سوريا - اقتصاد
موازنة التعافي أم ضغط الديون؟ أبعاد العجز المالي في سوريا بالنصف الأول من 2026
الإيرادات العامة في سوريا تقفز بنسبة 111% مسجلة نحو 2.7 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، بينما يتسارع الإنفاق بوتيرة أثقل ليبلغ 3.7 مليارات دولار
ر
رهام علي
نشر في: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٧:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتقاطع أرقام المالية العامة في سوريا مع مفترق طرق بالغ الدقة، إذ تتنازع لغة الأرقام الصارمة بين طموح الدولة في استعادة دورتها الاقتصادية وضغط الواقع المالي المتمثل في عجز يتجاوز حاجز المليار دولار.
فبينما تقفز الإيرادات العامة بنسبة 111% مسجلة نحو 2.7 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، يتسارع الإنفاق بوتيرة أثقل ليبلغ 3.7 مليارات دولار مدفوعاً بزيادة الأجور واستحقاقات إعادة الإعمار، لتتحول الموازنة من وثيقة محاسبية تقليدية إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الاقتصاد على تمويل مرحلة الانتقال والتعافي دون الوقوع في فخ الأزمات الهيكلية.
إعادة تعريف وظيفة المالية العامة
في تحليل للأبعاد الاقتصادية والمالية لمؤشرات النصف الأول، يرى الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال إسعيد أن "السياق السوري لا يحتمل قراءة الأرقام بمنظور الموازنات التقليدية، بل بوصفها موازنة انتقال اقتصادي غايتها إعادة بناء قدرة الدولة على الإنتاج قبل السعي خلف التوازن المحاسبي".
إعادة تعريف وظيفة المالية العامة
في تحليل للأبعاد الاقتصادية والمالية لمؤشرات النصف الأول، يرى الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال إسعيد أن "السياق السوري لا يحتمل قراءة الأرقام بمنظور الموازنات التقليدية، بل بوصفها موازنة انتقال اقتصادي غايتها إعادة بناء قدرة الدولة على الإنتاج قبل السعي خلف التوازن المحاسبي".
ويشير إسعيد لـ "العين السورية" إلى أن "بيانات الأداء المالي تظهر ارتفاع الإيرادات العامة بنسبة 111% مقابل قفزة في الإنفاق بلغت 331% مع تسجيل عجز يقارب مليار دولار"، مؤكداً أن "هذه الأرقام لا تعكس مجرد توسع في النفقات، بل تمثل تحولاً جوهرياً في وظيفة المالية العامة خلال مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري".
ويوضح الباحث أن "المالية السورية ارتكزت لعقد كامل على منطق "الانكماش المالي" المتمثل في تقليص الإنفاق نتيجة محدودية الموارد والعقوبات وتراجع الإنتاج، بينما تبرز في عام 2026 ملامح انتقال نحو "موازنة التعافي"؛ إذ أصبحت الدولة تستخدم الإنفاق كأداة لتحريك الاقتصاد وإعادة تشغيل المؤسسات الإنتاجية ورفع الأجور واستعادة الخدمات الأساسية".
كذلك، يشدد إسعيد على أن ارتفاع الإنفاق بنسبة 331% مقابل نمو الإيرادات بـ 111% لا يعبر بالضرورة عن اختلال هيكلي، بل يعكس تحول الدولة من دور الجباية إلى دور المستثمر التنموي، مبيناً أن "العجز الحالي يمكن اعتباره "عجزاً إنتاجياً وليس استهلاكياً"، إذ يصبح الاقتراض قصير الأجل مقبولاً إذا موّل إعادة تشغيل الموانئ والطاقة والطرق والزراعة والصناعة لأنها أصول تولّد إيرادات مستقبلية".
تساؤلات صعبة
من جانبه، يقدم أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد مقاربة تحليلية تضيء على التحديات الكامنة، مشيراً في حديثه مع "العين السورية" إلى أن "أرقام النصف الأول من عام 2026 تثير أسئلة جوهرية حول قدرة المالية العامة السورية على الصمود، خصوصاً أن قفزة الإنفاق بنسبة 331% قادت إلى عجز تجاوز مليار دولار.
