سوريا - اقتصاد
أرقام مفاجئة لتعافي السياحة السورية .. تساؤلات حول المعيار و "ماهية السائح"
ن
نورا حربا
نشر في: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

خلافاً للتوقعات، يشهد سوق السياحة السورية نشاطاً ملحوظاً تؤكده أرقام الزائرين مؤخراً، والتي تُبيّن ارتفاعاً كبيراً مقارنةً بالسنوات السابقة، ليعود الحديث عن أهمية السياحة ودورها في تحقيق النمو للاقتصاد الوطني. فماذا عن التفاصيل؟
كسر حاجز التوقعات
يؤكد استشاري التطوير في وزارة السياحة، ساطع ياسين، لـ"العين السورية" أن نسبة القدوم إلى سوريا ارتفعت بنحو 111%، معتبراً أن هذا المؤشر من أهم المؤشرات التي تعتمد عليها الوزارة لقياس تعافي القطاع السياحي. ويوضح أن الوزارة تعمل على نقل القطاع من مرحلة التعافي إلى مرحلة الاستدامة، لافتاً إلى أن ارتفاع أعداد القادمين يعكس - من وجهة نظره - تحسناً في البنية التحتية والخدمات السياحية، وبدء تحرك الاستثمارات في القطاع.
استثمار
بلغت قيمة مذكرات التفاهم والعقود والاتفاقيات التي جرى توقيعها - والحديث للياسين - نحو 1.5 مليار دولار، معتبراً أن هذا الرقم يعكس بدء تحرك عجلة الاستثمار السياحي في البلاد، خاصة أن سوريا تمتلك مقومات سياحية جاذبة، إلى جانب سمعة مرتبطة بكرم الضيافة والاستضافة، وهو ما اعتبره من العوامل التي يمكن أن تساعد البلاد على المنافسة إقليمياً وإعادة تموضعها على خريطة السياحة الدولية.
عقبات
رغم جرعة التفاؤل التي يبثها الياسين، إلا أن هناك عقبات، كما تشير المغتربة أمل البكري، والتي تؤكد أن الفنادق جيدة لكنها مرتفعة الأسعار نسبياً، بينما تُعد أسعار المطاعم مقبولة، لتدعو إلى مزيد من الاهتمام بالنظافة والخدمات وتنظيم الباعة الجوالين في المواقع السياحية والأثرية. كما تشدد على ضرورة حماية المواقع التاريخية من الأضرار الناتجة عن كثافة الزوار، معتبرة أن كل خطوة داخل هذه المواقع قد تؤثر في آثارها، داعيةً وزارة السياحة إلى زيادة الاهتمام بها وتوفير الخدمات المناسبة للزوار.
أرقام بحاجة لتدقيق
بالعودة إلى الأرقام التي أعلنتها وزارة السياحة، يلفت الباحث والخبير في المجال السياحي، يونس الكريم، إلى أنها - رغم كونها مؤشراً على بدء تعافٍ تدريجي في قطاع السياحة السوري - تحتاج إلى قراءة أكثر تفصيلاً ودقة، إذ إن الإحصائية المعلنة خلطت بين السوريين العائدين من دول اللجوء - وهم بعشرات الآلاف - وبين السياح والزوار العرب والأجانب. ويشير الكريم في تصريحه لـ "العين السورية" إلى أن جمع مختلف الفئات ضمن رقم واحد قد يعطي انطباعاً أكبر من حجم النشاط السياحي الفعلي، ما يستدعي الفصل بين حركة العودة المرتبطة بالهجرة واللجوء، وبين التدفقات السياحية الحقيقية التي تُقاس بحجم الإنفاق السياحي، ومتوسط مدة الإقامة، وعدد الليالي الفندقية، ومدى مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
التباس وتوضيح
ويضيف الكريم أن هذا الخلط، الذي قد يشمل أيضاً السوريين حاملي جوازات السفر الأجنبية، يجعل من الصعب الوصول إلى تقدير دقيق لمعدل النمو الحقيقي في القطاع، خصوصاً مع عودة أعداد من اللاجئين بهدف الاستقرار الدائم، أو تفقد أملاكهم وعقاراتهم، أو زيارة سوريا لفترات مؤقتة، وهي زيارات لا يمكن تصنيفها بالضرورة ضمن السياحة بالمعنى الاقتصادي.
