سوريا - اقتصاد
بانتظار المتممات وبيئة الإقلاع المتوازن.. صافرة البداية لنظام دفع الكتروني عصري في سوريا
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٠٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أعلن مصرف سوريا المركزي صدور القرار رقم 1124 عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، القاضي باعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني في البلاد. ويهدف القرار إلى بناء منظومة دفع وطنية حديثة تُوسّع خيارات المواطنين وقطاع الأعمال، وتسهّل حركة الأموال، دون إلغاء التعامل النقدي أو فرض وسيلة دفع محددة.
ويضع النظام الجديد إطاراً تنظيمياً واضحاً لترخيص مقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي أنظمة الدفع، كما يتيح مختبراً تنظيمياً لتجربة الحلول المبتكرة، ويرسخ متطلبات الأمن السيبراني وحماية المستخدمين. غير أن الخبراء يجمعون على أن قيمته الحقيقية لن تتضح إلا من خلال التطبيق العملي، في ظل تحديات البنية التحتية والثقة والعقوبات.
قرار تنظيمي
يؤكد خبراء أن القرار يمثل نقلة نوعية من الناحية النظرية والتنظيمية، لكنه يحتاج إلى وقت وبيئة مواتية ليترجم إلى واقع ملموس على الأرض.
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديثه "للعين السورية" أن القرار مفيد جداً من الناحية النظرية ويفتح الباب أمام عملية تطوير شاملة لمنظومة الدفع الإلكتروني. لكنه يحذر من أن الأثر العملي لن يظهر بسرعة، متوقعاً ألا يتحقق تغيير ملموس قبل عامين على الأقل. ويشير الزعبي إلى ضعف البنية التحتية الرقمية والاقتصاد الرقمي في سوريا مقارنة بدول المنطقة، وضعف انتشار المنظومة الإلكترونية للبنوك جغرافياً، خاصة في المناطق الشرقية والأرياف.
من جانبه، يصف خبير أنظمة المعلومات وائل شربا القرار بأنه ينقل الدفع الإلكتروني من مجموعة خدمات وترتيبات متفرقة إلى إطار قانوني وتنظيمي متكامل. ويوضح "للعين السورية" أن الجديد الحقيقي ليس اختراع الدفع الإلكتروني، بل تحويله إلى قطاع منظم وقابل للتوسع والاستثمار والمنافسة. ويشدد على أن الأثر النهائي سيعتمد على التعليمات التنفيذية وقابلية التشغيل البيني وتكلفة الخدمات وقوة البنية التحتية وثقة المستخدمين.
أما الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري فيرى أن القرار يؤدي إلى اندماج حقيقي في منظومة الدفع الإلكتروني ويغير الثقافة العامة من الدفع النقدي إلى التداول الإلكتروني.
فرص استثمارية
يفتح القرار الباب أمام دخول شركات تكنولوجيا مالية (FinTech) جديدة، سواء في مجال المحافظ الإلكترونية أو حلول نقاط البيع أو البنية التحتية الخلفية مثل أنظمة مكافحة الاحتيال وKYC والأمن السيبراني.
يتوقع الحاري دخول شركات كبرى عالمية متخصصة، مستنداً إلى تجارب مشابهة في السعودية ومصر، حيث يؤدي التنافس إلى تخفيض الرسوم والعمولات وانتشار أجهزة نقاط البيع (POS). ويؤكد أن نجاح هذا الانتشار يتطلب إنترنت مستقراً وكهرباء مستمرة ونظاماً محمياً ضد الاختراق. كما يرى أن انتشار أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع يمكن أن يحقق فائدة اقتصادية مباشرة للدولة، إذ يتيح حصر حجم المبيعات بدقة؛ فبمجرد إتمام عملية الدفع عبر البطاقة أو التطبيق تُسجَّل الحركة لدى المصرف المركزي متضمنة رقم الجهاز والتاريخ والمحل والمبلغ، ما يسهّل فرض الضرائب وتحصيلها تلقائياً ويرفع كفاءة النظام الضريبي.
في المقابل، يحذر الزعبي من أن الشركات ستبقى حذرة ما لم تحصل على ضمانات تتعلق برفع العقوبات المالية وإعادة ربط البنية التحتية الرقمية والمصرفية بالعالم المتقدم، خاصة أوروبا وأمريكا. ويوضح أن المستثمر يخشى الدخول إلى سوق لا يزال عليه بعض العقوبات حتى لو توفرت تسهيلات ضريبية.
أما شربا فيؤكد أن الفرص الأكبر لا تقتصر على التطبيقات والمحافظ التي يراها المواطن، بل تكمن في الأنظمة التقنية الخلفية غير الظاهرة له، مثل بوابات الدفع وواجهات البرمجة (APIs) وأنظمة التسوية والمقاصة. ويعتبر هذه الأنظمة الأساس الحقيقي الذي يضمن أمن المنظومة واستقرارها وقدرتها على التوسع مستقبلاً.
