سوريا - اقتصاد
صناعة القرار الاقتصادي والخدمي في سورية.. دعوات للانتقال من ردّ الفعل إلى التخطيط والتشاركية
خبراء يدعون إلى التخطيط والتشاركية
ن
نورا حربا
نشر في: ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٢٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
تشهد بعض القطاعات الاقتصادية والخدمية في سورية حالة من الإرباك مع صدور قرارات لا تراعي، في بعض الحالات، حجم التشابك بين الجهات المعنية بتنفيذها أو انعكاساتها على المواطنين وقطاعات الأعمال، ما يفتح النقاش حول آليات صناعة القرار، وحضور البيانات والدراسات والتنسيق المؤسساتي في المراحل التي تسبق صدوره.
ويرى خبيران اقتصاديان، في حديثهما لـ«العين السورية»، أن تعقيدات المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات عبر قرارات آنية إلى منظومة أكثر تشاركية، تقوم على التخطيط الاستراتيجي والبيانات الموثوقة ودراسات الأثر، وتستفيد من الخبرات الأكاديمية والبحثية، مع إخضاع القرارات للتقييم والمراجعة بعد تطبيقها.
قرارات تحت ضغط الحاجة
يرى الاقتصادي الدكتور مهند زنبركجي، المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وتأسيس الشركات القابضة، أن إحدى أبرز المشكلات التي رافقت صناعة القرار الاقتصادي والخدمي في سورية خلال السنوات الماضية تتمثل في غياب منهجية متكاملة وثابتة لاتخاذ القرار.
ويوضح لـ«العين السورية» أن صناعة القرار يفترض أن تكون عملية تشاركية تبدأ بتحديد المشكلة، ثم جمع البيانات وتحليلها، ودراسة البدائل والآثار المحتملة لكل خيار، قبل الانتقال إلى التنفيذ والتقييم.
لكن اتخاذ القرار، في كثير من الحالات، كان وما يزال يتم تحت ضغط الحاجة إلى معالجة مشكلات آنية، وهو أمر يراه زنبركجي مفهوماً في ظل الظروف الاقتصادية والخدمية الصعبة، لكنه قد يقود إلى معالجة أعراض المشكلة بدلاً من أسبابها، أو اتخاذ إجراءات سريعة لا تتناسب نتائجها مع التوقعات المرجوة منها.
القرار ليس نصاً فقط
ولا يرى زنبركجي أن عدم نجاح بعض القرارات يعني بالضرورة أن القرار نفسه كان خاطئاً، موضحاً أن نجاح أي قرار اقتصادي يرتبط بسلسلة من العوامل، تبدأ بدقة تشخيص المشكلة ولا تنتهي عند القدرة على التنفيذ.
فقد يكون القرار مناسباً من حيث المبدأ، لكنه يتعثر نتيجة ضعف الأدوات التنفيذية، أو نقص الموارد، أو غياب التنسيق الكافي بين المؤسسات، أو تغير الظروف التي صدر في ظلها.
كما قد لا تراعي بعض القرارات، بحسب زنبركجي، ردود فعل الأسواق والمواطنين والمنتجين بصورة كافية، فتأتي نتائجها مختلفة عما كان متوقعاً على الورق.
ويشدد على ضرورة التمييز بين القرار الاقتصادي بوصفه نصاً أو إجراءً، والسياسة الاقتصادية باعتبارها مساراً متكاملاً، إذ لا تكمن المسألة في إصدار القرار وحده، وإنما في امتلاك تصور واضح لما سيحدث بعد دخوله حيز التنفيذ.
فالقرارات المتعلقة بالأسعار أو التجارة أو الإنتاج أو الدعم أو الطاقة أو النقل يمكن أن تترك آثاراً متداخلة في قطاعات عديدة، ما يجعل التعامل معها من زاوية مؤسسة واحدة مدخلاً محتملاً لنتائج غير مقصودة.
التنسيق قبل القرار لا بعده
يضع زنبركجي التنسيق الحكومي في صلب شروط صناعة قرار اقتصادي متماسك، نظراً إلى تقاطع مسؤوليات أكثر من وزارة أو مؤسسة في غالبية الملفات الاقتصادية والخدمية.
ويرى أن ضعف التنسيق قد يقود إلى تضارب الإجراءات، أو إلى معالجة جهة لمشكلة بطريقة تولّد مشكلة جديدة لدى جهة أخرى.