كذلك، يشدد إسعيد على أن ارتفاع الإنفاق بنسبة 331% مقابل نمو الإيرادات بـ 111% لا يعبر بالضرورة عن اختلال هيكلي، بل يعكس تحول الدولة من دور الجباية إلى دور المستثمر التنموي، مبيناً أن "العجز الحالي يمكن اعتباره "عجزاً إنتاجياً وليس استهلاكياً"، إذ يصبح الاقتراض قصير الأجل مقبولاً إذا موّل إعادة تشغيل الموانئ والطاقة والطرق والزراعة والصناعة لأنها أصول تولّد إيرادات مستقبلية".
تساؤلات صعبة
من جانبه، يقدم أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد مقاربة تحليلية تضيء على التحديات الكامنة، مشيراً في حديثه مع "العين السورية" إلى أن "أرقام النصف الأول من عام 2026 تثير أسئلة جوهرية حول قدرة المالية العامة السورية على الصمود، خصوصاً أن قفزة الإنفاق بنسبة 331% قادت إلى عجز تجاوز مليار دولار.
في وقت ما زالت الإيرادات المحصّلة لا تغطي سوى ثلث المستهدف السنوي، وفيما بدأت بعض الموارد الجديدة بالتدفق، يبقى السؤال الأهم: هل هذا النمط من التمويل والإنفاق يمهّد لتعافٍ مالي، أم يراكم استحقاقات تهدد استقرار الخزينة نهاية العام؟"
مخاطر الديون وموارد غير مستقرة
ويحدد الدكتور محمد التحدي الأول في تمويل العجز بأدوات قصيرة الأجل، مبيناً أن "تمويل عجز بمليار دولار خلال ستة أشهر عبر أدوات قصيرة الأجل يمثل مخاطرة تراكمية؛ إذ يفرض سداداً سريعاً وتجديداً متكرراً للدين، ومع ارتفاع الإنفاق المتوقع في النصف الثاني، قد تدخل الخزينة في دوامة إعادة اقتراض لتغطية استحقاقات، أو اللجوء لتمويل تضخمي، ما يجعل العجز المؤقت يتحول إلى ضغط دائم على المالية العامة".
مخاطر الديون وموارد غير مستقرة
ويحدد الدكتور محمد التحدي الأول في تمويل العجز بأدوات قصيرة الأجل، مبيناً أن "تمويل عجز بمليار دولار خلال ستة أشهر عبر أدوات قصيرة الأجل يمثل مخاطرة تراكمية؛ إذ يفرض سداداً سريعاً وتجديداً متكرراً للدين، ومع ارتفاع الإنفاق المتوقع في النصف الثاني، قد تدخل الخزينة في دوامة إعادة اقتراض لتغطية استحقاقات، أو اللجوء لتمويل تضخمي، ما يجعل العجز المؤقت يتحول إلى ضغط دائم على المالية العامة".
أما التحدي الثاني فيتركز في الموارد المتقلبة، إذ إن "الاعتماد على الرسوم الجمركية وعوائد الاستثمار كمصدر رئيس، مع تأخر تدفق النفط، يعني أن تحقيق المستهدف السنوي ما زال رهينة مصادر غير مستقرة، فالفجوة المتبقية البالغة 69% من الإيرادات تتطلب قفزة استثنائية في التحصيل وتدفقات نفطية منتظمة وإيرادات غير متکررة، وأي تعثر في أحدها سيجعل الرقم المستهدف بعيد المنال".
مسار التضخم
في السياق، يتطلب تحقيق نمو مرتفع مع تضخم قائم وفقاً لـ الباحث في مركز جسور للدراسات، الفصل بين الإنفاق المحفّز للإنتاج والإنفاق المولد للأسعار.
مسار التضخم
في السياق، يتطلب تحقيق نمو مرتفع مع تضخم قائم وفقاً لـ الباحث في مركز جسور للدراسات، الفصل بين الإنفاق المحفّز للإنتاج والإنفاق المولد للأسعار.
فبدلاً من ضخ السيولة في الاستهلاك، ينبغي توجيه الإنفاق إلى القطاعات التي تخفض فاتورة الواردات، لأن كل زيادة في الإنتاج المحلي تعادل تخفيضاً في الطلب على العملات الأجنبية.
