سوريا - صحة
توفير العلاج لم يمنع هواجس مرضى الناعور.. " نفخ في اللبن" بعد تجارب موجعة
ا
العين السورية - ليلى حسين
نشر في: ٢ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٢٨
3 دقيقة

في منازل مرضى الناعور لا تحتاج المأساة إلى حادث كبير كي تبدأ.. قد يكفي سقوط طفل أثناء اللعب أو ارتطام قدم بحافة باب أو جرح صغير قد لا يلتفت إليه أحد. هناك تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى لحظات من الترقب والقلق حيث تبدأ الأسئلة قبل أن يبدأ الألم: هل سيتوقف النزيف؟ وهل العلاج متوفر إذا احتجناه الآن؟
هواجس العلاج
بالنسبة لعائلات مرضى الناعور لا يرتبط الخوف بالألم فقط بل بما قد يأتي بعده. فالنزيف الذي قد يبدو عادياً عند الآخرين قد يتحول إلى حالة طبية طارئة، خصوصاً في ظل تجربة سابقة عاشها المرضى مع انقطاع العلاج وما خلفه من قلق ما يزال مستمراً حتى بعد عودة توفره.
والناعور ( أو الهيموفيليا) ليس مجرد مرض يؤدي إلى زيادة مدة النزيف كما يعتقد البعض بل هو اضطراب وراثي نادر يصيب آلية معقدة داخل الجسم مسؤولة عن تخثر الدم. وتعتمد عملية التخثر الطبيعية على سلسلة من عوامل التخثر التي تعمل بصورة مترابطة لإيقاف النزيف لكن نقص أحد هذه العوامل أو غيابه يؤدي إلى تعطل هذه العملية أو ضعفها بشكل كبير. وأكثر الأنواع شيوعاً ترتبط بنقص العامل الثامن أو العامل التاسع.
وينتقل المرض غالباً عبر الوراثة ويظهر بشكل أكبر لدى الذكور بينما قد تكون الإناث حاملات للجين المسبب للمرض دون ظهور أعراض واضحة عليهن.
وفي بعض الحالات قد يظهر المرض نتيجة تغيرات جينية جديدة حتى دون وجود تاريخ مرضي داخل العائلة.
خطورة
ولا تكمن خطورة المرض في النزيف الخارجي الظاهر فقط بل في النزيف الداخلي الذي قد يحدث دون مؤشرات واضحة. ففي الحالات الشديدة قد يتعرض المرضى لنزيف متكرر داخل المفاصل كالركبتين والكاحلين والمرفقين ما يؤدي مع الوقت إلى تلف الأنسجة والغضاريف ومشكلات حركية مزمنة كما يمكن أن تحدث مضاعفات أكثر خطورة في حال وقوع نزيف في الدماغ أو أعضاء داخلية أخرى.
مصعب الكفري والد الطفل مهاب الكفري المصاب بمرض الناعور يقول للعين السورية خلال الفترة الماضية مررنا بأيام كانت العائلة كلها تعيش حالة انتظار وقلق بسبب عدم توفر العلاج. صحيح أن الدواء متوفر حالياً وهذا خفف جزءاً من الضغط لكن الخوف ما زال موجوداً لأننا لا نعرف إن كانت المشكلة ستعود مجدداً أم لا.
ويضيف: حين يمر الأب بتجربة البحث عن علاج لابنه ولا يجده بسهولة يبقى الخوف معه حتى بعد عودة توفره.
بالنسبة لنا من الضروري أن يكون هناك مخزون احتياطي أكبر لهؤلاء المرضى لأن هذا ليس دواء عادياً يمكن إيجاده بسرعة إذا انقطع. أي تأخير في تأمينه قد يضع المرضى أمام مخاطر حقيقية.
ويتابع : أصعب شعور أن ترى ابنك يتألم بينما تفكر إن كانت الجرعة الموجودة لديك يجب استخدامها الآن أو الاحتفاظ بها لحالة أخطر. نحن لا نحسب الأيام مثل الآخرين ، نحن نحسبها بما تبقى لدينا من علاج.
وتزداد تعقيدات حياة المرضى بسبب طبيعة العلاج نفسه إذ تعتمد السيطرة على المرض على تعويض عوامل التخثر بصورة منتظمة وهي أدوية نادرة مرتفعة التكلفة ويصعب تأمينها بشكل فردي، خاصة لدى الأسر محدودة الدخل.
عناية خاصة
من جانبه قال الدكتور نايل الزعبي..رئيس دائرة الأمراض السارية وغير السارية في مديرية صحة درعا إن مرض الناعور لا ينعكس على الشكل الخارجي للمصابين ، موضحاً أن المرضى يبدون أشخاصاً طبيعيين من حيث المظهر العام إلا أنهم يحتاجون إلى عناية خاصة بسبب ارتفاع مخاطر النزيف عند التعرض للإصابات أو الجروح أو الكسور أو التدخلات الجراحية.
وأضاف الزعبي أن شدة المرض تختلف من شخص إلى آخر تبعاً لنسبة عوامل التخثر الموجودة في الجسم ، مبيناً أن بعض الحالات قد تقتصر على نزيف مطول بعد الإصابات أو العمليات الجراحية بينما تعاني حالات أخرى من نزيف متكرر قد يحدث أحياناً دون أسباب واضحة.
مسؤولية حكومية
وبين الزعبي، أن أدوية الناعور لا تتوفر عادة عبر الصيدليات وإنما تتولى الجهات الحكومية مسؤولية تأمينها مجاناً وعلى المدى الطويل باعتبارها من العلاجات التي تحتاج إلى متابعة مستمرة شأنها شأن أدوية أمراض مزمنة أخرى تتحمل الدولة مسؤولية توفيرها.
وأشار إلى أن مرضى الناعور يشكلون فئة محدودة العدد ، لافتاً إلى أن هذه الأدوية تعد من العلاجات النادرة والمعقدة من حيث التصنيع والتوريد الأمر الذي يتطلب ترتيبات خاصة لضمان استمرار توفرها.
وأوضح الزعبي أن الفترة التي أعقبت التحرير شهدت بعض الصعوبات على مستوى سوريا في تأمين عوامل التخثر ما تسبب بحالات تأخير وانقطاع مؤقت للدواء بما في ذلك بعض الحالات التي كانت تحتاج العلاج بصورة إسعافية أو قبل إجراء عمليات جراحية، مضيفاً أن الجهات الصحية تعمل حالياً على إعادة تنظيم قواعد البيانات وتقدير الاحتياجات بصورة أدق بما يساهم في استقرار عملية التأمين مستقبلاً.
اطمئنان على حذر
ورغم عودة توفر العلاج خلال الفترة الحالية إلا أن ذلك لم ينهِ حالة القلق لدى المرضى وعائلاتهم فالتجربة السابقة تركت أثراً لا يقاس بعدد الجرعات أو فترات الانقطاع وإنما بحجم الخوف الذي بقي حاضراً في تفاصيل حياتهم اليومية.
وبين نزيف قد يأتي دون موعد وعلاج يخشى المرضى فقدانه مرة أخرى،
تستمر حياة هؤلاء على هامش قلق يومي لا يراه كثيرون ... قلق يجعل من أبسط تفاصيل الحياة اختباراً مفتوحاً للخوف والانتظار.