وبدلاً من مواجهة هذا الخلل بمزيد من القرارات، يدعو إلى إنشاء آليات واضحة وثابتة للتنسيق، عبر لجان متخصصة ذات صلاحيات فعلية، أو فرق عمل مشتركة، أو منصات موحدة لتبادل المعلومات، بحيث يصبح التنسيق جزءاً من عملية اتخاذ القرار، لا إجراءً لاحقاً أو استثنائياً.
البيانات.. خريطة صانع القرار
ويعتبر زنبركجي أن إحدى أكثر القضايا حساسية تتعلق بالبيانات التي تُبنى عليها القرارات، إذ لا يمكن، برأيه، إدارة الاقتصاد الحديث بالانطباعات أو التقديرات غير الموثقة، وإنما ببيانات دورية ودقيقة وقابلة للمقارنة حول الأسعار والإنتاج والاستهلاك والدخل والتجارة وسوق العمل والاستثمار وغيرها من المؤشرات.
وتبرز في سورية، بحسب زنبركجي، الحاجة إلى تطوير منظومة البيانات الاقتصادية والإحصائية، ليس فقط عبر جمع مزيد من الأرقام، وإنما من خلال توحيد مصادرها وتحسين جودتها وتسريع تحديثها وإتاحة جزء مناسب منها للباحثين والجهات المعنية.
ويشبّه القرار الذي لا يستند إلى بيانات موثوقة بالسير في طريق معقد من دون خريطة واضحة؛ فقد يصل إلى وجهته، لكن احتمالات الخطأ تكون أكبر.
ولا تكمن قيمة البيانات في جمعها فقط، وإنما في تحويلها إلى معلومات تساعد صانع القرار على فهم الواقع واستشراف الاتجاهات واختيار البدائل الأقل كلفة والأكثر فاعلية.
الجامعات شريك قبل القرار
ويمتد الخلل، وفق زنبركجي، إلى العلاقة بين المؤسسات الحكومية والجهات البحثية والأكاديمية، التي يرى أنها بحاجة إلى مزيد من التطوير.
فالجامعات ومراكز الدراسات والباحثون يمتلكون خبرات وقدرات تحليلية يمكن أن تضيف قيمة إلى صناعة القرار، ولا سيما في الملفات التي تتطلب نمذجة اقتصادية ودراسة آثار السياسات وتقييم البدائل.
ويرى أن الاستفادة من هذه الخبرات يجب ألا تبدأ بعد وقوع المشكلة أو تقتصر على طلب رأي أكاديمي منفصل، بل ينبغي إدماجها في المراحل المبكرة من إعداد السياسات والقرارات، عبر قنوات مؤسساتية تتيح للباحثين الوصول إلى البيانات وإجراء الدراسات المستقلة وتقديم التوصيات.
ولا يعني ذلك، وفق زنبركجي، نقل مسؤولية القرار إلى الأكاديميين، وإنما بناء علاقة تكاملية؛ فالمؤسسات الحكومية تمتلك أدوات التنفيذ ومعرفة الواقع الإداري والسياسي، بينما يمتلك الباحث أدوات التحليل والدراسة والتقييم.
من إصدار القرار إلى تقييمه
ويعتبر زنبركجي أن الخطوة الأهم تتمثل في الانتقال من «ثقافة إصدار القرار» إلى «ثقافة تقييم القرار»، عبر وضع مؤشرات واضحة لقياس نجاح كل سياسة أو إجراء اقتصادي، ومراجعة النتائج بعد فترة زمنية محددة.
ويتيح ذلك معرفة مدى تحقق الأهداف، ورصد الآثار غير المقصودة، وتحديد ما يحتاج إلى تعديل، ضمن حلقة متكاملة تبدأ بالتخطيط، ثم التنفيذ والقياس، وصولاً إلى التصحيح.
مركزية ومعالجات إسعافية
من جهته، يرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديثه لـ«العين السورية»، أن آليات اتخاذ القرارات الاقتصادية والخدمية في سورية خلال الفترة الماضية بعد التحرير تتسم بمركزية شديدة وميل إلى المعالجات الإسعافية وردود الفعل والترقيع، بدلاً من الخطط الاستراتيجية طويلة المدى.
وبحسب عياش، تُصاغ غالبية القرارات تحت ضغط أزمات متتالية، مثل نقص الوقود وتدهور سعر الصرف وتراجع الإيرادات، ما يجعلها تركز على الجباية أو تقنين الموارد المتاحة لإدارة العجز، بدلاً من تحفيز الإنتاج أو تحسين جودة الخدمات.
