سوريا - اقتصاد
من المخابئ إلى المحافظ الرقمية.. اختبار قاسٍ للسيولة النقدية في سوريا
ر
رهام علي
نشر في: ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٠:٠٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ينظر الكثيرون إلى الأزمات المالية على أنها نهايات حتمية، غير أن الاقتصاد غالباً ما يكون مخاضاً إجبارياً لإعادة هندسة الأدوات النقدية. طالما عانى السوق السوري طويلاً من شلل حركة الأموال النقدية الثقيلة، حيث جُمدت ملايين الليرات خارج القطاع المصرفي نتيجة تراجع الثقة والاعتماد المطلق على السيولة الورقية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة القرار رقم 1124 الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية والذي يعتمده ويديره مصرف سوريا المركزي باعتباره مجرد مرسوم تنظيمي عابر، بل هو بمثابة محاولة جراحية لإنعاش الدورة المالية، وتجفيف منابع الاكتناز العشوائي، تمهيداً لبناء منظومة دفع وطنية حديثة.
بين طموح الابتكار وواقع التحديات
وما إن أُعلن عن القرار حتى تفاعل خبراء ومهتمون بالشأن الاقتصادي عبر منصات التواصل الاجتماعي، لترسم تعليقاتهم صورة واقعية لحجم التحديات والفرص المرتقبة. فقد لفت الانتباه التركيز على استحداث "المختبر التنظيمي" بوصفه آلية عالمية تتبعها البنوك المركزية الكبرى، تتيح للشركات الناشئة اختبار حلولها المالية في بيئة محدودة النطاق تحت إشراف المركزي مباشرة قبل تعميمها، مما يقلل المخاطر ويمنح الابتكار غطاءً آمناً.
وفي المقابل، ذهبت تحليلات أخرى إلى مقاربة أكثر حذراً، مشيرة إلى أن التحول الرقمي يتطلب بنية مصرفية وقانونية متطورة، بينما تعاني السوق المحلية من بنية تشريعية ومصرفية تقليدية وضعف في البنية التحتية وغياب نظام مقاصة وتسوية فعال بين المصارف. واعتبرت هذه الأصوات أن تجفيف السيولة النقدية دون توفير السيولة الدولارية والملاءة الكافية لتلبية احتياجات السوق لن يحل الأزمة من جذورها، ليبقى السؤال الأبرز حول مدى قدرة هذه المنظومة على إيجاد حلول جذرية بمعزل عن إصلاح الخلل المصرفي الهيكلي. وعلى صعيد متصل، وُجهت قراءات نقدية نحو الجانب المؤسسي لتعتبر أن القرار يمثل خطوة تقنينية لشركات كانت تعمل في السوق مسبقاً، مثل "شام كاش"، لإدراجها رسمياً ضمن منظومة كانت حصراً على المؤسسات المصرفية التقليدية.
ترويض الكتلة النقدية الضخمة
شكّل الاكتناز النقدي في المنازل والأسواق رد فعل طبيعي على أزمة السيولة وتآكل الثقة بالمصارف التقليدية. وهنا يشير الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال إسعيد لـ "العين السورية" إلى أن "نظام الدفع الإلكتروني يمثل أداة مالية رئيسية لجذب هذه الكتلة الضخمة، شريطة توفير منصات رقمية آمنة تحفز الأفراد والشركات على إعادة إيداع أموالهم في المصارف واستخدامها في المعاملات اليومية، مما يعزز السيولة المصرفية ويدعم الاقتصاد الوطني".
من جهته، يضع الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب في حديثه مع "العين السورية" الأمور في نصابها التاريخي والنقدي، موضحاً أن "جذور هذا التوجه تعود أصلاً إلى مرحلة ما قبل التفكير بطباعة أوراق نقدية بفئة 10 آلاف ليرة في عهد النظام السابق، إذ أصبح الانتقال إلى رقمنة المدفوعات ضرورة ملحة للتخفيف من الكلفة الباهظة لطبع العملة وتكبيل التضخم المتسارع فضلاً عن ضبط مسار السيولة النقدية أسوة بالعديد من الدول التي تمنع تداول الكاش وتحصر المدفوعات بالبطاقات". ولا يتوقف ديب عند هذا الحد، بل يطرح تساؤلات نقدية عميقة حول آلية عمل تطبيق "شام كاش" طوال العامين الماضيين قبل ترخيصه أصولاً وفق القرار الجديد، متسائلاً عن كيفية تدفق مليارات الليرات وملايين الدولارات عبره خلال تلك الفترة وما هو مصير السنوات السابقة، مؤكداً أن قنوات التحويل الجديدة قادرة على استقطاب الكتلة المكتنزة شريطة ترسيخ مظلة ثقة قوية واستعادة هيبة القطاع المصرفي الذي عانى طويلاً من ضعف الحوكمة والقيود القاسية على السحب
تكثيف باتجاه الاقتصاد الرقمي
لم تعد تجارب التحول الرقمي ترفاً فكرياً، بل أصبحت مسارات إجبارية سلكتها دول الإقليم مثل مصر والسعودية، إذ تراجعت تداولات النقد الورقي لصالح البطاقات والمحافظ الرقمية. وإذا كانت سوريا متأخرة زمنياً في هذا المضمار، فإن الخبراء يرون في هذا التأخير فرصة تقنية تتيح "قفز المراحل" واعتماد أحدث البنى التحتية مباشرة، كواجهات البرمجة المفتوحة وأنظمة التسوية الفورية، عوضاً عن تكرار تعثرات البدايات الكلاسيكية.
