سوريا - اقتصاد
ترشيد الإنفاق العام في سوريا.. بين ضبط المالية العامة وانعكاساته على المواطن والاقتصاد
ترشيد الإنفاق العام يستهدف الحد من الهدر وإعادة توجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والمشاريع الإنتاجية، وسط دعوات لحماية المواطن ودعم التعافي الاقتصادي.
ا
العين السورية
نشر في: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ٠٩:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في مرحلة اقتصادية دقيقة تتداخل فيها متطلبات التعافي وإعادة البناء مع محدودية الموارد وارتفاع تكاليف المعيشة، يأتي قرار ترشيد وضبط الإنفاق العام ليطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية إدارة المال العام في المرحلة المقبلة، وكيف يمكن للدولة أن تحقق وفراً في النفقات من دون أن يتحول ذلك إلى عبء إضافي على المواطن أو عامل يحد من النشاط الاقتصادي.
وتكمن أهمية القرار في أنه لا يقوم على خفض شامل للإنفاق، وإنما يستهدف النفقات التي يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها، مع الحفاظ على الرواتب والأجور والنفقات المرتبطة بالخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والمياه والطاقة والصيانة الضرورية. وهذا التفريق مهم اقتصادياً، لأن نجاح سياسة الترشيد لا يقاس بحجم الأموال التي يجري توفيرها فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق وفر مالي مع المحافظة على قدرة الاقتصاد والمجتمع على الاستمرار والتعافي.
الانتقال من مفهوم "خفض الإنفاق" إلى مفهوم "رفع كفاءة الإنفاق"
في قراءة لتداعيات وانعكاسات هذا القرار على الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، أكدت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح عميد كلية الاقتصاد الثانية، لـ" العين السورية" أن هذه الخوة تأتي في ظل تحديات واضحة تواجه المالية العامة، حيث تشير البيانات المعلنة عن النصف الأول من عام 2026 إلى وجود فجوة بين الإيرادات والنفقات العامة، وهذا الواقع يجعل ضبط المصروفات وإعادة ترتيب الأولويات ضرورة للحفاظ على استقرار المالية العامة ومنع تحول العجز إلى ضغط إضافي على الاقتصاد.
غير أن ضبط النفقات، بحسب الدكتورة الشياح، لا يعني بالضرورة اتباع سياسة تقشفية شاملة، فالاقتصاد يحتاج إلى الإنفاق الحكومي عندما يكون موجهاً إلى قطاعات إنتاجية وخدمات أساسية ومشاريع قادرة على خلق قيمة اقتصادية، لذلك فإن المسألة الأساسية تتمثل في الانتقال من مفهوم خفض الإنفاق إلى مفهوم رفع كفاءة الإنفاق، وهذا يعني مراجعة بنود الموازنة وفق درجة الأولوية، والتمييز بين المصروفات الضرورية والمصروفات القابلة للتأجيل، وبين الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الذي يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
يبقى المواطن الطرف الأكثر حساسية تجاه أي سياسة مالية، لأن انعكاساتها قد تصل إليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإذا أدت إجراءات الترشيد إلى خفض النفقات غير الأساسية وتحسين إدارة المؤسسات، فقد تكون آثارها إيجابية على المدى المتوسط من خلال تعزيز الاستقرار المالي وتوفير موارد أكبر للخدمات العامة، أما إذا اتسعت إجراءات الخفض لتشمل الإنفاق الاجتماعي أو الخدمات الأساسية أو المشاريع التي توفر فرص العمل، فقد تظهر آثار سلبية على الأسر والنشاط الاقتصادي، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وهنا تشير الدكتورة الشياح إلى أهمية حماية الإنفاق المرتبط بالصحة والتعليم والمياه والطاقة والخدمات الأساسية، لأن المواطن لا يقيس السياسة المالية بالأرقام فقط، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية من جودة الخدمات وكلفتها واستمراريتها، كما أن المحافظة على الرواتب والأجور، كما ورد في التوجهات المعلنة، تحمل أهمية مباشرة بالنسبة للقوة الشرائية، لكن أثر ذلك سيبقى مرتبطاً بمستوى الأسعار وسعر الصرف وتكاليف السلع والخدمات، لأن ثبات الدخل الاسمي لا يعني بالضرورة ثبات القدرة الشرائية، ولهذا فإن سياسة ضبط النفقات يجب أن تتكامل مع سياسات أخرى تستهدف زيادة الإنتاج، وتحسين توفر السلع، وخفض تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، لأن تحسين مستوى معيشة المواطن لا يتحقق من خلال الإنفاق الحكومي وحده.

