وكالة الأنباء السورية «سانا»، أعلنت اليوم الخميس 15 تشرين الأول 2026، إلقاء القبض على كيالي أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، من دون الكشف عن موقع العملية أو الوجهة التي كان يحاول الوصول إليها. وبذلك، أصبح الرجل الذي ارتبط اسمه بلقب «جزار بانياس» محتجزاً، في خطوة تتيح التحقيق معه ومواجهته بالأدلة المتعلقة بالجرائم المنسوبة إليه.
التكبيرات والحلوى.. للفرح مكان في بانياس
مع انتشار الخبر، صدحت مساجد بانياس والقرى التابعة لها بالتكبيرات والحمد، فيما أظهرت مقاطع فيديو متداولة، اطلعت عليها «العين السورية»، توزيع الحلوى احتفالاً بالقبض عليه.
لهذه الفرحة جذور في وجع المدينة. ففي البيضا ورأس النبع، تعني المحاسبة أسماء أفراد من العائلة، وصور أطفال، وبيوتاً غاب عنها أصحابها. لذلك حمل خبر الاعتقال أملاً يتجاوز نجاح العملية الأمنية إلى إمكان كشف الحقيقة وإنصاف من قُتلوا. أهالٍ في مدينة بانياس بمحافظة طرطوس يوزّعون الحلوى في الشوارع، تعبيراً عن فرحتهم إثر تداول أنباء عن إلقاء القبض على معراج أورال، المعروف باسم «علي كيالي».لا تمحو الحلوى مرارة الفقد، لكنها تمنح لحظة الفرح حقها. ومن حق مدينة حملت هذا الجرح طويلاً أن تستقبل بالأمل وصول أحد أبرز المتهمين إلى قبضة السلطات، وأن تنتظر انتقاله إلى القضاء، حيث تُسمع الشهادات وتُحدد المسؤوليات.
وبلغ مجموع الضحايا الذين وثقتهم الشبكة في المنطقتين 459 مدنياً، بينهم 92 طفلاً و71 امرأة، إضافة إلى إشارتها، وقت صدور التقرير، إلى عشرات المفقودين والمعتقلين وصعوبات الوصول والتوثيق.
اثنان وتسعون طفلاً؛ لكل واحد منهم اسم وعمر وحياة كان يفترض أن تمتد. وواحد وسبعون من النساء، إلى جانب مئات الرجال، ترك مقتلهم فراغاً في عائلاتهم لا تستطيع السنوات ملأه. تمنح هذه الأرقام معنى لحجم الجريمة، لكنها تبقى عاجزة عن اختصار خسارة أسرة واحدة.
وهذه حصيلة ضحايا المجزرتين وفق توثيق الشبكة؛ أما تحديد المسؤولية الفردية لكيالي وغيره عن كل واقعة، فيحتاج إلى تحقيق قضائي يفحص الأدلة والأدوار وسلسلة الأوامر.
من هو "معراج" الذي انتظرت بانياس توقيفه؟
وُلد معراج أورال في أنطاكيا عام 1956، وحصل على الجنسية السورية خلال حكم حافظ الأسد، وعُرف باسم "علي كيالي". ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز قائداً لتنظيم مسلح موالٍ للنظام البائد، حمل اسم «المقاومة السورية ـ الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون»، وشارك في القتال إلى جانب قواته في مناطق عدة، بينها ريف اللاذقية وحلب وإدلب. وتنبع أهمية توقيفه من موقعه القيادي وحجم الجرائم المنسوبة إليه. فالتحقيق معه يتيح تقصّي صلته بالمجموعات المشاركة، وحدود سلطته عليها، ودوره المحتمل في إصدار الأوامر أو التحريض أو التنفيذ، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات بالأدلة.
«التطهير».. خطاب يضع السكان تحت التهديد
وفي تسجيلات مصورة منشورة على «يوتيوب»، اطلعت عليها «العين السورية»، دعا أورال إلى تطويق بانياس وبدء عمليات «التطهير» فيها، في سياق حديثه عن المدينة التي شهدت مظاهرات ضد نظام الأسد.
يحمل استخدام هذه المفردة بحق مدينة وسكانها دلالة إقصائية وتحريضية خطيرة؛ إذ يصوّر استهدافهم باعتباره مهمة ينبغي إنجازها. وتزداد وطأة هذا الخطاب عند قراءته إلى جانب ما شهدته البيضا ورأس النبع من قتل للمدنيين، والاتهامات الموجهة إلى مجموعات تابعة له بالمشاركة في المجزرتين.