متى يشعر المواطن بالأثر؟
يقسم الخبراء الأثر المتوقع إلى مراحل. يرى شربا أن المرحلة الأولى (خلال أشهر) قد تشهد توسع نقاط البيع وزيادة قبول البطاقات والمحافظ. وفي المرحلة الثانية (1–3 سنوات) يمكن أن يصبح الدفع عبر الهاتف وQR أمراً اعتيادياً. أما الانخفاض الجوهري في الاعتماد على النقد فلا يحدث إلا عند اتساع الشبكة ووصول الدفع الإلكتروني إلى مستوى يفوق النقد من حيث السرعة والتكلفة والموثوقية.
ويؤكد الحاري أن المواطن سيشعر بالتغيير بمجرد فتح حساب بنكي والحصول على بطاقة، خاصة مع انتشار أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع. لكنه يشدد على صعوبة تغيير ثقافة حمل الكاش السائدة، داعياً إلى حملات توعية مكثفة.
أما الزعبي فيؤكد أن الاعتماد على النقد سيبقى ملحوظاً لفترة طويلة، مستشهداً باستمرار استخدامه بنسبة كبيرة حتى في أوروبا وأمريكا خارج المنصات الإلكترونية.
فوائد مشروطة بالتطبيق
يرى الخبراء أن نجاح تطبيق القرار يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية ملموسة لسورية، أبرزها رفع كفاءة حركة الأموال داخل الاقتصاد، والمساهمة في ضبط العرض النقدي وخفض التضخم تدريجياً، وبناء قاعدة بيانات أدق للمبيعات تُسهّل تحصيل الضرائب. كما يفتح الباب أمام استثمارات في خدمات الدفع والمحافظ الإلكترونية، ويقلل على المدى المتوسط من تكاليف التعامل بالنقد الورقي. غير أن هذه الفوائد تبقى مرهونة بتحسن البنية التحتية واستعادة ثقة المواطنين ورفع القيود المالية الدولية.
ثقة وبنية تحتية وعقوبات
تتفق الآراء على أن أبرز العقبات تشمل ضعف الثقة بالنظام المصرفي، وتدني البنية التحتية (الكهرباء والإنترنت ومراكز البيانات)، وارتفاع تكلفة الخدمات المحتملة، ومخاطر الأمن السيبراني والاحتيال، وضعف الثقافة المالية الرقمية.
يشير الزعبي إلى أزمة السيولة والقيود على السحب كعائق أمام استعادة الثقة، ويدعو إلى رفع بعض هذه القيود وتطوير شبكة الإنترنت، إلى جانب إطار تنظيمي صارم لحماية بيانات المستخدمين.
ويركز الحاري على ضرورة نشر أجهزة الصراف في جميع المحافظات وليس المدن الكبرى فقط، وتوفير حماية متكاملة عبر جدران نارية وأنظمة أمن لكل شركة مالية.
أما شربا فيعدد خمس عقبات رئيسية: الثقة، والبنية التحتية، وتكلفة الخدمات، والأمن السيبراني، والثقافة الرقمية، محذراً من أن أي خلل في أحدها قد يبقي النقد (الكاش) هو الخيار المفضل.
تمهيد مشروط برفع العقوبات
يتفق الخبراء على أن القرار يمهّد للتكامل مع منظومات الدفع الإقليمية والدولية لكنه لا يحققه بمفرده. ويربط الزعبي هذا الملف برفع العقوبات المالية بشكل شامل، ويوضح شربا أن التكامل يحتاج إلى مصارف مراسلة وأنظمة قوية لمكافحة غسل الأموال وفحص العقوبات وقبول المؤسسات الأجنبية بالمخاطر السورية.
توصيات الخبراء لضمان النجاح
ويدعو الخبراء إلى فتح السوق أمام منافسة حقيقية، وفرض قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة، وخفض تكلفة قبول المدفوعات خاصة للمشروعات الصغيرة، وبناء نظام حماية قوي للمستهلك، والاستثمار في مراكز البيانات والأمن السيبراني. كما يؤكد الزعبي أهمية إطلاق حملات توعية مشتركة بين الحكومة والمصارف، والتوسع في المحافظ الرقمية في المناطق النائية، إلى جانب وضع إطار تنظيمي صارم لحماية بيانات وأموال المستخدمين.
أساس واعد رهن التطبيق
يمثل قرار 1124 خطوة أساسية في تحديث البنية المالية السورية ووضع قواعد واضحة لسوق التكنولوجيا المالية. غير أن قيمته الحقيقية ستتحدد بمدى قدرته على خلق سوق تنافسية منخفضة التكلفة ومحمية تقنياً وموثوقة للمواطن والتاجر على حد سواء.
فكما يلخص شربا: القرار لا يزيل النقد غداً ولا يعيد سوريا تلقائياً إلى النظام المالي العالمي، لكنه يضع الأساس المؤسسي والتقني الذي يجعل كلا الأمرين أكثر قابلية للتحقق على المدى المتوسط والطويل. ويبقى التطبيق الجاد والمتكامل هو الفيصل بين فرصة تاريخية وفرصة ضائعة.