ويرى أن ظروف عدم اليقين وتسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، إلى جانب ضعف الإمكانات والموارد المحلية وحجم الدمار الذي ورثته الحكومة، تجعل التخطيط الاستراتيجي ضرورة لتحديد الرؤى ورسم السياسات وإعداد الخطط والبرامج التي تُبنى الإجراءات على أساسها.
أين تتعثر القرارات؟
يربط عياش جانباً من عدم تحقيق بعض القرارات للنتائج المطلوبة بغياب دراسات الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
ويشير إلى أن قرارات مثل رفع الدعم أو تعديل الرسوم الجمركية والضرائب قد تصدر من دون دراسة مسبقة لقدرة المواطنين أو قطاع الأعمال على تحمل آثارها، ما قد يقود، بحسب رأيه، إلى نتائج عكسية مثل ركود الأسواق أو نمو الاقتصاد غير الرسمي.
كما يشير إلى عدم توافق بعض القرارات مع الواقع التنفيذي، إذ تفتقر بعض التشريعات إلى آليات تطبيق مرنة، وتصطدم بالبيروقراطية الإدارية وما يصفه بـ«الفساد الموروث والمتجدد».
ويلفت كذلك إلى مشكلة كثرة تعديل القرارات أو التراجع عنها بعد فترة وجيزة نتيجة ظهور آثار سلبية لم تكن محسوبة، معتبراً أن ذلك يزعزع استقرار بيئة الأعمال ويضعف القدرة على التنبؤ، وهي عامل مهم في القرارات الاستثمارية.
مؤسسات تعمل في «جزر معزولة»
ويصف عياش مستوى التنسيق بين الوزارات والجهات العامة بأنه يعاني من التشتت والعمل في «جزر معزولة».
ويضرب مثالاً بإمكانية اتخاذ وزارة التجارة الداخلية قراراً متعلقاً بالأسعار من دون تنسيق كافٍ مع وزارتي الزراعة والصناعة بشأن تكاليف الإنتاج الحقيقية، أو صدور قرارات نقدية عن مصرف سورية المركزي، مثل تنظيم المنصة التمويلية للاستيراد، تنعكس على انسياب السلع من دون مواءمة كاملة مع قطاعي الأعمال والتجارة.
ولمعالجة ضعف التنسيق، يقترح إعادة تفعيل دور اللجنة الاقتصادية، أو إنشاء ما يشابهها في مجلس الوزراء بآليات جديدة، لتشكل مظلة تمنع تضارب السياسات بين الوزارات وتعمل على مواءمتها.
كما يقترح إلزام الجهات الحكومية بالحصول على «موافقة مسبقة وموثقة» من القطاعات المتأثرة بالقرار قبل رفعه للاعتماد، أو مشاورتها على الأقل، إلى جانب التوسع في رقمنة المراسلات والقرارات لضمان سرعة تدفق المعلومات بين الجهات المعنية.
أزمة البيانات
ويلتقي عياش مع زنبركجي عند أهمية البيانات، لكنه يذهب إلى توصيف أكثر حدة للمشكلة، متحدثاً عن ضعف وتشوهات في قواعد البيانات الحالية نتيجة سنوات الحرب والنزوح وتغير الخريطة الديموغرافية والاقتصادية.
ويرى أن ذلك يدفع إلى بناء بعض القرارات على تقديرات تقريبية أو إحصاءات قديمة، بما يزيد احتمالات ظهور مشكلات عند تطبيق إجراءات مرتبطة بالواقع الاقتصادي والخدمي، ولا سيما في مجال الدعم الاجتماعي.
ويشير عياش إلى أن هيئة التخطيط والإحصاء هي الجهة الرسمية المخولة بجمع البيانات وإنتاج المعلومات وتنسيقها بين القطاعات الحكومية وغير الحكومية، إلا أنه يرى أنها تواجه نقصاً في التمويل والكوادر المدربة وصعوبات في الوصول الميداني إلى بعض المناطق.
ويضيف أن بعض الوزارات تلجأ إلى إنشاء قواعد بيانات مستقلة، مستشهداً بوزارة الاتصالات والتقانة ومشروع التحول الرقمي، لكنها تظل، بحسب رأيه، غير متكاملة مع بقية قطاعات الدولة.