وبين دعوات «التطهير» ومقتل مئات المدنيين، بينهم أطفال ونساء، تقف أسئلة تتطلب إجابات: من حرّض؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن نفّذ القتل داخل البيوت والشوارع؟
اليوم، يتيح القبض على أورال مواجهته بهذه التسجيلات، وفحص توقيتها وسياقها وصلتها بالجرائم المنسوبة إليه وإلى مجموعاته؛ خطوة نحو كشف المسؤولية عن دماء بقيت عائلات أصحابها سنوات تنتظر الإنصاف.
أيار 2013.. القتل بعد انتهاء المواجهات
في الثاني من أيار 2013، دخلت قوات النظام السابق وتشكيلات موالية له بلدة البيضا، عقب مواجهات مع مقاتلين محليين من المعارضة. وخلص تقرير «هيومن رايتس ووتش»، الصادر في أيلول من العام نفسه، إلى أن معظم عمليات قتل الضحايا الذين وثقتهم المنظمة وقعت بعد انتهاء المواجهات وانسحاب المقاتلين، وطالت مدنيين لم يشكلوا تهديداً للقوات المهاجمة. وفي اليوم التالي، اقتُحم حي رأس النبع في بانياس، حيث وثقت المنظمة إعدامات وإحراق منازل، مع امتداد بعض وقائع القتل إلى الساعات الأولى من الرابع من أيار. واستند التحقيق إلى مقابلات مع عشرين شخصاً من المنطقتين، ومراجعة مواد مصورة ومعلومات جُمعت بالتعاون مع ناجين وناشطين.
وجمعت المنظمة قوائم بأسماء 248 قتيلاً على الأقل، منهم 167 في البيضا و81 في بانياس. وتمثل هذه حصيلة الحالات التي تمكنت من توثيقها ضمن تقريرها، ولا تحصر العدد الإجمالي للضحايا؛ إذ تختلف عن حصيلة الشبكة السورية باختلاف نطاق التوثيق ومنهجيته.
توقيف علي "علي كيالي" ونائبه.. فرصة لتوسيع التحقيق
سبق القبض على كيالي توقيف نائبه في ميليشيا «المقاومة السورية»، جمال طرابلسي، في الرابع من تشرين الأول الجاري. وبحسب قوى الأمن الداخلي، يُتهم طرابلسي بالمشاركة إلى جانب قوات النظام البائد في عمليات شملت مجزرة البيضا وبانياس، ومعارك في أرياف حماة وإدلب وحلب.
ويضع توقيف الأخيرين، أمام المحققين فرصة لفحص بنية الميليشيا وتسلسل قيادتها وعلاقاتها بالتشكيلات التي عملت إلى جانبها. وتكمن قيمة هذه الخطوة في إمكان الوصول إلى إجابات عن أسئلة بقيت مفتوحة، تشمل اتخاذ القرارات ونقل الأوامر وتنفيذها، وما يمكن كشفه بشأن مصائر المفقودين.
ويمنح الوصول إلى شخصية بهذا الموقع جهود المحاسبة نتيجة ملموسة، ويعزز الأمل بقدرة مؤسسات الدولة على ملاحقة المتهمين بالانتهاكات، تمهيداً لإحالتهم إلى قضاء يحفظ حقوق الضحايا ويضمن محاكمة عادلة.
فرحة بالاعتقال.. وانتظار للإنصاف
يستحق القبض على كيالي أن يُستقبل بوصفه خطوة مهمة نحو العدالة. فاحتجاز أحد أبرز المتهمين يفتح إمكان التحقيق معه، ويمنح الناجين فرصة لرؤية شهاداتهم جزءاً من مسار قضائي، بعد سنوات بقيت خلالها الجرائم بلا محاسبة تنصفهم.
ويحتاج استكمال هذا الإنجاز إلى حفظ الأدلة والتحقق منها، وحماية الشهود، والتحقيق في مصائر المفقودين، وإعلان ما تسمح الإجراءات بكشفه للعائلات والرأي العام. كما يقتضي حصر المسؤولية في كل من تثبت صلته بالجريمة، وضمان حقوق الدفاع، حتى تستند الأحكام إلى وقائع راسخة.
في بانياس، وُزعت الحلوى وارتفعت التكبيرات، وبقيت أسماء الضحايا حاضرة في معنى الفرح. لن يعيد الاعتقال من رحلوا، لكنه قرّب اليوم الذي يمكن أن تُروى فيه حكاياتهم أمام القضاء، ويُسأل المتهمون عن دمائهم، بعد ثلاثة عشر عاماً، على المجزرة.