سوريا - اقتصاد
الصادرات السورية تتحسن وخبراء يطالبون بقوانين تمنح المستثمرين الثقة
ارتفاع الصادرات مؤشر إيجابي، لكن تقليص الفجوة التجارية يتطلب تعزيز الإنتاج المحلي وتوفير بيئة استثمارية مستقرة
ن
نورا حربا
نشر في: ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:١٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
يُعدّ التصدير أحد المؤشرات المهمة على أداء الاقتصاد وقدرته الإنتاجية والتنافسية، إذ يعكس ارتفاع الصادرات قدرة المنتجات المحلية على الوصول إلى الأسواق الخارجية، ويسهم في توفير العملات الأجنبية. لكن الاقتصاد لا يُقاس بحركة الصادرات وحدها، بل بقدرته على زيادة الإنتاج المحلي، وتنويع المنتجات المصدّرة، وتقليص الفجوة بين الصادرات والواردات.
وفي سوريا، لا تزال الواردات تتجاوز الصادرات، وفق التقديرات الواردة في تصريحات الخبراء، إلا أن تحسن حركة التصدير خلال الفترة الماضية يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة هذا الاتجاه على الاستمرار، وما إذا كان يشير إلى بداية تعافٍ اقتصادي حقيقي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التحسن يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأمد، وقوانين واضحة ومستقرة، إلى جانب معالجة تحديات النقل والطاقة والتحويلات المالية، لتمكين المنتجات السورية من المنافسة في الأسواق الخارجية.
تجاوز تحديات العبور والتحويلات
يُعزى نشاط الصادرات السورية إلى تحسن حركة الشحن البري وارتفاع تدفق المنتجات نحو الأسواق الإقليمية، ولا سيما الخليجية، بالتزامن مع اتساع فرص الوصول إلى هذه الأسواق.
لكن استمرار هذا الزخم وتحويله إلى نمو مستدام يرتبطان بقدرة المنتج السوري على تجاوز تحديات العبور والنقل والتحويلات المالية، والحفاظ على جودة المنتجات وأسعارها التنافسية.
وتبرز هذه التحديات أهمية توفير بيئة اقتصادية وتشريعية تساعد المنتجين على زيادة إنتاجهم، وتمنح المستثمرين الثقة اللازمة لتوسيع أعمالهم، ولا سيما في القطاعات الصناعية والزراعية والغذائية.
إيجابي ولكن..
يرى رجل الأعمال ونائب رئيس المنتدى السوري الاقتصادي للتنمية، محمود الذرعاوي، في حديثه لـ«العين السورية»، أن:
❝ارتفاع الصادرات مؤشر إيجابي، لكنه وحده لا يكفي للحكم بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.❞ويوضح أن الأهم هو معرفة حجم الزيادة ونوعية السلع المصدّرة، وما إذا كانت منتجات محلية ذات قيمة مضافة، أم مواد أولية أو سلعاً يعاد تصديرها.
ويضيف الذرعاوي: «حتى الآن لا أملك إحصائية رسمية متكاملة توضّح حجم الارتفاع وتركيبة الصادرات، لذلك لا أريد أن أبني حكماً على أرقام غير واضحة».
ويؤكد أن بناء اقتصاد قوي يتطلب زيادة الإنتاج والصادرات وتقليص الفجوة بين ما تصدره البلاد وما تستورده، مشيراً إلى أن ذلك يحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد في الصناعة والصناعات الزراعية والغذائية، وبعض الصناعات البتروكيميائية التي تمتلك سوريا مقومات لتطويرها.
قوانين واضحة ومستقرة
يشدد الذرعاوي على أن استقرار القوانين شرط رئيسي لجذب الاستثمارات، ولا سيما الصناعية منها، إذ يلتزم المستثمر الصناعي برأس مال كبير وتكاليف تشغيل شهرية تشمل العمالة والمواد الأولية، ويحتاج إلى قوانين واضحة ومستقرة تمنحه الثقة بقدرة استثماره على الاستمرار.
ومن دون هذه الضمانات، ستبقى الاستثمارات الصناعية الكبيرة محدودة، حتى لو كانت الفرص متاحة.
وفيما يتعلق بالفجوة بين الواردات والصادرات، يؤكد الذرعاوي ضرورة التمييز بين الميزان التجاري وميزان المدفوعات؛ فالميزان التجاري يقارن صادرات السلع بوارداتها، أما ميزان المدفوعات فيشمل أيضاً الخدمات والتحويلات والتدفقات المالية.
ويشير إلى أنه من دون بيانات حديثة ومتكاملة، لا يمكن الجزم بحجم العجز بدقة. لكن إذا كانت قيمة الواردات أكبر من الصادرات، فإن ذلك يعني وجود فجوة تجارية ويؤكد الحاجة إلى زيادة الإنتاج والتصدير.
ولا يرى الذرعاوي أن وقف الاستيراد بصورة عشوائية يمثل حلاً مناسباً، إذ تشمل المستوردات مواد أولية ومعدات تحتاج إليها المصانع. والمطلوب، برأيه، هو ترشيد استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محلياً، مع توفير مستلزمات الإنتاج، حتى تتمكن الصناعة من إحلال المنتج المحلي محل المستورد، ثم التوسع في تصديره.
