سوريا - اقتصاد
الطيران السوري يستعيد مكانه على الخريطة.. 81 ألف طائرة ومسارات جديدة تعيد رسم المشهد
حركة جوية متسارعة، مسارات جديدة، مطارات قيد التأهيل، ومشاريع لتحديث الملاحة والبنية التحتية تعيد الطيران السوري إلى خريطة النقل الجوي الإقليمي والدولي.
ا
العين السورية
نشر في: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٥:١٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

خلال عام 2026، بدأت ملامح مرحلة جديدة تظهر في قطاع الطيران السوري، مع تسارع حركة الطائرات في الأجواء السورية، وعودة المزيد من الرحلات إلى المطارات، وفتح مسارات جوية جديدة، بالتوازي مع أعمال واسعة لتأهيل المطارات وتحديث منظومة الملاحة الجوية.
وتعكس هذه التحولات مساراً متكاملاً تعمل عليه الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي لإعادة بناء القطاع، ورفع جاهزيته، وتطوير قدرته على استيعاب حركة جوية متنامية، وصولاً إلى استعادة سوريا موقعها الطبيعي على خريطة النقل الجوي بين الشرق والغرب.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، عبرت 81,773 طائرة الأجواء السورية، مقابل 20,205 طائرات خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب أربعة أضعاف. كما ارتفع عدد الطائرات العابرة خلال آب إلى 21,971 طائرة، مقارنة بـ20,315 طائرة في تموز، بزيادة بلغت 8.2%
ولا تقف هذه الأرقام عند حدود ارتفاع حركة العبور، إذ تأتي بالتوازي مع إعادة تنظيم المجال الجوي، وتطوير الطرق الجوية، وتأهيل المطارات، وتحديث أنظمة الملاحة، ورفع الجاهزية التشغيلية، إلى جانب العمل على استقطاب شركات طيران جديدة وتوسيع شبكة الربط الجوي بين سوريا ومحيطها الإقليمي والدولي.

81 ألف طائرة.. السماء السورية تعود إلى الحركة
لم يعد التعافي في قطاع الطيران يظهر فقط على مدرجات المطارات، الزيادة الكبيرة في حركة العبور الجوي تعني أن شركات الطيران بدأت تنظر إلى المجال الجوي السوري باعتباره جزءاً أكثر حضوراً في شبكات الحركة الإقليمية والدولية.
وتترافق هذه الحركة مع إعادة هيكلة شبكة الطرق الجوية، ومن بينها المسار الجوي L602، ضمن خطة أوسع لتحسين كفاءة المجال الجوي السوري وربط مساراته بحركة الطيران الدولية.
واللافت أن الطلب لم يعد محصوراً في الناقلات الخليجية والإقليمية، إذ بدأت الهيئة باستقبال طلبات جديدة من ناقلات جوية دولية قادمة من دول آسيوية لاستخدام الأجواء السورية في رحلاتها باتجاه أوروبا والمنطقة.
وهنا يتحول الموقع الجغرافي لسوريا من مجرد ميزة نظرية إلى فرصة اقتصادية فعلية؛ فكلما توسعت حركة العبور، زادت أهمية الخدمات الملاحية والجوية المرتبطة بها، وارتفعت إمكانية تحويل موقع سوريا بين الشرق والغرب إلى مورد اقتصادي مستدام.
من إدارة المطارات إلى إعادة بناء المنظومة
التحرك لا يقتصر على الأجواء، فمطار دمشق الدولي يشهد مشروعاً واسعاً لتطوير بنيته التحتية وزيادة قدرته الاستيعابية، بعدما وقعت الهيئة في تشرين الثاني 2025 العقود النهائية مع ائتلاف دولي، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 4 مليارات دولار.
وسيتم افتتاح الصالة الثانية في مطار دمشق قريباً، قبل الانتقال إلى تجهيز الصالة الثالثة ضمن المراحل اللاحقة للمشروع. وعند اكتمال الصالات الثلاث، من المستهدف أن تصل الطاقة الاستيعابية لمطار دمشق الدولي إلى نحو 31 مليون مسافر سنوياً.
وهذا التطور مهم ليس فقط لحركة المسافرين، بل لموقع دمشق كمحطة محتملة لحركة الطيران والشحن والخدمات المرتبطة بالنقل الجوي.
فالاستثمار في المطار يعني في الوقت نفسه الاستثمار في البنية التي تحتاجها شركات الطيران والسياحة والتجارة وحركة الأعمال.

مطارات سورية تعود إلى الخدمة
وفي موازاة تطوير مطار دمشق، تتحرك الهيئة على أكثر من جبهة لإعادة بناء شبكة المطارات السورية.
