سوريا - اقتصاد
إلغاء إلزامية الأوزان .. مرونة تجارية أم فوضى في الأسواق؟
ر
رهام علي
نشر في: ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٦:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أصدر وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، قراراً يقضي بتعديل أحكام الأوزان والأحجام المعتمدة للمنتجات، لتصبح استرشادية وغير إلزامية، متضمنةً إطلاق البضائع المحجوزة ومهلة ستة أشهر لتصويب الأوضاع.
القرار فجّر نقاشاً واسعاً في الشارع الاقتصادي، وفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول انعكاسات حرية التعبئة والتغليف على القوة الشرائية للمواطن من جهة، وأعباء الاستيراد وتكاليف الشحن على التجار والصناعيين من جهة أخرى.
دوافع شرائية
في حديثه مع "العين السورية" يؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك بدمشق والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة أن "القرار يعد إيجابياً للغاية، موضحاً أن توحيد الأوزان سابقاً لم يكن يتماشى مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن التغيرات الديموغرافية الناتجة عن سفر الأبناء، مما خلق شريحة واسعة من العائلات صغيرة العدد التي باتت بحاجة إلى عبوات أصغر حجماً وأقل تكلفة".
ويشير حبزة إلى أن صفة "الاسترشادية" تعني طرح عبوات بوزان محددة تناسب كل منتج على حدة (سائل أو صلب)، بعيداً عن القوالب الإلزامية السابقة التي أدت إلى تراكم المخالفات وحجز كميات كبيرة من السلع. ويرى أن هذا التوجه يتيح طرح عبوات منخفضة الوزن ومطابقة للواقع المادي للمستهلك، بشرط تفعيل الرقابة التموينية المشددة لمتابعة مطابقة الوزن الفعلي لما هو مدون على بطاقة البيان.
معالجة البضائع المحجوزة
وفيما يتعلق بالبضائع التي حُجزت سابقاً بسبب اختلاف الأوزان، يبين حبزة أن "الوزارة ستتجه نحو الإفراج عنها بلا ضبوط، الأمر الذي يمنح التجار أريحية ملحوظة ويسهم في رفد الأسواق بمواد جديدة كانت معطلة. كما يمنح القرار مهلة ستة أشهر لمحال المفرق لتصويب مخزونها القديم".
ويضيف حبزة أن "الطابع الاسترشادي يضع حداً لممارسات سابقة كانت توهم المستهلك بضخامة الكمية"، مستشهداً بوجود تجويفات خفية في عبوات بعض الحلويات أو الاعتماد المبالغ فيه على العبوات الورقية الكرتونية التي يدفع المستهلك ثمنها على حساب السلعة نفسها. كما يعتبر حبزة أن "القرار الجديد يحرر السوق ويرضي جميع الأطراف". مؤكداً على أن بطاقة البيان هي الهوية القانونية الأساسية للمنتج، وأن أي تلاعب بين الوزن المدون والمحتوى الفعلي يعامل معاملة الغش والتدليس الذي يعاقب عليه القضاء.
الأوزان الموحدة قيدت المرونة
من جهته، يقدم نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق محمد حلاق قراءة مغايرة تعكس تحديات القطاع التجاري، موضحاً لـ "العين السورية" أن "الأسواق كانت تعتمد تاريخياً على أوزان عرفية تخضع لها الغالبية العظمى من السلع الغذائية (بنسبة تتراوح بين 90 إلى 95 بالمئة)، بحيث يلتزم البائع بإظهار الرقم الحقيقي للوزن بغض النظر عن تفاوت الحجم." ويوضح حلاق أسباب اختلاف أحجام العبوات بأن طبيعة المادة ونوعها تحتمان أحياناً تغيير أشكال التعبئة؛ فالشاي الخشن مثلاً يتطلب حجماً مغايراً للشاي الناعم لتفادي تعدد العبوات غير المجدية، باستثناء السلع الأساسية كالسكر والأرز. ويرى أن "المستهلك اليوم واعي بما فيه الكفاية للتمييز بين الأوزان"، معتبراً أن "فرض الأوزان الموحدة سابقاً جاء برؤى غير واضحة تسببت بمعارضة شديدة من الفعاليات التجارية لعدم قابليتها للتطبيق العملي".
أعباء النقل والاستيراد
ويكشف حلاق عن أن "القرارات السابقة خلّفت إرباكاً شديداً أدى ببعض المستوردين إلى إتلاف عبوات جاهزة تم استيرادها وفق المواصفات المعمول بها في بلدان المنشأ، مما رتب أعباء مالية إضافية انعكست سلباً على الأسعار". ويشير إلى نقطة بالغة الأهمية يغفل عنها المعنيون بالشأن الحكومي بحسب تعبيره، وهي أن الشحن البحري يعتمد على تعبئة حاويات النقل بشكل كامل دون أي فراغات لرفع كفاءة التكلفة، لاسيما بعد قفزة أسعار الشحن العالمية من 1800 دولار سابقاً إلى نحو 6000 أو 8000 دولار حالياً. وبالتالي، فإن أي تعديل إجباري على حجم العبوات يترك فراغات داخل الحاوية ترفع كلفة النقل بنسب تتراوح بين 2 إلى 15 بالمئة، وهو عبء يتحمله المستهلك نهائياً.
استقرار التشريعات والرقابة
يختتم حلاق طروحاته بالتحذير من خطورة عدم استقرار التشريعات الاقتصادية وتعدد القرارات التي تحيل القارئ والتاجر إلى نصوص سابقة لمعرفة ما تم إلغاؤه، مشدداً على "ضرورة أن تصدر القرارات بصيغ واضحة ونهائية تضمن التنافسية وتحدد بوضوح توجهات الحكومة وقدرة القطاع التجاري على تلبيتها دون إرباك".
وفيما يخص دور غرف التجارة، يوضح حلاق أن "الغرف تمثل المظلة الراعية لمصالح التجار والمستهلكين لتحقيق العدالة والوفورات"، مؤكداً أن فاعلية هذه الغرف ترتبط بكفاءة إداراتها وطاقاتها على إيصال الرؤى الاقتصادية الصحيحة بعيداً عن المصالح الشخصية، لضمان استقرار الأسواق وحماية المصلحة العامة.