بيئة أكثر استقراراً
يشير الذرعاوي إلى أن سوريا تمتلك فرصاً ومقومات إنتاجية، لكن تطوير الإنتاج لا يزال يحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً.
فالصناعة تتطلب استثمارات كبيرة والتزامات مستمرة تجاه العمال والمواد الأولية والطاقة، ولذلك لا يستطيع المستثمر ضخ أمواله بثقة إذا كانت القوانين والإجراءات غير واضحة أو تتغير باستمرار.
ويلفت إلى أن بعض المستثمرين قد يتجهون إلى العقار لأنه يبدو أقل مخاطرة، في حين يحتاج الاستثمار الصناعي إلى أفق زمني أطول وثقة أكبر.
ويؤكد أن استقرار القوانين ووضوحها ليسا تفصيلاً إدارياً، بل من أهم العوامل التي ستحدد قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الصناعية.
وإلى جانب ذلك، يدعو إلى تحسين فرص التمويل، وتوفير الطاقة، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل إجراءات الترخيص والتصدير.
تعامل بحذر
يؤكد الذرعاوي وجود تحسن في فتح قنوات التعامل المالي مع الخارج، لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني أن التحويلات أصبحت سهلة وسريعة للجميع.
فما زالت بعض المصارف الخارجية تتعامل بحذر، وتطلب إجراءات تدقيق وامتثال مشددة، وقد تواجه الشركات تأخيراً في التحويلات أو تكاليف أعلى.
ويرى أن المشكلة ترتبط باستعادة الثقة والروابط المصرفية، ووضوح الإجراءات، وقدرة المصارف على تنفيذ التحويلات بكفاءة.
ويضيف أن معالجة هذه الصعوبات تتطلب تطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية والامتثال للمعايير الدولية، وتوسيع العلاقات مع البنوك المراسلة، وتوفير تعليمات واضحة ومستقرة للمصارف والشركات.
ويؤكد أن تيسير التحويلات المالية ضرورة لدعم التجارة وتمويل الإنتاج وجذب المستثمرين.
الزراعة تتصدر المشهد
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديثه لـ«العين السورية»، إلى أن الصادرات السورية شهدت نمواً تصاعدياً، موضحاً أن النصف الأول من عام 2025 سجل نمواً بنسبة 39% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، لتبلغ قيمة الصادرات نحو 500 مليون يورو، وفق الأرقام التي أوردها.
واستمر هذا الزخم خلال عام 2026، ولا سيما باتجاه الأسواق الإقليمية، حيث ارتفعت الصادرات السورية إلى المملكة العربية السعودية بنسبة 64.1% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة المقابلة من العام السابق.
كما ارتفعت الصادرات الأردنية إلى سوريا بنسبة 33.8%، بما يعكس نمو التبادل التجاري بين البلدين.
ويشير عياش إلى أن القطاع الزراعي والصناعات الغذائية والتحويلية تتصدر المشهد التصديري، وتتمثل أبرز المواد المصدّرة في زيت الزيتون البكر، والفوسفات، والفواكه والمجففات، والألبان والأجبان، والمنسوجات والملابس الجاهزة.
تعافٍ جزئي محاط بالتحديات
وعن مدى سير الاقتصاد السوري في الاتجاه الصحيح، يرى عياش أن المؤشرات الكلية إيجابية، مشيراً إلى توقعات صندوق النقد الدولي بتحقيق نمو اقتصادي يتجاوز 10% خلال عام 2026، وفق ما أورده في حديثه.
لكنه يصف التعافي بأنه جزئي ومحاط بالتحديات، موضحاً أن تحسن الصادرات يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الانفتاح الإقليمي والدولي وعودة التبادل التجاري، إلى جانب تسهيل منح تأشيرات السائقين، ومن بينها التسهيلات السعودية الأخيرة عبر مراكز «تأشير».
ويضيف أن الإصلاحات الهيكلية تشمل إطلاق «السجل الوطني للتصدير الإلكتروني» لتنظيم بيانات المصدرين، إلى جانب التعديلات الجمركية التي تستهدف تخفيض الرسوم على بعض المواد الأولية الخام لدعم الإنتاج، مثل السكر الخام والبقوليات والزيوت.
ويرى أن هذه الإجراءات يمكن أن تسهم في تحسين بيئة التصدير، لكن أثرها يبقى مرتبطاً بمدى تطبيقها وقدرتها على تخفيف الأعباء عن المنتجين والمصدرين.
فجوة تجارية واسعة
يشير عياش إلى أن الفجوة التجارية لا تزال واسعة، موضحاً أن الواردات السنوية المقدرة بنحو 3.87 مليارات دولار تتجاوز الصادرات المقدرة بنحو 1.11 مليار دولار بأضعاف.
ويقول إن تغطية هذه الفجوة تعتمد حالياً، وفق تقديره، بصورة أساسية على تحويلات السوريين في الخارج، وعائدات عبور الوقود، وحزم المساعدات الدولية.