فرصة لتوسيع دور القطاع الخاص في الاستثمار
يُعد الاستثمار من أكثر المجالات التي تحتاج إلى دقة في تطبيق سياسة الترشيد فليس كل مشروع استثماري قابلاً للتأجيل، كما أن استمرار تمويل جميع المشاريع من دون ترتيب للأولويات قد يؤدي إلى تشتت الموارد وتأخر الإنجاز.
ضمن هذا السياق ترى عميد كلية الاقتصاد أن الحل الاقتصادي يكمن في تقييم المشاريع وفق معايير واضحة، مثل نسبة الإنجاز، والكلفة المتبقية، والعائد المتوقع، وأثر المشروع في الإنتاج وفرص العمل والخدمات والبنية التحتية، وبذلك يمكن توجيه الموارد المحدودة نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي.
في المقابل، يمكن أن يشكل ضبط الإنفاق الحكومي فرصة لتوسيع دور القطاع الخاص في الاستثمار، ولا سيما في القطاعات التي تستطيع الدولة فيها الانتقال من دور المنفذ والممول إلى دور المنظم والمراقب والمحفز، وهذا يتطلب بيئة استثمارية مستقرة وإجراءات واضحة وشراكات شفافة بين القطاعين العام والخاص، وبذلك لا يصبح تقليص الإنفاق الاستثماري هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة توزيع الموارد بحيث يحتفظ الإنفاق الحكومي بالمشاريع ذات الأولوية، بينما يمكن للقطاع الخاص أن يساهم بصورة أكبر في المجالات القابلة للاستثمار.
من الناحية الاقتصادية، قد يؤدي خفض بعض النفقات الحكومية إلى تراجع مؤقت في الطلب إذا شمل مشتريات أو مشاريع ذات تأثير مباشر على السوق، لكن حجم هذا الأثر يتوقف بصورة أساسية على طبيعة النفقات التي سيتم تخفيضها، فخفض الهدر والمصروفات غير الضرورية يختلف تماماً عن تخفيض الإنفاق على مشروع إنتاجي أو بنية تحتية حيوية، فالأول قد يحقق وفراً من دون تأثير كبير في النشاط الاقتصادي، بينما الثاني قد يؤدي إلى تأجيل فوائد اقتصادية كان يمكن أن تتحقق من المشروع، لذلك فإن السياسة المالية الأكثر فاعلية هي التي تبحث عن خفض الكلفة من دون خفض الإنتاجية، وتعيد توجيه الإنفاق بدلاً من تجميده.
لكن الدكتور الشياح تذهب أبعد من ذلك في إجابتها على السؤال التالي، هل يساهم القرار في ضبط الأسعار؟، حيث توضح أنه يمكن للانضباط المالي أن يساهم في تخفيف بعض الضغوط التضخمية إذا أدى إلى تقليل الحاجة إلى تمويل العجز، إلا أن أسعار السلع والخدمات لا تتحدد بالإنفاق الحكومي وحده، لاسيما في الحالة السورية، حيث تتداخل عوامل عديدة في تحديد الأسعار، من بينها سعر الصرف، وكلفة الاستيراد، والطاقة، والنقل، والإنتاج المحلي، وتوفر السلع، وحجم الطلب، وبالتالي فإن ضبط النفقات يمكن أن يكون أحد عناصر الاستقرار الاقتصادي، لكنه لا يمثل حلاً منفرداً لمشكلة التضخم، والأكثر أهمية هو أن يترافق الترشيد مع زيادة الإنتاج وتحسين بيئة الأعمال وتسهيل حركة التجارة والاستثمار، لأن زيادة العرض المحلي تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف الضغوط السعرية.
مكافحة الهدر ورفع كفاءة الإدارة
لا يمكن لسياسة ترشيد الإنفاق أن تحقق أهدافها من خلال تقليص الاعتمادات فقط، فالجزء الأهم من الإصلاح يكمن في معرفة كيفية إنفاق الأموال العامة.
وهنا تبرز أهمية تطوير المشتريات الحكومية، ومراجعة العقود، وتعزيز الرقابة، والحد من الإنفاق غير المنتج، وربط الإنفاق بمؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس.
