودة الخدمات العامة.
أما الدعم، فتطرح مراجعته على أساس كفاءة التوزيع والعدالة الاجتماعية، مشيرة إلى أن الدعم الموجه قد يحسن وصول الموارد إلى الأسر الأكثر احتياجاً، شريطة توافر قواعد بيانات موثوقة وآليات شفافة للتنفيذ والتظلم. كما تحذر من إجراء تغييرات في الدعم من دون مراعاة آثارها على الأسعار وتكاليف الإنتاج وتوفير بدائل مناسبة للحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، ترى أن الإنفاق الاستثماري ينبغي ألا يكون أول ضحايا الضغوط المالية، بل يجب حماية المشروعات ذات الأولوية التي تسهم في إعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيع الإنتاج وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل.
وتقترح ترتيب المشروعات وفق معايير تشمل الجدوى الاقتصادية، وعدد المستفيدين، وكلفة التنفيذ، والمدة اللازمة للإنجاز، والأثر المتوقع في النشاط الإنتاجي. كما تشير إلى أن اعتماد موازنة البرامج والأداء يمكن أن يربط الاعتمادات المالية بأهداف محددة ومؤشرات قابلة للقياس، بما يساعد على تحديد البرامج الأكثر فاعلية وإعادة توجيه الموارد نحوها.
هل تستطيع الموازنة تحفيز التعافي؟
يمكن للموازنة العامة أن تؤدي دوراً يتجاوز تمويل المؤسسات والخدمات القائمة، لتصبح أداة لتحفيز النشاط الاقتصادي وإعادة بناء القدرة الإنتاجية، بحسب الشياح، التي تضع إعادة تأهيل البنية التحتية ضمن المجالات القادرة على تحقيق أثر اقتصادي واسع.
فاستعادة خدمات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات من شأنها خفض تكاليف التشغيل ومساعدة المنشآت على استعادة نشاطها وتعزيز جاذبية الاستثمار. كما يمكن توجيه الإنفاق إلى قطاعات قادرة على خلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة، مثل الزراعة والصناعات الغذائية والصناعات التحويلية والخدمات الإنتاجية.
وتشدد الشياح على أهمية إتاحة فرص فعلية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في العقود والمشتريات الحكومية، ضمن إجراءات تتسم بالشفافية وتتيح مشاركة المنتجين المحليين المؤهلين.
لكنها تؤكد أن الإنفاق الحكومي وحده لا يكفي لإطلاق التعافي، إذ يحتاج الاستثمار الخاص إلى استقرار تشريعي وإجراءات إدارية واضحة وإمكانية الوصول إلى التمويل وبيئة تنافسية تحد من المخاطر غير المتوقعة.
وتطرح كذلك إمكانية دراسة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية والخدمات، عندما تكون جدواها واضحة وتوزيع مخاطرها عادلاً، مع ضرورة الإفصاح عن العقود والالتزامات المالية المستقبلية لتجنب نشوء أعباء مؤجلة لا تظهر بوضوح في الموازنة.
وترى أن تقييم الإنفاق يجب ألا يقتصر على الأموال المصروفة، بل ينبغي أن يشمل النتائج المتحققة، مثل فرص العمل المستحدثة، والزيادة في الإنتاج المحلي، وانخفاض تكاليف الخدمات والإنتاج، وحجم الاستثمارات الإضافية التي أسهمت المشروعات في تحفيزها.
شفافية الموازنة.. من الاعتمادات إلى النتائج
لا تكتمل فاعلية الموازنة من دون إتاحة المعلومات التي تسمح للمواطنين والقطاع الخاص والجهات الرقابية بمتابعة كيفية تحصيل الأموال العامة وإنفاقها.
وتدعو الشياح إلى نشر تقديرات الإيرادات بحسب مصادرها، وتفصيل النفقات الجارية والاستثمارية، وبيان المخصصات للرواتب والأجور والدعم والخدمات الأساسية والمشروعات الرئيسية، إلى جانب توضيح العجز المتوقع ومصادر تمويله وحجم الدين العام وتكاليف خدمته والالتزامات المرتبطة بالضمانات الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص.