تحسن جزئي
وفي المقابل، يؤكد الكريم أن واقع السياحة السورية بعد التحرير ورفع العقوبات أصبح أفضل نسبياً مقارنةً بالسنوات السابقة، إلا أن هذا التحسن يبقى جزئياً وغير مستدام في ظل استمرار تحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية، ورداءة الطرق والمواصلات، والمخاوف الأمنية، إضافة إلى صعوبات إعادة الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي عبر "السويفت"، وارتفاع تكاليف الإقامة والخدمات السياحية، وهي عوامل تحد من قدرة القطاع على تحقيق قفزة نوعية وجذب أعداد أكبر من السياح.
إمكانات خام
رغم كل هذه المؤشرات والمعطيات، يرى الباحث في المجال السياحي، ملهم جزماتي، أنه لا يمكن القول إن مشكلة السياحة في اللاذقية وطرطوس هي غياب المقومات، بل على العكس، فالساحل السوري يملك عناصر متكاملة نسبياً: بحر، ريف جبلي، مناخ متنوع، مواقع تاريخية، وقرب جغرافي من أسواق داخلية وخارجية مهمة، لكن المشكلة أن هذه المقومات بقيت في معظمها عند مستوى الإمكانات الخام، ولم تتحول بعد إلى منتج سياحي متكامل قادر على جذب الزائر وإقناعه بتكرار التجربة.
جمود ولكن
من هنا، يرى جزماتي في حديثه مع "العين السورية" أن الانتقادات حول جمود القطاع السياحي في اللاذقية وطرطوس دقيقة إلى حد كبير، لكن ليس بمعنى غياب الحركة كلياً، بل بمعنى أن مستوى هذه الحركة ما يزال أقل بكثير من حجم الإمكانات المتاحة. ويضيف أن الجمود هنا لا يرتبط بعامل واحد، بل بتراكم ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية، وارتفاع موسمية النشاط، وتفاوت الأسعار قياساً بجودة الخدمة، إضافة إلى بقاء السياحة الساحلية محصورة أحياناً بمنطق الاصطياف التقليدي، لا بمنطق الاقتصاد السياحي المتكامل.
تحويل الخطاب إلى إدارة تنفيذية
ويلفت الباحث جزماتي إلى أن التعاطي الحكومي مع قطاع السياحة يشوبه ضعف في تحويل الخطاب السياحي الحكومي إلى إدارة تنفيذية يومية، مؤكداً أن النقاش السياحي يجب ألا يبقى محصوراً بجذب الاستثمارات الكبيرة فقط. فالفنادق والمنتجعات مهمة، وقد تكون ضرورية لرفع سوية القطاع، لكن الخطاب الحكومي ما زال يميل غالباً إلى التركيز على المشاريع الضخمة، في مقابل حضور أضعف لفكرة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ويرى أنه في بلد مثل سوريا، هذه المشاريع ليست تفصيلاً جانبياً، بل هي حجر الزاوية في أي نهضة محلية حقيقية، لأنها قادرة على خلق فرص عمل بسرعة، واستيعاب عدد واسع من العاملين، وتوزيع العائد السياحي داخل المجتمع المحلي.
خطط واقعية
ويؤكد جزماتي أن الخطة الحكومية لتنشيط هذا القطاع يجب أن تتسم بالواقعية، وتنطلق مما هو ممكن حالياً، لا من نماذج سياحية كبرى لا تشبه ظروف سوريا. وبالتالي، فإن الأولوية اليوم ليست بناء قطاع ينافس تركيا أو دول الجوار فوراً، بل تحسين الحد الأدنى من التجربة السياحية عبر نظافة أفضل في المواقع والشواطئ، وأسعار أوضح، وخدمات أساسية أكثر انتظاماً، وتأهيل تدريجي للمرافق الموجودة بدلاً من انتظار مشاريع ضخمة قد تحتاج سنوات.
مؤشرات ليست كافية
تشير الأرقام الرسمية إلى نمو قطاع السياحة في سوريا، مما يؤكد أن التطور الجذري الذي نشهده في هذا المجال لا يتوقف على الزيادة المطردة في عدد الزوار فقط، بل يُعتبر حجم الإيرادات الناتجة عن هذا القطاع مؤشراً مهماً يفيد في قياس التعافي. إلا أن السياحة لا تنهض بالإعلانات وحدها، فمعيار النجاح الحقيقي يتمثل في جودة التجربة السياحية، بدءاً بالطريق والنظافة، مروراً بالخدمة، وانتهاءً بالأسعار، وقدرة الزائر على الحصول على تجربة مقبولة ومستمرة.