وعن سبل معالجة الخلل، يدعو عياش إلى تقييد استيراد السلع الكمالية، مشيراً إلى ما وصفه بتطبيق ذلك في التعرفة الجمركية لعام 2026، من خلال رفع الرسوم على السلع الاستهلاكية الجاهزة والسيارات الفارهة، وحظر السيارات المستعملة.
كما يدعو إلى اعتماد سياسة لإحلال المستوردات، من خلال تشجيع تصنيع البدائل المحلية عبر الحوافز والتسهيلات والإعفاءات الضريبية الأوسع، وفق النتائج والأولويات المحددة.
ويشدد كذلك على أهمية رفع الجاهزية التنافسية للمنتجات السورية، ومعالجة مشكلة رسوم العبور المرتفعة مع دول الجوار، ومنها الأردن، لما لها من تأثير في تسعير البضائع السورية وقدرتها على المنافسة.
ويضيف أن تطوير قطاع النقل والشحن، ولا سيما النقل البري والخدمات اللوجستية المرتبطة به، يمثل ضرورة لتحسين حركة الصادرات وخفض تكاليف وصولها إلى الأسواق الخارجية.
مخاض صناعي معقد
يمر القطاع الصناعي، وفق وصف عياش، بمرحلة انتقالية معقدة نحو اقتصاد السوق الحرة.
وعلى الرغم من عودة آلاف المنشآت إلى العمل، لا يزال الإنتاج يواجه ارتفاع تكاليف الطاقة، والنقص الحاد في الكهرباء والفيول، والاعتماد على المولدات الخاصة، ما يرفع كلفة المنتج النهائي مقارنة بمنتجات دول الجوار.
ويضاف إلى ذلك، بحسب عياش، تراجع البنية التحتية في المدن والمناطق الصناعية، إلى جانب المنافسة غير العادلة الناتجة عن تدفق السلع الأجنبية الرخيصة وبعض البضائع المهربة.
ولمعالجة هذه التحديات، يدعو إلى تقديم دعم هيكلي وخدمي للقطاع الصناعي، من خلال تأمين حوامل الطاقة بأسعار تفضيلية للمصانع، بدلاً من الاقتصار على الدعم المالي والتشريعي.
كما يقترح اعتماد دعم المخرجات بدلاً من دعم المدخلات، بهدف تحفيز الإنتاج المخصص للتصدير، إلى جانب تفعيل أنظمة رقابة الجودة والمواصفات والمقاييس، بما يمكّن المنتجات السورية من المنافسة في الأسواق الأوروبية والخليجية.
ويشدد أيضاً على أهمية تنشيط المناطق الحرة وتوسيعها، والعمل على إنشاء مناطق حرة افتراضية، ضمن جهود تستهدف تسهيل التجارة وتعزيز تنافسية المنتجات السورية.
منظومة مصرفية تعاني من العزلة
يعتبر عياش أن عقبات التحويلات المالية من أكبر التحديات التي تواجه التجارة الخارجية، مشيراً إلى أن المنظومة المصرفية السورية لا تزال تعاني من العزلة وصعوبة الاندماج في نظام «سويفت» الدولي، فضلاً عن نقص قنوات المراسلة المباشرة مع البنوك العالمية الكبرى.
ويرى أن معالجة هذه الصعوبات تتطلب تسريع إعادة تأهيل القطاع المصرفي، وهو ما ركزت عليه توصيات صندوق النقد الدولي للحكومة السورية، وفق حديثه.
ويضيف أن تطوير أطر مكافحة غسل الأموال من شأنه المساعدة في تبديد مخاوف المصارف الدولية وتسهيل فتح حسابات المراسلة.
كما يدعو إلى الاستفادة من الاتفاقيات الثنائية، من خلال تفعيل المقاصات المالية المباشرة بالعملات المحلية مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، مثل تركيا والسعودية والعراق، بهدف تجاوز بعض العقبات المرتبطة باستخدام الدولار واليورو في تسوية المعاملات التجارية.
تحسن مشجع.. لكن الطريق لا يزال طويلاً
يمثل ارتفاع الصادرات السورية مؤشراً مشجعاً، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تعافي الاقتصاد أو قدرته على تقليص الفجوة التجارية.
فالمعيار الحقيقي يتمثل في نمو الإنتاج المحلي، وتنويع الصادرات، وارتفاع قيمتها المضافة، إلى جانب توفير قوانين واضحة ومستقرة تشجع الاستثمار الصناعي، وتطوير البنية التحتية وقطاع الطاقة، وتعزيز قدرة المنظومة المصرفية على خدمة التجارة والاستثمار.
وبين فرص التوسع في الأسواق الخارجية والعقبات التي لا تزال تواجه المنتجين، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل التحسن في حركة الصادرات إلى نمو إنتاجي مستدام، يرفع قدرة الاقتصاد السوري على تلبية احتياجات السوق المحلية، ويعزز تنافسية منتجاته في الأسواق الإقليمية والدولية.