كما تشدد على ضرورة إصدار تقارير دورية تقارن بين المبالغ المعتمدة والتنفيذ الفعلي، وتوضح أسباب الفروق بين المخطط والمنفذ، سواء تعلقت بتأخر التحصيل أو نقص التمويل أو تغير الأولويات أو تعثر المشروعات.
ولا ينبغي أن تقتصر هذه التقارير على المدخلات المالية، بل يجب أن تتضمن مؤشرات تقيس النتائج. فالإفصاح عن الإنفاق على التعليم، مثلاً، يصبح أكثر فائدة عندما يقترن بمؤشرات عن توافر الخدمات وجودتها، كما ينبغي أن تترافق بيانات الاعتمادات الاستثمارية مع نسب التنفيذ والتكاليف الفعلية والأثر في الإنتاج والتشغيل.
وتقترح الشياح إعداد نسختين من بيانات الموازنة: نسخة مبسطة للمواطنين تشرح أبرز القرارات وأثرها المتوقع في حياتهم، وأخرى تفصيلية تتيح للباحثين والمستثمرين والجهات الرقابية تحليل البيانات ومقارنتها بين السنوات.
في المحصلة، يرتبط نجاح موازنة سوريا لعام 2027 بقدرة الحكومة على التوفيق بين حماية الاحتياجات الاجتماعية وتمويل الاستثمار المنتج، من دون توسيع الاختلالات المالية والنقدية. فالتحدي لا يتمثل في تعبئة الموارد وحدها، بل في توجيهها بكفاءة وربط كل اعتماد بهدف واضح ونتيجة قابلة للقياس، بما يجعل الموازنة أداة لدعم التعافي الاقتصادي وتعزيز الثقة بالسياسة المالية.
تواجه الحكومة السورية في إعداد موازنة عام 2027 تحدياً يتمثل في الموازنة بين محدودية الموارد العامة واتساع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، من تحسين مستوى المعيشة والخدمات الأساسية إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتحفيز الإنتاج والاستثمار.
وفي ظل هذه المعادلة، لا يقتصر التحدي على تأمين الإيرادات اللازمة لتغطية النفقات، بل يمتد إلى تحديد أولويات الإنفاق، واختيار آليات تمويل العجز، وضمان توجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الأكثر إسهاماً في التعافي الاقتصادي.
وترى الدكتورة منال الشياح، عميدة كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق في حديثها مع "العين السورية" ، أن بناء تقديرات واقعية للموازنة المقبلة يتطلب الاستناد إلى بيانات تنفيذ موازنة 2026، ومقارنة الإيرادات المحصلة فعلياً بالتقديرات، ومتابعة تنفيذ النفقات الجارية والاستثمارية، إلى جانب دراسة تطورات النشاط الاقتصادي والإنتاج والاستثمار.
وتحذر الشياح من استنتاج أرقام موازنة 2027 بصورة آلية انطلاقاً من بيانات العام الجاري، مشيرة إلى ضرورة مراعاة التغيرات الاقتصادية والنقدية والالتزامات الحكومية وأولويات إعادة الإعمار. وتؤكد أن نجاح الموازنة لا يُقاس بحجمها وحده، بل بقدرتها على تحقيق توازن واقعي بين الموارد المتاحة والالتزامات العامة، وتحويل الإنفاق إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
موارد محدودة وأولويات متنافسة
تتمثل إحدى أبرز الصعوبات أمام إعداد موازنة 2027 في تعدد الاحتياجات التي تتنافس على الموارد نفسها. فالحكومة مطالبة بتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة تراجع القدرة الشرائية، وإعادة تأهيل المرافق الإنتاجية والخدمية، في وقت تحتاج فيه المالية العامة إلى موارد مستقرة وقدرة أكبر على ضبط الإنفاق.