مطار دير الزور انتقل من مرحلة التأهيل إلى التشغيل الفعلي، فيما تجاوزت أعمال تأهيل مطار القامشلي 90%، واقترب من مرحلة الجاهزية التشغيلية.
أما مطار اللاذقية الدولي، فقد انتقلت أعماله إلى التنفيذ الفعلي، مع بدء الورش الفنية إعادة تأهيل مبانيه ومرافقه وتجهيزاته تمهيداً لاستعادة جاهزيته وتشغيله.
وفي حلب، يجري التحضير لمرحلة تطوير جديدة، بينما يعمل مطارا دمشق وحلب على مدار الساعة مع استمرار رفع الجاهزية وتحسين الخدمات.
بهذا المعنى، لا يجري التعامل مع المطارات كمشروعات منفصلة، وإنما كأجزاء من شبكة واحدة يفترض أن تخدم حركة المسافرين داخل سوريا وخارجها.
المسافر يلمس التغيير قبل الأرقام
وراء حركة الطائرات أرقام أخرى أكثر قرباً من الناس، ففي آب وحده، سجل مطار دمشق الدولي 268,567 مسافراً عبر 2,204 رحلات، مع مشاركة 17 شركة طيران، بينما سجل مطار حلب 56,243 مسافراً عبر 696 رحلة وبمشاركة 14 شركة طيران.
ومع عودة الحركة، بدأ المسافرون يلمسون تغيراً في تجربة السفر نفسها، من تنظيم إجراءات الدخول والخروج إلى طريقة التعامل داخل الصالات والخدمات المقدمة للمسافرين.
وهذا جانب لا يظهر مباشرة في أرقام الطائرات، لكنه جزء أساسي من إعادة بناء الثقة بالمطارات السورية.
ولسنوات، اضطر كثير من السوريين إلى جعل السفر إلى سوريا رحلة متعددة المراحل، تبدأ بالطائرة إلى دولة أخرى ثم الانتقال براً إلى الداخل السوري.
أما عودة الرحلات المباشرة إلى دمشق وحلب، وتوسع الوجهات والناقلات، فتعيد السفر إلى مساره الطبيعي بالنسبة إلى شريحة متزايدة من المسافرين.
وتشكل اتفاقية النقل الجوي السورية الألمانية، الموقعة في تموز 2026، مثالاً على هذا المسار؛ إذ استكملت الإطار القانوني والتنظيمي لإعادة الربط الجوي بين البلدين، تمهيداً للإجراءات التشغيلية واستقبال طلبات شركات الطيران.

الملاحة الجوية.. البنية التي لا يراها المسافر
لا يمكن أن تنجح عودة الطيران من دون تطوير البنية غير المرئية التي تقف خلف الرحلة.
ولهذا تتجه أعمال الهيئة إلى تحديث أنظمة الملاحة والمراقبة، وتعزيز أنظمة الاحتياط، وتطوير البنية الرقمية، ورفع جاهزية مراكز المراقبة الجوية، إلى جانب تدريب الكوادر المتخصصة وزيادة أعدادها بما يتناسب مع النمو المتوقع في الحركة.
كما أن إعادة تنظيم المسارات الجوية لا تعني رسم خطوط جديدة على الخريطة فقط، بل تحتاج إلى تنسيق مستمر مع دول الجوار ومراكز مراقبة الحركة الجوية والمنظمات الدولية، وإلى أنظمة قادرة على إدارة حركة متزايدة بكفاءة وأمان.
ومن هنا تصبح عودة عشرات آلاف الطائرات إلى المجال الجوي السوري نتيجة لمسار فني وتنظيمي متكامل، وليس مجرد تغير في مسارات شركات الطيران.
كما تمثل شهادة ISO 9001 التي حصلت عليها إدارة الامتثال والجودة في الهيئة خطوة إضافية نحو توثيق الإجراءات، وتطوير أنظمة إدارة الجودة والامتثال، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي بما يواكب مرحلة التوسع والتطوير التي يشهدها قطاع الطيران السوري.
من التعافي إلى بناء قطاع أكثر حداثة
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة مهمة لتكون ممراً جوياً بين الخليج والعراق وتركيا وأوروبا، مع انعكاسات محتملة على السياحة والاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ويشير إلى أن ارتفاع حركة الطيران وعبور شركات دولية للأجواء السورية يمثل مؤشراً على تنامي الثقة بمنظومة الطيران المدني، فيما يمكن لتوسيع الربط الجوي أن يفتح المجال أمام حركة أكبر للمسافرين والشحن والسياحة.