ومع ذلك، ينبه طلال إسعيد إلى أن وتيرة الإنفاق كانت أسرع بثلاث مرات تقريباً، مما يعني أن النمو في الموارد لم يكن كافياً لتمويل التوسع المالي ذاتياً، لينتقل الاقتصاد من أزمة نقص الإيرادات إلى تحدي إدارة السيولة والعجز.
ويستنتج الباحث أن العجز الحالي يعكس مرحلة انتقال اقتصادي أكثر من كونه انهياراً مالياً، محذراً من أن "استمرار الإنفاق الجاري بوتيرته الحالية قد يحول العجز المؤقت إلى عجز هيكلي إذا لم يرتبط بزيادة الإنتاج، ولذلك فإن نجاح السياسة المالية يقاس بقدرتها على تحويل الإنفاق إلى أصول منتجة ترفع الإيرادات المستقبلية، وليس بحجم الإنفاق ذاته".
ويستنتج الباحث أن العجز الحالي يعكس مرحلة انتقال اقتصادي أكثر من كونه انهياراً مالياً، محذراً من أن "استمرار الإنفاق الجاري بوتيرته الحالية قد يحول العجز المؤقت إلى عجز هيكلي إذا لم يرتبط بزيادة الإنتاج، ولذلك فإن نجاح السياسة المالية يقاس بقدرتها على تحويل الإنفاق إلى أصول منتجة ترفع الإيرادات المستقبلية، وليس بحجم الإنفاق ذاته".
ويرى أيضاً أن الخطأ الشائع في الدول الخارجة من الحروب هو اعتبار العجز مؤشراً سلبياً بحد ذاته، بينما تُظهر التجارب الناجحة أن العجز يصبح مقبولاً عندما يمول أصولاً مدرّة للإيرادات وليس نفقات استهلاكية، "وفي الحالة السورية ينبغي أن تتحول الموازنة من وثيقة محاسبية إلى ميزانية لبناء الأصول الوطنية، أي أن يقاس نجاح الإنفاق بعدد المعامل المعاد تشغيلها والطاقة المنتجة والصادرات الجديدة."
هيكل الموارد
وفيما يتعلق بتقييم هيكل الإيرادات، يرى إسعيد أن الرسوم الجمركية وعوائد الاستثمار ترتبط بالإنتاج والأسعار العالمية ويمكن أن تشكل قاعدة تمويل مستقرة إذا ارتفع الإنتاج المحلي تدريجياً.
هيكل الموارد
وفيما يتعلق بتقييم هيكل الإيرادات، يرى إسعيد أن الرسوم الجمركية وعوائد الاستثمار ترتبط بالإنتاج والأسعار العالمية ويمكن أن تشكل قاعدة تمويل مستقرة إذا ارتفع الإنتاج المحلي تدريجياً.
أما رخصة المشغل الثاني للاتصالات فتمثل إيراداً رأسمالياً لمرة واحدة ولذلك لا ينبغي استخدامها لتمويل الرواتب أو النفقات الجارية بل لتخفيض الدين قصير الأجل أو تمويل مشاريع البنية التحتية. وفي حين تمتلك رسوم عبور الوقود بعداً جيوسياسياً لأنها تحول موقع سوريا إلى عقدة طاقة إقليمية، ما يجعلها أقرب إلى إيراد سيادي متكرر كلما استقرت حركة النقل الإقليمي، فإنه بناء على ذلك إذا استُخدمت الإيرادات غير المتكررة لسداد الالتزامات القصيرة، والإيرادات السيادية لتمويل النفقات الجارية، فإن الفجوة المالية يمكن أن تنخفض دون خلق ضغوط تضخمية إضافية.
صمام الأمان المالي
أما فيما يخص ضمانة عدم اتساع العجز، يوضح أستاذ التمويل والمصارف الدكتور عبد الرحمن محمد أنه لا توجد حالياً ضمانة صلبة تمنع اتساع العجز، والسبيل الوحيد لذلك يتمثل في ضبط الإيقاع الفعلي للإنفاق وربطه بتحقق الإيرادات، وتسريع ضخ عوائد النفط والغاز للحساب المركزي، وتأمين مواعيد واضحة لدخول الإيرادات الاستثنائية، وتقليل الاعتماد على الأدوات القصيرة والتحول نحو تمويل ميسر طويل الأجل، وبدون ذلك ستبقى نسبة العجز قابلة للارتفاع لا للانخفاض.