وترى الشياح أن معالجة هذه المعادلة لا ينبغي أن تقوم على التخفيض الشامل للنفقات، بل على إعادة ترتيبها وفقاً لدرجة الضرورة والعائد المتوقع. ويشمل ذلك حماية الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، ومراجعة النفقات الأقل أولوية، ورفع كفاءة المؤسسات العامة، والحد من الهدر في المشتريات والعقود الحكومية.
وتحذر من أن التوسع في الالتزامات الجارية من دون موارد مستدامة قد يزيد الضغوط المالية في السنوات المقبلة، في حين أن تأجيل الاستثمارات الضرورية قد يرفع تكاليف الإصلاح مستقبلاً.
ولا يقتصر تحسين مستوى المعيشة، وفق الشياح، على زيادة الرواتب والأجور، إذ قد يتراجع أثر أي زيادة في الدخول إذا استمرت الأسعار في الارتفاع أو بقيت الخدمات الأساسية مرتفعة التكلفة أو محدودة التوافر. لذلك، يتطلب تحسين الظروف المعيشية الجمع بين السياسات المالية والاجتماعية والإنتاجية.
زيادة الإيرادات من دون رفع الضرائب
توسيع الإيرادات العامة لا يستلزم بالضرورة زيادة الضرائب والرسوم، بحسب الشياح، التي ترى أن البداية ينبغي أن تكون من تحسين تحصيل الإيرادات المستحقة فعلياً، وتوسيع قاعدة المكلفين، والحد من التهرب، ودمج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة تدريجياً في الاقتصاد الرسمي.
وتبرز في هذا السياق أهمية إصلاح الإدارة الضريبية من خلال تبسيط إجراءات التسجيل والتصريح والدفع، وتطوير قواعد البيانات، وربط المعلومات بين الجهات الحكومية، وتوسيع الخدمات الإلكترونية. فمن شأن هذه الإجراءات تحسين التحصيل وتقليل تكاليف الامتثال والنزاعات التي تواجه المكلفين.
كما تدعو الشياح إلى مراجعة الإعفاءات والتسهيلات الضريبية، والتأكد من ارتباطها بأهداف اقتصادية واضحة، مثل تشجيع الاستثمار والإنتاج والتشغيل، بدلاً من استمرارها من دون تقييم لنتائجها.
وفي الجانب الجمركي، تشير إلى أهمية مكافحة التهريب والتلاعب بالقيم المصرح عنها، وتحسين الرقابة على المنافذ، مع تبسيط إجراءات استيراد المواد الأولية والتجهيزات الإنتاجية، بما يتيح زيادة كفاءة التحصيل من دون تحميل المنتجين تكاليف إضافية تعيق نشاطهم.
وتحذر من أن المبالغة في الأعباء الضريبية قد تؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الحصيلة على المدى المتوسط، مؤكدة أن الهدف ينبغي أن يكون بناء إيرادات عامة مستقرة تتنامى بالتوازي مع تعافي الاقتصاد.
تمويل العجز.. بين الاقتراض ومخاطر التضخم
يشكل تحديد مصادر تمويل العجز المحتمل أحد الملفات التي يتعين على الحكومة معالجتها عند إعداد الموازنة المقبلة. لكن الشياح ترى أن اختيار أدوات التمويل ينبغي أن يسبقه تحديد أسباب العجز ومكوناته، إذ تختلف المعالجة بحسب ما إذا كان ناتجاً عن ضعف التحصيل أو عن احتياجات استثمارية ضرورية.