أما الدكتور خالد تركاوي، فيرى أن قطاع الطيران السوري شهد تحسناً واضحاً خلال الفترة الأخيرة مع انتهاء مرحلة العزلة وعودة عمليات الإقلاع والهبوط وفتح مسارات جوية جديدة.
ويشير كذلك إلى بدء تحديث منظومة الرادار، إلى جانب خطوات مرتبطة بتطوير الأسطول، من بينها شراء أربع طائرات وتسلم طائرتين، معتبراً أن هذه التطورات تمثل بداية لمسار تعافٍ حقيقي للقطاع.
الهيئة أمام مرحلة توسع لا مجرد استعادة
المهم في المرحلة الحالية أن العمل لم يعد منصباً فقط على إعادة ما كان قائماً قبل سنوات الحرب، وإنما على بناء منظومة أكثر قدرة على التوسع.
فخطة العمل خلال الأشهر المقبلة تتضمن الحفاظ على جاهزية مطاري دمشق وحلب على مدار الساعة، استكمال تأهيل القامشلي، مواصلة العمل في اللاذقية، إطلاق مرحلة تطوير مطار حلب، والاستمرار في إعادة هيكلة المجال الجوي وتوسيع شبكة الطرق والمسارات.
كما تتجه الهيئة إلى زيادة عدد شركات الطيران والوجهات، وتحسين الخدمات المقدمة للمسافرين، بالتوازي مع تطوير البنية الرقمية والكوادر المتخصصة.
وفي هذا السياق، يصبح نشر بيانات حركة المطارات والمسافرين وشركات الطيران ونسب إنجاز المشاريع جزءاً من بناء منظومة أكثر وضوحاً، خصوصاً مع توجه الهيئة إلى تعزيز الإجراءات والحوكمة وتوثيق العمليات وفق معايير الجودة.
السماء السورية.. فرصة اقتصادية تتوسع
قد تكون أهم دلالة في المشهد الجديد أن قطاع الطيران بدأ يتحول من ملف يحتاج إلى إعادة تشغيل إلى قطاع يحمل فرصة اقتصادية أوسع.
فالطائرة العابرة لا تدفع فقط مقابل استخدام المجال الجوي؛ إذ ترتبط حركة الطيران بسلسلة طويلة من الخدمات: المطارات، الصيانة، التموين، الشحن، السياحة، الفنادق، النقل، التأمين والخدمات اللوجستية.
ومع تطوير مطار دمشق، وإعادة تأهيل المطارات الأخرى، وتوسيع المسارات الجوية، واستقطاب ناقلات جديدة، يمكن لهذه المنظومة أن تتحول تدريجياً إلى جزء من الاقتصاد السوري المتصل بالأسواق الإقليمية والدولية.
والأهم أن عملية التطوير بدأت تنتقل من مرحلة الإعلانات إلى التنفيذ في عدد من الملفات؛ فالصالة الثانية في مطار دمشق دخلت مرحلة الإنشاء الفعلي، ومطار اللاذقية دخل مرحلة إعادة التأهيل، والقامشلي يقترب من الجاهزية، فيما أصبحت حركة العبور الجوي تسجل أرقاماً متصاعدة.
من العزلة إلى إعادة التموضع
بعد سنوات طويلة أثرت في حركة الطيران والبنية التحتية والقدرة على الوصول إلى الطائرات وقطع الغيار والتقنيات والخدمات الدولية، تدخل سوريا اليوم مرحلة مختلفة في قطاع النقل الجوي.
الاختبار لم يعد فقط في إعادة تشغيل المطارات أو استئناف الرحلات، بل في قدرة الهيئة على تحويل هذه العودة إلى شبكة طيران متكاملة ومستدامة.
وحتى الآن، تشير حركة الأجواء والمطارات والمشاريع القائمة إلى أن عملية إعادة البناء أصبحت ملموسة على الأرض.
81 ألف طائرة عبرت الأجواء السورية خلال ثمانية أشهر، مطارات تعود إلى الخدمة، مسارات جوية جديدة، ناقلات دولية تبدي اهتماماً باستخدام المجال الجوي، ومشاريع بنية تحتية بمليارات الدولارات.
كل ذلك يضع الطيران السوري أمام فرصة تتجاوز استعادة ما فقده، نحو بناء موقع جديد على خريطة النقل الجوي.
فالهدف لم يعد مجرد أن تعود الطائرات إلى سوريا، بل أن تعود سوريا نفسها إلى شبكة الطيران التي تربط الشرق بالغرب.