كما أن التحول الرقمي في الإدارة الحكومية يمكن أن يساهم في تخفيض النفقات التشغيلية والحد من الإجراءات الورقية وتكرار المعاملات، إضافة إلى تعزيز القدرة على تتبع الإنفاق ومعرفة الجهات والمشاريع التي تحقق نتائج فعلية، وهذا يجعل الترشيد جزءاً من إصلاح إداري ومالي أوسع، وليس مجرد إجراء مؤقت لمواجهة نقص الموارد.
في هذا الإطار، تسلط الشياح الضوء على ضرورة الانتباه إلى الفارق بين الترشيد والتقشف في الحالة السورية، فالتقشف بمعناه الواسع قد يؤدي إلى تقليص الإنفاق بصورة تؤثر في الطلب والخدمات والاستثمار، بينما الترشيد يركز على إزالة النفقات غير الضرورية وإعادة توجيه الموارد إلى الأولويات.
ومن هنا، فإن نجاح القرار يعتمد على التطبيق وليس على مبدأ خفض الإنفاق بحد ذاته، فإذا أدى إلى تقليص الهدر وتحسين كفاءة المؤسسات وتركيز الموارد على الخدمات والمشاريع ذات الأولوية، فإنه يمكن أن يعزز الاستدامة المالية، أما إذا تحول إلى تخفيضات عامة وغير مدروسة، فقد يضعف النشاط الاقتصادي ويزيد الضغوط على المواطن.
المطلوب ليس موازنة أقل بل أكثر كفاءة
تحتاج سورية في المرحلة المقبلة إلى موارد كبيرة للتعافي وإعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية وتحريك الإنتاج، ولذلك فإن خفض الإنفاق إلى أدنى مستوى ليس هدفاً اقتصادياً بحد ذاته، بل المطلوب هو أن تحقق كل وحدة نقدية تنفقها الدولة أكبر منفعة ممكنة.
وهذا يتطلب بحسب الدكتورة الشياح العمل في ثلاثة اتجاهات متوازية، الأول ضبط النفقات غير الضرورية، والثاني تحسين كفاءة تحصيل الإيرادات، وأما الاتجاه الثالث فهو تحفيز النمو الاقتصادي الذي يوسع القاعدة الإنتاجية والضريبية.
فالمالية العامة المستدامة لا تقوم على تقليص المصروفات وحده، كما أن زيادة الإيرادات لا ينبغي أن تعتمد فقط على زيادة الأعباء على المكلفين، وإنما على توسيع النشاط الاقتصادي ومكافحة التهرب وتحسين الإدارة الضريبية والجمركية.
وختمت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح عميد كلية الاقتصاد الثانية حديثها بالقول:" إن قرار ضبط وترشيد الإنفاق العام يأتي في توقيت حساس بالنسبة للاقتصاد السوري، حيث تتزايد الاحتياجات المالية في الوقت الذي لا تزال فيه الموارد محدودة، ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف مترابطة، استقرار المالية العامة، وحماية المواطن، ودعم التعافي الاقتصادي، فالمواطن يحتاج إلى خدمات أفضل وقدرة شرائية أكثر استقراراً، والاقتصاد يحتاج إلى الاستثمار والإنتاج، والدولة تحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة مواردها بصورة أكثر انضباطاً وكفاءة.
كما أن نجاح سياسة الترشيد لن يقاس فقط بمقدار ما تم توفيره من النفقات، وإنما بما إذا كانت الأموال التي بقيت في الموازنة قد أصبحت أكثر قدرة على تحقيق النتائج، وإذا نجحت الدولة في توجيه الإنفاق نحو الصحة والتعليم والطاقة والبنية التحتية والمشاريع المنتجة، والحد من الهدر والمصروفات غير الضرورية، مع فتح مساحة أوسع أمام الاستثمار الخاص، فإن ضبط الإنفاق يمكن أن يتحول من إجراء مالي قصير الأجل إلى خطوة في اتجاه إصلاح أعمق للمالية العامة.
وفي النهاية، فإن القضية ليست أن تنفق الدولة أقل، وإنما أن تنفق بصورة أفضل، وأن يشعر المواطن بأن ترشيد المال العام لا يعني تقليص حقوقه أو خدماته، بل يعني استخدام الموارد المحدودة بطريقة أكثر عدالة وكفاءة، وبما يخدم الاستقرار الاقتصادي ويمهد لمرحلة من النمو والإنتاج وإعادة البناء.


