سوريا - اقتصاد
غلاء الأسعار في سوريا.. لماذا يدفع المستهلك ثمن الصعود ولا يجني مكاسب التراجع؟
الخبير المصرفي عروة الزعبي يدعو إلى ضبط السيولة وإصلاح أدوات السياسة النقدية وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر فقراً، ويحذر من أن فرض سقوف سعرية دون زيادة المعروض قد يفاقم اختناقات الأسواق
ا
العين السورية
نشر في: ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٠:٠٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
ويربط الخبير المصرفي الدكتور عروة الزعبي استمرار التضخم بتداخل عوامل هيكلية وظرفية، أبرزها هشاشة الإنتاج والبنية التحتية، والاضطرابات الإقليمية التي ترفع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب سلوك التجار في ظل غياب الاستقرار النقدي.
ويقول الزعبي في حديثه مع "العين السورية" إن ضعف الإنتاج وتراجع البنية التحتية أدّيا إلى اعتماد كبير على المستوردات، ما جعل الأسعار المحلية مرتبطة مباشرة بتكاليف الاستيراد وسعر الصرف.
كما أن التوترات الإقليمية وإغلاق بعض الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز، يرفعان تكاليف النقل والتأمين البحري ويزيدان الطلب على الدولار.
ولا يقتصر أثر هذه العوامل على التكلفة الفعلية، إذ يمنح ضعف المنافسة بعض التجار قدرة على تأخير خفض الأسعار حتى عندما تتراجع تكاليفهم. ويوضح الزعبي أن التجار يعتمدون «هامش أمان» في التسعير تحسباً لارتفاع تكلفة إعادة شراء البضائع، ما يفسر سرعة ارتفاع الأسعار مع صعود الدولار وبطء انخفاضها عند تراجعه.
أدوات نقدية محدودة أمام التضخم
خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، يرى الزعبي أن مواجهة التضخم تتطلب تطوير أدوات السياسة النقدية وضبط السيولة وإصلاح إدارة سعر الصرف، بالتوازي مع تعزيز الشفافية بشأن الأسعار والتكاليف.
ويدعو إلى بناء إطار موثوق للسياسة النقدية، والتوسع تدريجياً في الأدوات غير المباشرة، مثل عمليات السوق المفتوحة، واستخدام أدوات كرفع الاحتياطي الإلزامي أو شهادات الإيداع لامتصاص السيولة الزائدة، بحسب الظروف النقدية.
لكن فعالية هذه الإجراءات تصطدم بضعف النشاط المصرفي وغياب سوق مالية عميقة ومؤثرة. ويشير الزعبي إلى أن تطوير الأدوات النقدية يحتاج إلى وقت وإصلاح مؤسسي، بينما الضغوط التضخمية فورية، ما يجعل الإجراءات الإدارية أسرع في التنفيذ، لكنها أقل كفاءة على المدى الطويل وقد تخلق تشوهات في السوق.
خفض تكاليف الاستيراد يحتاج إلى منافسة
يمكن لتسهيل الاستيراد وخفض الرسوم الجمركية وتكاليف النقل أن يخفف الضغط على أسعار السلع الأساسية، لكن أثر هذه الإجراءات ليس فورياً ولا مضموناً. فتخفيض الرسوم وحده لا يكفي، لأن السعر النهائي يتأثر أيضاً بالشحن والتخزين والطاقة وتقلبات سعر الصرف.
ويشدد الزعبي على ضرورة ضمان انتقال انخفاض التكاليف إلى المستهلك، من خلال إلزام التجار بإصدار فواتير نظامية، ومراقبة هوامش الربح، ونشر بيانات واضحة عن تكاليف الاستيراد والشحن. فضعف المنافسة قد يسمح بتحويل الوفر الناتج عن تخفيض الرسوم إلى أرباح إضافية بدلاً من انعكاسه على الأسعار.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في السلع الأساسية التي تستحوذ على حصة كبيرة من إنفاق الأسر، إذ يمكن لتخفيف تكاليف وصولها إلى الأسواق أن يحسن القدرة الشرائية، شرط توافر المعروض وعدم وجود اختناقات في التوزيع.
الرقابة التموينية ليست حلاً مستقلاً
يحذر الزعبي من الاعتماد على الرقابة التموينية وحدها لضبط الأسعار، إذ يمكنها الحد من المخالفات، لكنها لا تعالج ضعف الإنتاج المحلي أو الاعتماد على الاستيراد.
كما أن فرض سقوف سعرية تقل عن تكاليف الإنتاج أو الاستيراد قد يدفع التجار إلى الامتناع عن البيع أو تقليص الكميات، ما يؤدي إلى نقص المعروض وظهور أسواق غير نظامية بأسعار أعلى.
لذلك، يرى أن نجاح الرقابة يتطلب ربطها بزيادة المعروض وتعزيز الإنتاج المحلي، بدلاً من الاكتفاء بفرض القيود على الأسعار من دون معالجة أسباب ارتفاعها.
دعم موجّه بدلاً من زيادة الأجور العامة
لحماية القدرة الشرائية، يفضل الزعبي توجيه الدعم النقدي مباشرة إلى الأسر الأكثر فقراً، بدلاً من الاعتماد على دعم السلع أو زيادة الأجور بصورة عامة.
فدعم السلع قد يخفض الأسعار ظاهرياً، لكنه يحمّل الدولة تكاليف كبيرة، ويعرضها للهدر والفساد وتسرب الدعم إلى غير المستحقين. أما زيادة الأجور العامة، فقد ترفع الطلب وتزيد تكاليف الإنتاج، بما يغذي التضخم إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاجية والمعروض.
في المقابل، يتيح الدعم النقدي توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجاً، لكنه يتطلب تحديداً دقيقاً للمستحقين وبنية مصرفية تضمن وصول التحويلات إليهم. ويرى الزعبي أن على الحكومة العمل على تطوير هذه القدرة لضمان حماية الفئات الهشة من دون زيادة الضغوط التضخمية.
ما الذي يمكن قياسه خلال 90 يوماً؟
يقترح الزعبي متابعة خمسة مؤشرات لتقييم نتائج السياسات خلال التسعين يوماً المقبلة: معدل التضخم الشهري، وسعر الصرف، والاحتياطي الأجنبي، وتوافر السلع الأساسية، وإيرادات الخزينة لقياس أثر تخفيض الرسوم الجمركية.
ويؤكد أن الهدف الواقعي في الظروف الحالية ليس خفض الأسعار نفسها سريعاً، بل إبطاء وتيرة ارتفاعها وخفض معدل التضخم. فاستقرار سعر الصرف وحده لا يكفي إذا ظلت تكاليف الإنتاج والنقل مرتفعة، كما أن تراجع الأسعار الرسمية لا يمثل تحسناً حقيقياً إذا ترافق مع نقص السلع.
أما الانتقال إلى استقرار مستدام، فيتطلب تعزيز الإنتاج المحلي والصادرات لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير العملة الصعبة، وبناء احتياطي أجنبي كافٍ لامتصاص الصدمات، إلى جانب الاستقرار السياسي والأمني والإصلاح المؤسسي الذي يعزز الثقة بالليرة ويطور القطاع المصرفي.
وتبقى معضلة السياسة الاقتصادية السورية في تحقيق توازن بين كبح التضخم وحماية القدرة الشرائية من دون تعطيل النشاط الاقتصادي. فاستقرار الأسعار لن يتحقق بالرقابة أو الإجراءات النقدية وحدها، بل بزيادة الإنتاج، وتحسين توافر السلع، وتعزيز الثقة بالعملة والسياسات الاقتصادية.


