سوريا - صحة
مرض " متمرّد" يقترب من دائرة السيطرة.. إن عُرف السبب بطل العجب
ا
العين السورية
نشر في: ٨ يوليو ٢٠٢٦، ١٤:٠٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بات التصلب اللويحي المتعدد (Multiple Sclerosis) من أكثر الأمراض العصبية المزمنة شيوعاً بين الشباب، وهو مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه جهاز المناعة غمد الميالين الذي يغلف الألياف العصبية في الدماغ والنخاع الشوكي، مما يؤدي إلى اضطراب انتقال الإشارات العصبية وظهور أعراض تختلف في شدتها من مريض إلى آخر.
أسباب غير مؤكدة
و رغم أن السبب الدقيق للمرض لا يزال غير معروف، فإن الأبحاث تشير إلى تداخل عوامل وراثية وبيئية ومناعية بالإضافة إلى العادات السيئة في حدوثه.
مثل نقص فيتامين " د" وقلة التعرض لأشعة الشمس والتدخين وبعض الالتهابات الفيروسية وعلى رأسها فيروس إبشتاين- بار، الذي بات أحد أبرز العوامل المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالمرض.
النساء أكثر عرضة للمرض
يصيب المرض غالباً الأشخاص بين سن العشرين والأربعين عاماً، وتكون النساء أكثر عرضة للإصابة مقارنة بالرجال، وتبدأ الأعراض عادة بشكل متقطع، مثل ضعف أو خدر الأطراف والوجه وتشوش أو فقدان الرؤية في إحدى العينين، والإرهاق المزمن واضطراب التوازن والمشي وصعوبة التركيز.
ولأن هذه الأعراض قد تختفي ثم تعود مجدداً، يتأخر التشخيص لدى الكثير من المرضى.
تطور التشخيص
شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في وسائل التشخيص حيث أصبح التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، الوسيلة الأهم لاكتشاف البؤر واللويحات العصبية، إلى جانب الفحص السريري وتحليل السائل الدماغي الشوكي عند الحاجة.
كما ساهم التشخيص المبكر في بدء العلاج قبل حدوث تلف عصبي دائم وهو ما ينعكس بشكل واضح على جودة حياة المرضى.
العلاج
لا يوجد حتى الآن علاج نوعي محدد لهذا المرض، لكن المرحلة الحالية شهدت تطورات غير مسبوقة في العلاج، حيث تتوفر اليوم أدوية معدلة لمسار المرض تقلل عدد الانتكاسات وتبطئ تطور الإعاقة، عن طريق التأثير على الجهاز المناعي للجسم، إضافة إلى العلاج الفيزيائي والدعم النفسي والتأهيل الحركي والتي أصبحت جميعها جزءاً أساسيا من الخطة العلاجية.
علاجات متقدمة
برز في السنوات الأخيرة اتجاهان علميان لافتان للعلاج..
الأول يعتمد على زراعة الخلايا الجذعية الدموية الذاتية، والثاني يدرس التأثيرات المضادة للالتهاب لأدوية إنقاص الوزن من فئة نواهض مستقبلات GLP-1، وهي أدوية أحدثت ثورة في علاج السمنة والسكري داخل الولايات المتحدة.
خيار الخلايا الجزعية
تعتمد زراعة خلايا الجذعية الدموية الذاتية على جمع الخلايا الجذعية من المريض نفسه، ثم إعطاء علاج كيميائي عالي الجرعة للقضاء على الخلايا المناعية المسببة للمرض قبل إعادة زرع الخلايا الجذعية، لإعادة بناء جهاز مناعي جديد أقل ميلاً لمهاجمة الجهاز العصبي، وتختلف هذه التقنية عن حقن الخلايا الجذعية التجارية التي تروج لها بعض مراكز دون أدلة كافية.
وأصبحت هذه الطريقة خياراً علاجياً لبعض المرضى المصابين بالتصلب اللويحي الإنتكاسي شديد النشاط الذين لم يستجيبوا للعلاج التقليدي الدوائي.