وتشمل الخيارات المتاحة الاقتراض المحلي، وإصدار أدوات دين حكومية، والاستفادة من المنح والمساعدات، وتحسين إدارة السيولة والأصول العامة، إلى جانب تعزيز الإيرادات وإعادة ترتيب النفقات. ويمكن اللجوء إلى التمويل الخارجي عندما تتوافر شروط مناسبة تتوافق كلفتها ومخاطرها مع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
غير أن الاقتراض المحلي يحتاج إلى سوق مالية موثوقة، وقواعد واضحة للإصدار والسداد، وإفصاح منتظم عن الدين العام وتكاليف خدمته. كما أن التوسع فيه من دون ضوابط قد يزاحم القطاع الخاص على التمويل ويرفع كلفة الائتمان الموجه إلى المشروعات الإنتاجية.
أما التمويل النقدي للعجز، فتزداد مخاطره عندما يؤدي إلى ضخ سيولة لا يقابلها توسع في الإنتاج، بما قد يفاقم الضغوط التضخمية ويضعف القوة الشرائية ويضغط على سعر الصرف.
وفي المقابل، لا تعتبر الشياح كل عجز سلبياً بالضرورة، إذ يمكن أن يكون تمويل الاستثمار الضروري مبرراً اقتصادياً إذا أسهم في رفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل وتحسين الإيرادات المستقبلية. لكن ذلك يتطلب التمييز بين العجز المرتبط باستثمارات ذات عائد اقتصادي واجتماعي واضح، والعجز المستمر بسبب نفقات جارية غير قابلة للاستدامة.
الرواتب والدعم والاستثمار.. أين تذهب الموارد؟
لا تقتصر خيارات الموازنة على تحديد حجم الإنفاق، بل تشمل كيفية توزيعه بين الاحتياجات الاجتماعية العاجلة ومتطلبات بناء القدرة الإنتاجية على المدى الطويل.
وفي ملف الرواتب والأجور، تدعو الشياح إلى مراعاة تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مع تقييم القدرة المالية على إجراء تحسينات مستدامة. كما تشدد على أهمية ربط تحسين الأجور بتطوير الأداء المؤسسي والإنتاجية، لتجنب زيادة الالتزامات المالية من دون انعكاس كافٍ على جودة الخدمات العامة.
أما الدعم، فتطرح مراجعته على أساس كفاءة التوزيع والعدالة الاجتماعية، مشيرة إلى أن الدعم الموجه قد يحسن وصول الموارد إلى الأسر الأكثر احتياجاً، شريطة توافر قواعد بيانات موثوقة وآليات شفافة للتنفيذ والتظلم. كما تحذر من إجراء تغييرات في الدعم من دون مراعاة آثارها على الأسعار وتكاليف الإنتاج وتوفير بدائل مناسبة للحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، ترى أن الإنفاق الاستثماري ينبغي ألا يكون أول ضحايا الضغوط المالية، بل يجب حماية المشروعات ذات الأولوية التي تسهم في إعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيع الإنتاج وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل.
وتقترح ترتيب المشروعات وفق معايير تشمل الجدوى الاقتصادية، وعدد المستفيدين، وكلفة التنفيذ، والمدة اللازمة للإنجاز، والأثر المتوقع في النشاط الإنتاجي. كما تشير إلى أن اعتماد موازنة البرامج والأداء يمكن أن يربط الاعتمادات المالية بأهداف محددة ومؤشرات قابلة للقياس، بما يساعد على تحديد البرامج الأكثر فاعلية وإعادة توجيه الموارد نحوها.
هل تستطيع الموازنة تحفيز التعافي؟
يمكن للموازنة العامة أن تؤدي دوراً يتجاوز تمويل المؤسسات والخدمات القائمة، لتصبح أداة لتحفيز النشاط الاقتصادي وإعادة بناء القدرة الإنتاجية، بحسب الشياح، التي تضع إعادة تأهيل البنية التحتية ضمن المجالات القادرة على تحقيق أثر اقتصادي واسع.
فاستعادة خدمات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات من شأنها خفض تكاليف التشغيل ومساعدة المنشآت على استعادة نشاطها وتعزيز جاذبية الاستثمار. كما يمكن توجيه الإنفاق إلى قطاعات قادرة على خلق فرص العمل وزيادة القيمة المضافة، مثل الزراعة والصناعات الغذائية والصناعات التحويلية والخدمات الإنتاجية.