«مأساة العمل الاستشاري»
أما في ما يتعلق بمشاركة الجهات البحثية والأكاديمية، فيصف عياش واقعها بـ«مأساة العمل الاستشاري»، معتبراً أن دور الجامعات السورية والجهات البحثية يقتصر غالباً على الاستشارة الشكلية أو «التبريرية» بعد صدور القرار، فيما نادراً ما تتحول البحوث الأكاديمية إلى أساس يسبق صياغة التشريعات.
ويقترح لمعالجة ذلك إصدار تشريع يلزم اللجان الوزارية بضم خبراء أكاديميين مستقلين من كليات الاقتصاد والحقوق والهندسة، إلى جانب أصحاب المصالح الممثلين في النقابات المهنية وقطاع الأعمال، وتضمين آرائهم في محاضر الجلسات.
كما يدعو إلى تمويل البحوث التطبيقية وتوجيه جزء من ميزانيات البحث العلمي في الجامعات نحو مشكلات اقتصادية وخدمية محددة تطرحها الحكومة، بدلاً من اقتصارها على البحوث النظرية.
ويقترح كذلك تأسيس مجالس استشارية مستقلة تربط مجالس المدن والوزارات بخبراء من التكنوقراط والأكاديميين وممثلي غرف التجارة والصناعة، بما يتيح مشاركة أوسع في دراسة القرارات الاقتصادية والخدمية قبل إصدارها.
القرار كمنظومة لا كإجراء
تتقاطع رؤية الخبيرين عند أن التحدي أمام الإدارة الاقتصادية في سورية لا يتوقف عند مضمون القرار نفسه، بل يمتد إلى المنظومة التي تسبقه وتتابع نتائجه: من تشخيص المشكلة وتوفير البيانات، إلى التنسيق بين المؤسسات ودراسة البدائل، ثم التنفيذ وقياس الأثر والتصحيح.
وبين ضغط الأزمات والحاجة إلى استجابات سريعة، يبقى التحدي في بناء آلية تستطيع الموازنة بين سرعة القرار وجودته؛ بحيث تنتقل صناعة السياسات تدريجياً من رد الفعل إلى التخطيط، ومن التقديرات إلى البيانات، ومن العمل المنفرد إلى التنسيق، ومن الاستشارة اللاحقة إلى مشاركة الخبراء والباحثين في المراحل التي تسبق القرار.
تشهد بعض القطاعات الاقتصادية والخدمية في سورية حالة من الإرباك مع صدور قرارات لا تراعي، في بعض الحالات، حجم التشابك بين الجهات المعنية بتنفيذها أو انعكاساتها على المواطنين وقطاعات الأعمال، ما يفتح النقاش حول آليات صناعة القرار، وحضور البيانات والدراسات والتنسيق المؤسساتي في المراحل التي تسبق صدوره.
ويرى خبيران اقتصاديان، في حديثهما لـ«العين السورية»، أن تعقيدات المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات عبر قرارات آنية إلى منظومة أكثر تشاركية، تقوم على التخطيط الاستراتيجي والبيانات الموثوقة ودراسات الأثر، وتستفيد من الخبرات الأكاديمية والبحثية، مع إخضاع القرارات للتقييم والمراجعة بعد تطبيقها.
قرارات تحت ضغط الحاجة
يرى الاقتصادي الدكتور مهند زنبركجي، المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وتأسيس الشركات القابضة، أن إحدى أبرز المشكلات التي رافقت صناعة القرار الاقتصادي والخدمي في سورية خلال السنوات الماضية تتمثل في غياب منهجية متكاملة وثابتة لاتخاذ القرار.
ويوضح لـ«العين السورية» أن صناعة القرار يفترض أن تكون عملية تشاركية تبدأ بتحديد المشكلة، ثم جمع البيانات وتحليلها، ودراسة البدائل والآثار المحتملة لكل خيار، قبل الانتقال إلى التنفيذ والتقييم.
لكن اتخاذ القرار، في كثير من الحالات، كان وما يزال يتم تحت ضغط الحاجة إلى معالجة مشكلات آنية، وهو أمر يراه زنبركجي مفهوماً في ظل الظروف الاقتصادية والخدمية الصعبة، لكنه قد يقود إلى معالجة أعراض المشكلة بدلاً من أسبابها، أو اتخاذ إجراءات سريعة لا تتناسب نتائجها مع التوقعات المرجوة منها.