إلا أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بمدى صلابة البنية التحتية الخلفية واستقلالية الأنظمة المحلية. وهنا يضيء إسعيد على ضرورة استخلاص العبر من التجارب العالمية التي شهدت نمواً هائلاً في قيمة المعاملات عبر المحافظ الرقمية عالمياً من 1.6 تريليون دولار عام 2014 إلى 15.7 تريليون دولار عام 2024"، مؤكداً أن "العبرة لا تكمن في إطلاق التطبيقات فحسب، بل في جاهزية شبكات الإنترنت واستقرار التيار الكهربائي، يضاف إلى ذلك القدرة على جذب الشركات الصغيرة و المتوسطة للالتزام بتطبيق نظام المدفوعات الرقمية إذ أن تكاليف التنفيذ المرتفعة و رسوم المعاملات على البطاقات والمحافظ الرقمية بالإضافة إلى المخاطر التقنية كالأعطال والانقطاعات تلعب دوراً هاماً في تفضيلات العملاء، إلى جانب وجود أنظمة بديلة تحمي المنظومة ضد أي هجمات سيبرانية أو أعطال مفاجئة".
ويذهب عامر ديب أبعد من ذلك في تفصيل متطلبات الاستقلالية، مشدداً على أن "بناء الثقة بالقطاع المصرفي هو التحدي الأهم لضعفها التاريخي، مع ضرورة أن تمتلك الشركات تاريخاً عريقاً في الدفع الإلكتروني". ويحذر ديب من الوقوع في فخ التبعية، داعياً إلى تصميم نظام دفع إلكتروني وطني خاص بسوريا على غرار التجربة الإماراتية، بحيث يحقق استقلالية تامة عن الأنظمة الخارجية، ويعزز دوران رأس المال في السوق الداخلية، مانعاً أي وصاية خارجية على العملية النقدية إلا في حدود التعاون التقني المشترك المحض.
على محك التتبع
يشكل الاقتصاد غير الرسمي (الموازي) حجماً واسعاً من التداولات التجارية في سوريا، وغالباً ما يشكل بؤرة للتهرب الضريبي عبر إتمام المعاملات بلا فواتير أو بالاعتماد على دفاتر حسابات مزدوجة. وهنا يوضح طلال إسعيد أن "الإلزام بأنظمة المدفوعات الإلكترونية سيفرض توثيقاً فورياً للمعاملات عبر بيانات دقيقة وقابلة للتتبع، يستحيل تعديل أو إلغاء الفواتير بعد إصدارها رقمياً، إضافة إلى وجود نظام تتبع للتحويلات من المحافظ الالكترونية إلى الحسابات البنكية، مما يحد من المنازعات الضريبية المرتبطة بالتقدير الجزافي". ومع ذلك، يحذر إسعيد من سيناريو عكسي قد يدفع بعض الأنشطة لمزيد من التهرب إذا غابت الرعاية التنظيمية الشفافة، مثل لجوء بعض المحال لرفض وسائل الدفع الإلكتروني، أو الاعتماد على حسابات وهمية، أو غياب التكامل التقني بين بوابات الدفع وقواعد بيانات الإدارة الضريبية.
من جانبه، يوسع عامر ديب هذه الزاوية ليشير إلى أن قطاع ترخيص الدفع الإلكتروني يمثل بحد ذاته قطاعاً استثمارياً جديداً وواعداً يشجع المستثمرين على دخوله عبر العمولات المتاحة على عمليات التحويل والنقد. ويؤكد ديب أن "تحفيز البيئة التجارية على التعامل بهذه الوسائل سيساهم مستقبلاً وبشكل مباشر في ضبط الأسعار، خفض معدلات التضخم، وضبط سعر الصرف، شريطة أن تتكامل هذه الآليات مع قدرة حقيقية لقنوات الدفع على جذب الكتلة النقدية المكتنزة خارج المصارف".
بين الأطر التشريعية والواقع
يضع القرار 1124 قواعد أساسية ومختبراً تنظيمياً واعداً لشركات التكنولوجيا المالية (Fintech)، غير أن التحدي الأكبر يكمن في جسر الفجوة بين الطموحات النظرية والعقبات البنيوية والدولية. ويلفت إسعيد الانتباه إلى أن "عدم إمكانية الربط المباشر مع بوابات الدفع العالمية تعتبر المشكلة الأكثر تعقيداً بالنسبة للمتاجر السورية التي تسعى إلى بيع منتجاتها في الخارج، ويعود ذلك بالدرجة الأولى لاستمرار إدراج سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب"، معتبراً أن "تحركات وزارة المالية الأخيرة لتشكيل لجنة خاصة لمكافحة غسل الأموال تمثل خطوة محورية لتهيئة البيئة أمام المعايير الدولية".
ويشير إسعيد أيضاً إلى أن القيود المفروضة على السقوف المالية اليومية والشهرية للمحافظ الإلكترونية (كتجربة شام كاش) تشكل عقبة أمام إتمام المعاملات الكبيرة، فضلاً عن العوائق اليومية المتمثلة في انقطاع الكهرباء والإنترنت وضعف البنية التحتية.
البداية الإجبارية
لا يمكن للقرار 1124 أن يحل أزمة السيولة بين ليلة وضحاها، كما أنه لن يلغي التعامل بالعملة الورقية فوراً. بيد أنه، على الصعيد الاستراتيجي، يرسم القاعدة الصلبة والهيكل التشريعي الذي ينقل الاقتصاد السوري من عشوائية التداول الورقي إلى الانضباط الرقمي المنظم. ويبقى الرهان الحقيقي معقوداً على جودة التطبيق العملي، توفير البنية التحتية، وخلق سوق تنافسية تحوّل هذا القرار من مجرد نص إلى نافذة خلاص حقيقية تدفع بالأموال من مخابئها إلى فضاء الشاشات الآمن.


