سوريا - اقتصاد
بوابة التمويل الدولي.. هل يسرّع صندوق START تعافي الاقتصاد السوري؟
صندوق متعدد المانحين بإدارة البنك الدولي لحشد التمويل الميسّر وضمانات الاستثمار.. ونجاحه مرهون بحجم مساهمات المانحين وقدرة سورية على تحويلها إلى مشاريع ملموسة.
م
منير الرفاعي
نشر في: ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦، ٠٩:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
وأُعلن عن الاتفاق في 18 تشرين الأول 2026، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، حيث اتفقت سوريا والبنك الدولي على إنشاء آلية متعددة المانحين توفر التمويل الميسّر وضمانات الاستثمار والمساعدة الفنية وبناء القدرات المؤسسية، مع تشجيع مشاركة القطاع الخاص في جهود التعافي.
ويُفترض أن يتولى البنك الدولي إدارة الصندوق بالتنسيق مع الجهات المانحة وشركاء التنمية، وفق أولويات تحددها الدولة السورية وإطار للحوكمة والشفافية والمساءلة. وبذلك، لا تقتصر الفكرة على جمع الأموال، بل تشمل تنسيق مساهمات الجهات المختلفة وتوجيهها نحو برامج ومشاريع ذات أهداف تنموية محددة.
آلية لحشد الدعم.. لا شيك مفتوح لإعادة الإعمار
يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري، في تصريح لـ«العين السورية»، أن الصندوق «آلية مخصصة لحشد الدعم بهدف إعادة الإعمار، وذلك تحت إشراف البنك الدولي».
ويشير الحاري إلى أن البنك الدولي يساهم عادةً بمخصصات مالية في الصناديق التي ينشئها في الدول المختلفة، ويضع شروطاً لتحديد اتجاهات الدعم، بما يشمل البنية التحتية والقطاعات المصرفية والأولويات التنموية والإعانات الاجتماعية، والمجالات التي تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي.
وتتسع الأدوات المعلنة لصندوق START لتشمل، إلى جانب التمويل الميسّر، ضمانات الاستثمار والمساعدة الفنية وبناء القدرات. ويمكن لهذه الأدوات أن تدعم إعادة تأهيل المرافق العامة، وتحسين قدرة المؤسسات على تنفيذ المشاريع، وتخفيف بعض المخاطر التي تعيق دخول المستثمرين إلى السوق السورية.
لكن إنشاء الصندوق لا يعني أن الأموال ستُحوّل مباشرة إلى الخزينة العامة، أو أن الحكومة ستتمكن من استخدامها من دون ضوابط. فالموارد ستخضع لإجراءات الإدارة والتمويل والرقابة المعتمدة، فيما لم يُعلن عن الحجم الإجمالي المستهدف للصندوق أو مجموع التعهدات النهائية أو جدول الصرف التفصيلي.
السيولة والاحتياجات التشغيلية في صدارة التحديات
يرى الحاري أن إطلاق الصندوق يمثل تطوراً بالغ الأهمية، متوقعاً أن يسهم في تحقيق تعافٍ اقتصادي على المدى القصير وتوفير السيولة اللازمة لتلبية الاحتياجات التشغيلية اليومية المرتبطة بالبنية التحتية.
وتبرز أهمية هذا الدور في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، التي تحتاج إلى تمويل مستمر لإعادة تأهيل المرافق واستعادة الخدمات. كما يمكن أن ينعكس الإنفاق على المشاريع في تنشيط قطاعات البناء والنقل والخدمات، وتوفير فرص عمل جديدة، إذا اقترن التمويل بتنفيذ فعلي للمشاريع.
وكان البنك الدولي قد قدّر، في تقييم صدر عام 2025، كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سورية بنحو 216 مليار دولار، وفق تقديره التحفظي الأفضل، ما يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياجات التمويلية وحجم الموارد المتاحة.
وبالتالي، لا يُتوقع أن يغطي صندوق واحد هذه الاحتياجات، بل يُنظر إليه باعتباره إحدى قنوات التمويل ضمن جهود أوسع تشمل الدعم الدولي والاستثمارات الخاصة والتمويل التنموي.
المانحون.. الاختبار الحقيقي للصندوق
يربط الحاري فرص نجاح المبادرة بحجم التدفقات المالية التي ستصل إلى الصندوق، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة يُنتظر أن تشهد عقد مؤتمر دولي للمانحين لدعمه.
ويحذر الحاري من أن الآمال المرتبطة بالصندوق تصطدم بتحديات الاقتصاد العالمي، ولا سيما الضغوط التي تواجه الدول الخليجية التي يُعوّل على دورها في دعم إعادة الإعمار. ويرى أن تجاوز الأزمات المرتبطة بالحرب في اليمن وانعكاساتها على المملكة العربية السعودية من شأنه أن يدعم فرص نجاح المبادرة خلال المرحلة المقبلة.
وتعكس هذه المخاوف تحدياً أوسع يواجه تمويل إعادة الإعمار، يتمثل في المنافسة على الموارد الدولية وتزايد الاحتياجات التنموية في ظل الأزمات الجيوسياسية والضغوط المالية. لذلك، فإن إعلان إنشاء الصندوق لا يضمن وحده تدفق التمويل بالمستويات المطلوبة.
الحوكمة والتنفيذ يحددان النتائج
إلى جانب حجم التمويل، ستتوقف فاعلية START على معايير اختيار المشاريع، ووضوح أولويات الإنفاق، وقدرة المؤسسات السورية على إعداد المشاريع وتنفيذها ومراقبة نتائجها.
كما أن توفير ضمانات الاستثمار والتمويل الميسّر قد يساعد على جذب رأس المال الخاص، لكنه يتطلب وضوح الشروط وتوزيع المخاطر بين الجهات المعنية، فضلاً عن بيئة تسمح بتنفيذ الاستثمارات وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
وفي المحصلة، يفتح صندوق START قناة جديدة لتنظيم الدعم الدولي لسورية، لكنه لا يمثل تمويلاً مكتملاً لإعادة الإعمار. وستتحدد أهميته الفعلية بما سيحشده من مساهمات، وبقدرته على تحويل الموارد إلى خدمات وبنية تحتية وفرص عمل، ضمن آليات واضحة للحوكمة والمساءلة. فالتحدي لم يعد يقتصر على تأمين التمويل، بل يمتد إلى ضمان وصوله إلى المشاريع الأكثر إلحاحاً وتحقيق نتائج قابلة للقياس في حياة السوريين.