القرار ليس نصاً فقط
ولا يرى زنبركجي أن عدم نجاح بعض القرارات يعني بالضرورة أن القرار نفسه كان خاطئاً، موضحاً أن نجاح أي قرار اقتصادي يرتبط بسلسلة من العوامل، تبدأ بدقة تشخيص المشكلة ولا تنتهي عند القدرة على التنفيذ.
فقد يكون القرار مناسباً من حيث المبدأ، لكنه يتعثر نتيجة ضعف الأدوات التنفيذية، أو نقص الموارد، أو غياب التنسيق الكافي بين المؤسسات، أو تغير الظروف التي صدر في ظلها.
كما قد لا تراعي بعض القرارات، بحسب زنبركجي، ردود فعل الأسواق والمواطنين والمنتجين بصورة كافية، فتأتي نتائجها مختلفة عما كان متوقعاً على الورق.
ويشدد على ضرورة التمييز بين القرار الاقتصادي بوصفه نصاً أو إجراءً، والسياسة الاقتصادية باعتبارها مساراً متكاملاً، إذ لا تكمن المسألة في إصدار القرار وحده، وإنما في امتلاك تصور واضح لما سيحدث بعد دخوله حيز التنفيذ.
فالقرارات المتعلقة بالأسعار أو التجارة أو الإنتاج أو الدعم أو الطاقة أو النقل يمكن أن تترك آثاراً متداخلة في قطاعات عديدة، ما يجعل التعامل معها من زاوية مؤسسة واحدة مدخلاً محتملاً لنتائج غير مقصودة.
التنسيق قبل القرار لا بعده
يضع زنبركجي التنسيق الحكومي في صلب شروط صناعة قرار اقتصادي متماسك، نظراً إلى تقاطع مسؤوليات أكثر من وزارة أو مؤسسة في غالبية الملفات الاقتصادية والخدمية.
ويرى أن ضعف التنسيق قد يقود إلى تضارب الإجراءات، أو إلى معالجة جهة لمشكلة بطريقة تولّد مشكلة جديدة لدى جهة أخرى.
وبدلاً من مواجهة هذا الخلل بمزيد من القرارات، يدعو إلى إنشاء آليات واضحة وثابتة للتنسيق، عبر لجان متخصصة ذات صلاحيات فعلية، أو فرق عمل مشتركة، أو منصات موحدة لتبادل المعلومات، بحيث يصبح التنسيق جزءاً من عملية اتخاذ القرار، لا إجراءً لاحقاً أو استثنائياً.
البيانات.. خريطة صانع القرار
ويعتبر زنبركجي أن إحدى أكثر القضايا حساسية تتعلق بالبيانات التي تُبنى عليها القرارات، إذ لا يمكن، برأيه، إدارة الاقتصاد الحديث بالانطباعات أو التقديرات غير الموثقة، وإنما ببيانات دورية ودقيقة وقابلة للمقارنة حول الأسعار والإنتاج والاستهلاك والدخل والتجارة وسوق العمل والاستثمار وغيرها من المؤشرات.
وتبرز في سورية، بحسب زنبركجي، الحاجة إلى تطوير منظومة البيانات الاقتصادية والإحصائية، ليس فقط عبر جمع مزيد من الأرقام، وإنما من خلال توحيد مصادرها وتحسين جودتها وتسريع تحديثها وإتاحة جزء مناسب منها للباحثين والجهات المعنية.
ويشبّه القرار الذي لا يستند إلى بيانات موثوقة بالسير في طريق معقد من دون خريطة واضحة؛ فقد يصل إلى وجهته، لكن احتمالات الخطأ تكون أكبر.
ولا تكمن قيمة البيانات في جمعها فقط، وإنما في تحويلها إلى معلومات تساعد صانع القرار على فهم الواقع واستشراف الاتجاهات واختيار البدائل الأقل كلفة والأكثر فاعلية.
الجامعات شريك قبل القرار
ويمتد الخلل، وفق زنبركجي، إلى العلاقة بين المؤسسات الحكومية والجهات البحثية والأكاديمية، التي يرى أنها بحاجة إلى مزيد من التطوير.
فالجامعات ومراكز الدراسات والباحثون يمتلكون خبرات وقدرات تحليلية يمكن أن تضيف قيمة إلى صناعة القرار، ولا سيما في الملفات التي تتطلب نمذجة اقتصادية ودراسة آثار السياسات وتقييم البدائل.
