سوريا - تكنولوجيا
سوريا بين الذاكرة والخرائط.. مدن بلا عناوين وضياع بين الواقع والرقمنة
ا
العين السورية - محمد سليم الحصري
نشر في: ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٥٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

قد يبدو البحث عن منزل أو متجر في مدينة أمراً بسيطاً في أي مكان من العالم: اسم شارع، رقم بناء، حي، وربما رمز بريدي، ثم يكفي إدخال العنوان في تطبيق الخرائط للوصول إلى المكان.
لكن في سوريا، قد تتحول هذه المهمة البسيطة إلى رحلة من الأسئلة والتخمينات.
أين يقع المتجر؟
«بعد الفرن القديم، بجانب الصيدلية، مقابل المدرسة… وإذا وصلت إلى الساحة فأنت قريب».
هكذا تبدو عناوين كثيرة في الحياة اليومية، ليست أرقاماً وخرائط بقدر ما هي ذاكرة محلية يعرفها سكان المنطقة، ويصعب على من يأتي من خارجها فهمها.
مدينة يعرفها أهلها… ولا تعرفها الخرائط
المشكلة ليست دائماً في غياب الطرق أو المباني، بل في غياب نظام عنونة واضح ومتسق وقابل للقراءة رقمياً. فالاعتماد على عناوين قديمة تعود إلى ما قبل 15 سنة، منذ بداية الثورة السورية وحتى ما بعد التحرير وحتى الآن، جعل خدمة توثيق العنوان متوقفة في محركات البحث مثل غوغل، التي لا تزال تعتمد على العناوين المسجلة قديماً فقط.
فقد يعرف سكان حي كامل اسماً متداولاً لشارع أو زقاق، بينما لا يظهر الاسم نفسه على الخرائط. وقد يكون للمكان اسم شعبي مختلف عن الاسم الرسمي، أو لا يكون للمنزل رقم واضح يمكن الاعتماد عليه.
وهنا تظهر الفجوة بين عالمين:
الواقع الذي يعرفه الإنسان، والواقع الذي تعرفه الخريطة.
عندها تصبح عبارة «أرسل لي اللوكيشن» بديلاً عملياً عن العنوان.
وهذا يفسر اعتماد كثير من السوريين، داخل البلاد وخارجها، على الإحداثيات وروابط الخرائط، إلى جانب الوصف الشفهي للمكان.
المغترب السوري… بين الذاكرة والخرائط
بالنسبة إلى المغترب، تصبح المشكلة أكثر وضوحاً.
قد يعرف اسم الحي الذي نشأ فيه، ويتذكر اسم المدرسة أو المسجد أو السوق القريب من منزل عائلته، لكنه عندما يحاول البحث عن العنوان رقمياً قد يجد معلومات ناقصة أو مختلفة.
وهنا يبدأ البحث بطريقة أخرى:
اسم الحي ← اسم الشارع ← معلم قريب ← صورة قديمة ← سؤال أحد الأقارب ← ثم إرسال الموقع عبر الهاتف.
إنها عملية تكشف شيئاً مهماً: عندما لا يكون العنوان رقمياً، تتحول الذاكرة البشرية إلى نظام ملاحة.
لكن الذاكرة لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن قاعدة بيانات وطنية للعناوين.
لماذا تمثل أزمة العناوين مشكلة أكبر من مجرد الوصول إلى منزل؟
العنوان الدقيق يرتبط بعدد كبير من تفاصيل الحياة اليومية:
فهو مهم لخدمات التوصيل، والتجارة الإلكترونية، وسيارات الأجرة، والخدمات الإسعافية، وشركات الاتصالات، والخدمات الحكومية، وتسجيل العقارات، والتخطيط العمراني، وإدارة البنية التحتية.
كما أن وجود عناوين موحدة يمكن أن يساعد المؤسسات على معرفة مكان السكان والمنشآت والخدمات بصورة أكثر دقة.
هل يمكن حل مشكلة العنونة في سوريا؟
نعم، والحل ليس مستحيلاً.
بل يمكن بناء نظام وطني حديث للعنونة تدريجياً، حتى في المناطق التي تعاني من نقص البيانات.
يمكن أن يبدأ المشروع من خلال:
حصر المباني والمنشآت على الخرائط.
اعتماد أسماء موحدة للشوارع والأحياء.
إعطاء كل مبنى معرّفاً أو رقماً واضحاً.
ربط كل عنوان بإحداثيات جغرافية.
إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للعناوين.
توفير واجهة رقمية للجهات الحكومية والبلديات.
السماح للمواطن بتأكيد موقع منزله أو منشأته وفق آلية تحقق رسمية.
تحديث البيانات باستمرار مع توسع المدن وإعادة الإعمار.
وتوجد بالفعل نماذج مفتوحة يمكن الاستفادة من بنيتها التقنية؛ فـ OpenStreetMap يدعم تمثيل العناوين على مستوى المباني والمداخل وأرقام الأبنية وأسماء الشوارع. كما توجد جهود حديثة لإعادة رسم وتحسين بيانات الخرائط في سوريا لدعم التعافي وإعادة الإعمار.
وماذا عن Google Maps والعقوبات؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
فمن المهم عدم اختزال كل مشكلة الخرائط في سوريا في كلمة «العقوبات».
الولايات المتحدة أعلنت في 30 يونيو/حزيران 2025 إنهاء برنامج العقوبات الشامل المتعلق بسوريا، على أن تدخل الإجراءات حيز التنفيذ في 1 يوليو/تموز 2025.
لكن رفع العقوبات لا يعني تلقائياً أن جميع خدمات الشركات العالمية ستعود في اليوم التالي وبكامل وظائفها.
وهذا يظهر في حالة Google Maps نفسها؛ فقد استمرت خلال 2025 و2026 شكاوى مستخدمين في مجتمع Google Maps بشأن محدودية بعض وظائف الخرائط في سوريا، مثل إضافة الأماكن وتعديل الطرق وبعض وظائف الملاحة. وفي إحدى إجابات خبراء مجتمع Google، أُشير صراحة إلى أن بعض القيود قد لا تكون مرتبطة بالعقوبات أصلاً، وإنما بعوامل أخرى تتعلق بالخدمة والبيانات والدقة.
لذلك، لا يمكن القول حالياً إن «إزالة العقوبات ستؤدي حتماً إلى فتح نظام العناوين في Google Maps في موعد محدد».
الأمر يعتمد أيضاً على قرارات Google، وتوافر البيانات، وسياسات الخرائط، وقدرة الجهات المحلية والمجتمع على توفير بيانات جغرافية دقيقة.
هل نحن بحاجة إلى انتظار Google؟
ربما لا.
هذه هي النقطة الأهم.
يمكن لسوريا أن تبدأ ببناء بنية بيانات وطنية للعناوين دون انتظار منصة عالمية واحدة.
وعندما تصبح البيانات الرسمية دقيقة ومنظمة، يمكن لاحقاً ربطها بمختلف خدمات الخرائط والمنصات الرقمية، وفق ما تسمح به كل منصة.
بل إن وجود قاعدة بيانات وطنية قوية قد يكون أكثر أهمية من ظهور كل منزل على Google Maps.
فالمطلوب أولاً هو أن تعرف الدولة والبلدية والمواطن:
أين يقع هذا المبنى؟ وما عنوانه؟ وما رقمه؟ وما الحي والشارع الذي ينتمي إليه؟
بعدها تصبح الخريطة مجرد نافذة للوصول إلى هذه المعلومة.
إنها خطوة من خطوات التحول الرقمي.
فالعنوان هو نقطة اتصال بين الإنسان والمكان، وبين المواطن والخدمة، وبين المتجر والزبون، وبين الدولة ومواطنيها.
في النهاية… سوريا بحاجة إلى أن تُسمّي أماكنها
بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح والتوسع العمراني والتغيرات التي أصابت المدن والقرى، أصبحت الحاجة إلى تحديث البيانات الجغرافية أكثر إلحاحاً.
وقد يكون التحدي الحقيقي ليس في رسم خريطة جديدة لسوريا، بل في تحويل المعرفة المحلية المنتشرة في ذاكرة ملايين السوريين إلى بيانات جغرافية منظمة ودقيقة وقابلة للاستخدام.
فخلف كل عنوان غير واضح قصة، وخلف كل منزل بلا رقم حكاية، وخلف كل عبارة «بعد الجامع، يميناً، ثم أول شارع» مدينة كاملة تحاول أن تشرح لنفسها وللعالم: أين نحن؟
وربما يكون الحل في أن ننتقل من مدينة تُعرّف نفسها بالذاكرة والمعالم، إلى مدينة تستطيع أن تعرّف نفسها أيضاً بعنوان رقمي واضح ودقيق.