وتشدد الشياح على أهمية إتاحة فرص فعلية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في العقود والمشتريات الحكومية، ضمن إجراءات تتسم بالشفافية وتتيح مشاركة المنتجين المحليين المؤهلين.
لكنها تؤكد أن الإنفاق الحكومي وحده لا يكفي لإطلاق التعافي، إذ يحتاج الاستثمار الخاص إلى استقرار تشريعي وإجراءات إدارية واضحة وإمكانية الوصول إلى التمويل وبيئة تنافسية تحد من المخاطر غير المتوقعة.
وتطرح كذلك إمكانية دراسة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية والخدمات، عندما تكون جدواها واضحة وتوزيع مخاطرها عادلاً، مع ضرورة الإفصاح عن العقود والالتزامات المالية المستقبلية لتجنب نشوء أعباء مؤجلة لا تظهر بوضوح في الموازنة.
وترى أن تقييم الإنفاق يجب ألا يقتصر على الأموال المصروفة، بل ينبغي أن يشمل النتائج المتحققة، مثل فرص العمل المستحدثة، والزيادة في الإنتاج المحلي، وانخفاض تكاليف الخدمات والإنتاج، وحجم الاستثمارات الإضافية التي أسهمت المشروعات في تحفيزها.
شفافية الموازنة.. من الاعتمادات إلى النتائج
لا تكتمل فاعلية الموازنة من دون إتاحة المعلومات التي تسمح للمواطنين والقطاع الخاص والجهات الرقابية بمتابعة كيفية تحصيل الأموال العامة وإنفاقها.
وتدعو الشياح إلى نشر تقديرات الإيرادات بحسب مصادرها، وتفصيل النفقات الجارية والاستثمارية، وبيان المخصصات للرواتب والأجور والدعم والخدمات الأساسية والمشروعات الرئيسية، إلى جانب توضيح العجز المتوقع ومصادر تمويله وحجم الدين العام وتكاليف خدمته والالتزامات المرتبطة بالضمانات الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص.
كما تشدد على ضرورة إصدار تقارير دورية تقارن بين المبالغ المعتمدة والتنفيذ الفعلي، وتوضح أسباب الفروق بين المخطط والمنفذ، سواء تعلقت بتأخر التحصيل أو نقص التمويل أو تغير الأولويات أو تعثر المشروعات.
ولا ينبغي أن تقتصر هذه التقارير على المدخلات المالية، بل يجب أن تتضمن مؤشرات تقيس النتائج. فالإفصاح عن الإنفاق على التعليم، مثلاً، يصبح أكثر فائدة عندما يقترن بمؤشرات عن توافر الخدمات وجودتها، كما ينبغي أن تترافق بيانات الاعتمادات الاستثمارية مع نسب التنفيذ والتكاليف الفعلية والأثر في الإنتاج والتشغيل.
وتقترح الشياح إعداد نسختين من بيانات الموازنة: نسخة مبسطة للمواطنين تشرح أبرز القرارات وأثرها المتوقع في حياتهم، وأخرى تفصيلية تتيح للباحثين والمستثمرين والجهات الرقابية تحليل البيانات ومقارنتها بين السنوات.
في المحصلة، يرتبط نجاح موازنة سوريا لعام 2027 بقدرة الحكومة على التوفيق بين حماية الاحتياجات الاجتماعية وتمويل الاستثمار المنتج، من دون توسيع الاختلالات المالية والنقدية. فالتحدي لا يتمثل في تعبئة الموارد وحدها، بل في توجيهها بكفاءة وربط كل اعتماد بهدف واضح ونتيجة قابلة للقياس، بما يجعل الموازنة أداة لدعم التعافي الاقتصادي وتعزيز الثقة بالسياسة المالية.