ويرى أن الاستفادة من هذه الخبرات يجب ألا تبدأ بعد وقوع المشكلة أو تقتصر على طلب رأي أكاديمي منفصل، بل ينبغي إدماجها في المراحل المبكرة من إعداد السياسات والقرارات، عبر قنوات مؤسساتية تتيح للباحثين الوصول إلى البيانات وإجراء الدراسات المستقلة وتقديم التوصيات.
ولا يعني ذلك، وفق زنبركجي، نقل مسؤولية القرار إلى الأكاديميين، وإنما بناء علاقة تكاملية؛ فالمؤسسات الحكومية تمتلك أدوات التنفيذ ومعرفة الواقع الإداري والسياسي، بينما يمتلك الباحث أدوات التحليل والدراسة والتقييم.
من إصدار القرار إلى تقييمه
ويعتبر زنبركجي أن الخطوة الأهم تتمثل في الانتقال من «ثقافة إصدار القرار» إلى «ثقافة تقييم القرار»، عبر وضع مؤشرات واضحة لقياس نجاح كل سياسة أو إجراء اقتصادي، ومراجعة النتائج بعد فترة زمنية محددة.
ويتيح ذلك معرفة مدى تحقق الأهداف، ورصد الآثار غير المقصودة، وتحديد ما يحتاج إلى تعديل، ضمن حلقة متكاملة تبدأ بالتخطيط، ثم التنفيذ والقياس، وصولاً إلى التصحيح.
مركزية ومعالجات إسعافية
من جهته، يرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديثه لـ«العين السورية»، أن آليات اتخاذ القرارات الاقتصادية والخدمية في سورية خلال الفترة الماضية بعد التحرير تتسم بمركزية شديدة وميل إلى المعالجات الإسعافية وردود الفعل والترقيع، بدلاً من الخطط الاستراتيجية طويلة المدى.
وبحسب عياش، تُصاغ غالبية القرارات تحت ضغط أزمات متتالية، مثل نقص الوقود وتدهور سعر الصرف وتراجع الإيرادات، ما يجعلها تركز على الجباية أو تقنين الموارد المتاحة لإدارة العجز، بدلاً من تحفيز الإنتاج أو تحسين جودة الخدمات.
ويرى أن ظروف عدم اليقين وتسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، إلى جانب ضعف الإمكانات والموارد المحلية وحجم الدمار الذي ورثته الحكومة، تجعل التخطيط الاستراتيجي ضرورة لتحديد الرؤى ورسم السياسات وإعداد الخطط والبرامج التي تُبنى الإجراءات على أساسها.
أين تتعثر القرارات؟
يربط عياش جانباً من عدم تحقيق بعض القرارات للنتائج المطلوبة بغياب دراسات الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
ويشير إلى أن قرارات مثل رفع الدعم أو تعديل الرسوم الجمركية والضرائب قد تصدر من دون دراسة مسبقة لقدرة المواطنين أو قطاع الأعمال على تحمل آثارها، ما قد يقود، بحسب رأيه، إلى نتائج عكسية مثل ركود الأسواق أو نمو الاقتصاد غير الرسمي.
كما يشير إلى عدم توافق بعض القرارات مع الواقع التنفيذي، إذ تفتقر بعض التشريعات إلى آليات تطبيق مرنة، وتصطدم بالبيروقراطية الإدارية وما يصفه بـ«الفساد الموروث والمتجدد».
ويلفت كذلك إلى مشكلة كثرة تعديل القرارات أو التراجع عنها بعد فترة وجيزة نتيجة ظهور آثار سلبية لم تكن محسوبة، معتبراً أن ذلك يزعزع استقرار بيئة الأعمال ويضعف القدرة على التنبؤ، وهي عامل مهم في القرارات الاستثمارية.
مؤسسات تعمل في «جزر معزولة»
ويصف عياش مستوى التنسيق بين الوزارات والجهات العامة بأنه يعاني من التشتت والعمل في «جزر معزولة».
ويضرب مثالاً بإمكانية اتخاذ وزارة التجارة الداخلية قراراً متعلقاً بالأسعار من دون تنسيق كافٍ مع وزارتي الزراعة والصناعة بشأن تكاليف الإنتاج الحقيقية، أو صدور قرارات نقدية عن مصرف سورية المركزي، مثل تنظيم المنصة التمويلية للاستيراد، تنعكس على انسياب السلع من دون مواءمة كاملة مع قطاعي الأعمال والتجارة.