صمام الأمان المالي
أما فيما يخص ضمانة عدم اتساع العجز، يوضح أستاذ التمويل والمصارف الدكتور عبد الرحمن محمد أنه لا توجد حالياً ضمانة صلبة تمنع اتساع العجز، والسبيل الوحيد لذلك يتمثل في ضبط الإيقاع الفعلي للإنفاق وربطه بتحقق الإيرادات، وتسريع ضخ عوائد النفط والغاز للحساب المركزي، وتأمين مواعيد واضحة لدخول الإيرادات الاستثنائية، وتقليل الاعتماد على الأدوات القصيرة والتحول نحو تمويل ميسر طويل الأجل، وبدون ذلك ستبقى نسبة العجز قابلة للارتفاع لا للانخفاض.
ويخلص الدكتور محمد في تقييمه إلى أن "ما تكشفه أرقام النصف الأول ليس أزمة إيرادات فحسب، بل تحدياً في إدارة التوقيت والتدفقات المالية، فالخطر الأكبر يكمن في أن يتحول العجز من حالة مرحلية إلى ظاهرة هيكلية تُموَّل بأدوات قصيرة وتُغطى بموارد متقلبة".
والنجاح في تجنب ذلك يستلزم انضباطاً إنفاقياً، وشفافية في أدوات التمويل، وتسريع الإيرادات السيادية بعيداً عن الرهان على استحقاقات غير مضمونة.
ركائز الاستثمار الذكي
في المقابل، يؤكد إسعيد أن التحدي الحقيقي ليس إغلاق عجز مليار دولار، بل تحويل الدولة إلى مولّد للتدفقات النقدية، مقترحاً ثلاث ركائز تبدأ بإنشاء صندوق سيادي للبنية التحتية يستثمر عائدات الرخص والموارد الاستثنائية في أصول مدرة للدخل، ثم إصدار سندات تنموية محلية موجهة للمغتربين السوريين لتمويل مشاريع إنتاجية بدلاً من الاقتراض قصير الأجل، مع ربط الموازنة بمؤشرات الأداء بحيث يقاس نجاح الإنفاق بعدد المصانع المعاد تشغيلها والصادرات وفرص العمل لا بحجم الإنفاق وحده.
وبهذا المنهج، يصبح العجز في المرحلة الانتقالية أداة لبناء الاقتصاد وليس مجرد فجوة بين الإيرادات والنفقات، وهو ما ينسجم مع تجارب الدول التي انتقلت من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد النمو المستدام، فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول الخارجة من الحروب لا تنتصر عبر التقشف ولا عبر الإنفاق المفتوح بل عبر الاستثمار الذكي الذي يحول كل ليرة من الإنفاق العام إلى أصل اقتصادي يولّد إيرادات مستدامة.
ركائز الاستثمار الذكي
في المقابل، يؤكد إسعيد أن التحدي الحقيقي ليس إغلاق عجز مليار دولار، بل تحويل الدولة إلى مولّد للتدفقات النقدية، مقترحاً ثلاث ركائز تبدأ بإنشاء صندوق سيادي للبنية التحتية يستثمر عائدات الرخص والموارد الاستثنائية في أصول مدرة للدخل، ثم إصدار سندات تنموية محلية موجهة للمغتربين السوريين لتمويل مشاريع إنتاجية بدلاً من الاقتراض قصير الأجل، مع ربط الموازنة بمؤشرات الأداء بحيث يقاس نجاح الإنفاق بعدد المصانع المعاد تشغيلها والصادرات وفرص العمل لا بحجم الإنفاق وحده.
وبهذا المنهج، يصبح العجز في المرحلة الانتقالية أداة لبناء الاقتصاد وليس مجرد فجوة بين الإيرادات والنفقات، وهو ما ينسجم مع تجارب الدول التي انتقلت من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد النمو المستدام، فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول الخارجة من الحروب لا تنتصر عبر التقشف ولا عبر الإنفاق المفتوح بل عبر الاستثمار الذكي الذي يحول كل ليرة من الإنفاق العام إلى أصل اقتصادي يولّد إيرادات مستدامة.