وقد أظهرت عدة دراسات حديثة في 2025 بعد متابعة المرضى لمدة عامين بعد الزراعة، وإعادة تنظيم واسعة للجهاز المناعي مع انخفاض واضح في الخلايا الالتهابية المسؤولة عن نشاط المرض، مما يؤكد احتمال إبطاء التدهور العصبي وليس فقط تقليل الانتكاسات. كما بينت الدراسات أن زراعة الخلايا الجذعية حققت استقراراً أفضل في الإعاقة طويلة الأمد مقارنة ببعض العلاجات المناعية القوية.
استجابة نسبية
ومع ذلك يؤكد الباحثون أن هذا العلاج ليس مناسبا ً لجميع المرضى، إذ يرتبط بمخاطر ناتجة عن العلاج الكيميائي ويحتاج إلى مراكز متخصصة وخبرة كبيرة.
ويعد هذا النجاح الكبير لأدوية مثل سيماغلوتايد وتيرزيباتيد في الولايات المتحدة في علاج السمنة كشفت الدراسات الحديثة أن فوائدها تتجاوز خسارة الوزن حيث تمتلك تأثيرات مضادة للإلتهاب العصبي وتقلل نشاط الخلايا المناعية وتحسن وظيفة الميتوكوندريا وربما توفر حماية للخلايا العصبية من التلف.
تفاؤل
ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل، هو النتائج التي حملتها الدراسات الحديثة.
فقد أوضحت دراسة علمية نشرت عام 2024 في مجلة Nature Neuroscience Reviews، أن استمرار الالتهاب المزمن منخفض الدرجة داخل الجهاز العصبي، حتى في غياب الانتكاسات، قد يكون العامل الأساسي المسؤول عن تراكم الإعاقة مع مرور الوقت. الأمر الذي غير نظرة الباحثين إلى المرض ودفعهم للتركيز على علاجات تستهدف وقف هذا الالتهاب المزمن وليس فقط علاج النوبات الحادة.
كما أظهرت دراسات حديثة أن مثبطات انزيم (BTK) تمثل جيلاً جديداً من العلاجات، إذ تستهدف الخلايا المناعية الدقيقة داخل الدماغ، وقد تساهم في الحد من الالتهاب العصبي وربما إبطاء تطور المرض، وهو ما يجعلها من أكثر الاتجاهات البحثية الواعدة حالياً.
وفي عام 2024 حققت دراسة Hercules نتائج لافتة، بعد أن أظهر العقار التجريبي Tolebrutimib قدرة على تأخير تطور الإعاقة لدى مرضى التصلب اللويحي الثانوي المترقي غير الناكس بنسبة تقارب 31% مقارنة بالعلاج الوهمي، وهو إنجاز اعتبره الباحثون خطوة مهمة نحو علاجات تستهدف تطور أعراض مع استمرار تقييم سلامته وفعاليته على المدى البعيد.
تحت السيطرة
ورغم أن التصلب اللويحي لا يملك علاجاً شافياً حتى اليوم فإن التقدم العلمي المتسارع غيّر حياة آلاف المرضى وأصبح بالإمكان السيطرة على المرض بدرجة كبيرة عند التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج مما يسمح للكثيرين بمواصلة حياتهم العملية والاجتماعية بصورة طبيعية.
ومن وجهة نظري طبيب " المحرر الطبي للعين السورية"، لم يعد التصلب اللويحي المرض الغامض أو المرعب الذي كان ينظر إليه قبل سنوات بل أصبح مرضاً يمكن التعايش معه والسيطرة على مساره في كثير من الحالات إذا تم اكتشافه مبكراً.
وأرى ان المشكلة الحقيقة لا تكمن في المرض نفسه وإنما في تأخر التشخيص أو تجاهل الاعراض الأولى مثل اضطرابات الرؤية أو التنميل أو ضعف الأطراف كما أنني أؤمن بأن المرحلة المقبلة ستحمل تطورات علاجية أكثر أهمية خاصة مع الأبحاث المتسارعة في مجال إصلاح الميالين والعلاجات الموجهة للالتهاب العصبي المزمن.
لذلك فإن رسالتي لكل مريض هي آلا يفقد الأمل فالعلم يتقدم بوتيرة سريعة والالتزام بالعلاج والمتابعة الدورية ونمط الحياة الصحي والابتعاد عن العادات السيئة يمكن أن يحدث فرقا كبيراً في الحفاظ على جودة الحياة لسنوات طويلة.