ولمعالجة ضعف التنسيق، يقترح إعادة تفعيل دور اللجنة الاقتصادية، أو إنشاء ما يشابهها في مجلس الوزراء بآليات جديدة، لتشكل مظلة تمنع تضارب السياسات بين الوزارات وتعمل على مواءمتها.
كما يقترح إلزام الجهات الحكومية بالحصول على «موافقة مسبقة وموثقة» من القطاعات المتأثرة بالقرار قبل رفعه للاعتماد، أو مشاورتها على الأقل، إلى جانب التوسع في رقمنة المراسلات والقرارات لضمان سرعة تدفق المعلومات بين الجهات المعنية.
أزمة البيانات
ويلتقي عياش مع زنبركجي عند أهمية البيانات، لكنه يذهب إلى توصيف أكثر حدة للمشكلة، متحدثاً عن ضعف وتشوهات في قواعد البيانات الحالية نتيجة سنوات الحرب والنزوح وتغير الخريطة الديموغرافية والاقتصادية.
ويرى أن ذلك يدفع إلى بناء بعض القرارات على تقديرات تقريبية أو إحصاءات قديمة، بما يزيد احتمالات ظهور مشكلات عند تطبيق إجراءات مرتبطة بالواقع الاقتصادي والخدمي، ولا سيما في مجال الدعم الاجتماعي.
ويشير عياش إلى أن هيئة التخطيط والإحصاء هي الجهة الرسمية المخولة بجمع البيانات وإنتاج المعلومات وتنسيقها بين القطاعات الحكومية وغير الحكومية، إلا أنه يرى أنها تواجه نقصاً في التمويل والكوادر المدربة وصعوبات في الوصول الميداني إلى بعض المناطق.
ويضيف أن بعض الوزارات تلجأ إلى إنشاء قواعد بيانات مستقلة، مستشهداً بوزارة الاتصالات والتقانة ومشروع التحول الرقمي، لكنها تظل، بحسب رأيه، غير متكاملة مع بقية قطاعات الدولة.
«مأساة العمل الاستشاري»
أما في ما يتعلق بمشاركة الجهات البحثية والأكاديمية، فيصف عياش واقعها بـ«مأساة العمل الاستشاري»، معتبراً أن دور الجامعات السورية والجهات البحثية يقتصر غالباً على الاستشارة الشكلية أو «التبريرية» بعد صدور القرار، فيما نادراً ما تتحول البحوث الأكاديمية إلى أساس يسبق صياغة التشريعات.
ويقترح لمعالجة ذلك إصدار تشريع يلزم اللجان الوزارية بضم خبراء أكاديميين مستقلين من كليات الاقتصاد والحقوق والهندسة، إلى جانب أصحاب المصالح الممثلين في النقابات المهنية وقطاع الأعمال، وتضمين آرائهم في محاضر الجلسات.
كما يدعو إلى تمويل البحوث التطبيقية وتوجيه جزء من ميزانيات البحث العلمي في الجامعات نحو مشكلات اقتصادية وخدمية محددة تطرحها الحكومة، بدلاً من اقتصارها على البحوث النظرية.
ويقترح كذلك تأسيس مجالس استشارية مستقلة تربط مجالس المدن والوزارات بخبراء من التكنوقراط والأكاديميين وممثلي غرف التجارة والصناعة، بما يتيح مشاركة أوسع في دراسة القرارات الاقتصادية والخدمية قبل إصدارها.
القرار كمنظومة لا كإجراء
تتقاطع رؤية الخبيرين عند أن التحدي أمام الإدارة الاقتصادية في سورية لا يتوقف عند مضمون القرار نفسه، بل يمتد إلى المنظومة التي تسبقه وتتابع نتائجه: من تشخيص المشكلة وتوفير البيانات، إلى التنسيق بين المؤسسات ودراسة البدائل، ثم التنفيذ وقياس الأثر والتصحيح.
وبين ضغط الأزمات والحاجة إلى استجابات سريعة، يبقى التحدي في بناء آلية تستطيع الموازنة بين سرعة القرار وجودته؛ بحيث تنتقل صناعة السياسات تدريجياً من رد الفعل إلى التخطيط، ومن التقديرات إلى البيانات، ومن العمل المنفرد إلى التنسيق، ومن الاستشارة اللاحقة إلى مشاركة الخبراء والباحثين في المراحل التي تسبق القرار.


