سوريا - تكنولوجيا
الذكاء الاصطناعي.. أي جزء من وظيفتك ستأخذه الآلة؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦، ٠٩:٠٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يعد الذكاء الاصطناعي قصة تخص وادي السيليكون أو شركات التكنولوجيا الكبرى. خلال سنوات قليلة، انتقل من مختبرات البرمجة إلى المكاتب والمصانع والمدارس ووسائل الإعلام والأسواق المالية، وبدأ يغير طريقة إنتاج المعرفة والسلع والخدمات.
لكن خلف هذا الانتشار يبرز سؤال أكثر قلقاً من قدرة الآلة على كتابة نص أو إنتاج صورة: ماذا سيحدث لسوق العمل عندما تصبح الآلة قادرة على تنفيذ جزء متزايد من المهام التي يؤديها البشر؟
الجدل لم يعد يتعلق بمستقبل بعيد. فقد أظهر مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد أن 88% من المؤسسات التي شملها القياس تستخدم الذكاء الاصطناعي، بينما يستخدم أربعة من كل خمسة طلاب جامعيين الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ليست نهاية الوظائف.. بل تغير المهام
الصورة أكثر تعقيداً من سيناريو اختفاء الوظائف. فالذكاء الاصطناعي يدخل إلى الوظائف المكتبية والمعرفية التي كان يُعتقد أنها بعيدة عن الأتمتة.
وتقدر منظمة العمل الدولية أن نحو ربع العاملين عالمياً يعملون في مهن لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تؤكد أن التعرض لا يعني بالضرورة اختفاء الوظيفة، إذ يرجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي في معظم الحالات إلى تغيير المهام داخل الوظائف بدلاً من إلغائها بالكامل.
وهذا يغير طبيعة المنافسة في سوق العمل. فقد لا يكون السؤال مستقبلاً: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بعملك؟ بل: هل يستطيع شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي القيام بعملك بكفاءة أعلى؟
فالصحفي يمكنه استخدامه لجمع البيانات وتلخيص الوثائق، والمحاسب لتحليل كميات ضخمة من المعلومات، والمبرمج لكتابة أجزاء من الشيفرة. لكن التحقق، والحكم على السياق، وتحمل المسؤولية عن القرار تبقى مسائل مختلفة.
آلة تتحدث بثقة.. وقد تكون مخطئة
من أبرز تحديات الذكاء الاصطناعي التوليدي ما يعرف بـ"الهلوسة"، عندما ينتج النظام معلومة خاطئة أو مصدراً غير موجود بصياغة تبدو واثقة.
وتشير بيانات ستانفورد إلى تفاوت كبير في معدلات الهلوسة بين النماذج والاختبارات، إذ تراوحت في أحد الاختبارات بين 22% و94%.
المشكلة ليست أن الآلة تخطئ؛ فالإنسان يخطئ أيضاً، وإنما أن سرعة إنتاج الإجابة وشكلها المقنع قد يجعلان اكتشاف الخطأ أصعب.
وفي الإعلام قد تتحول معلومة غير موثقة إلى خبر، وفي القطاع المالي إلى قرار استثماري، بينما تكون تكلفة الخطأ أعلى في مجالات مثل القانون والطب. لذلك لا يلغي انتشار الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى التحقق، بل يجعلها أكثر أهمية.
من يملك ما تتعلمه الآلة؟
الذكاء الاصطناعي لا يتعلم في فراغ. فالنماذج تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات، ما فتح مواجهة قانونية حول الكتب والمقالات والصور والأعمال الفنية والبرمجيات المستخدمة في التدريب.
وفي الولايات المتحدة، أوضح مكتب حقوق الطبع والنشر في تقريره لعام 2025 أن مخرجات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحظى بالحماية عندما يكون للإنسان إسهام إبداعي كافٍ فيها، بينما لا تكفي مجرد كتابة الأوامر للنموذج وحدها للحصول على الحماية.
وفي بريطانيا، تدرس الحكومة تأثير استخدام الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وبذلك لا يدور الصراع فقط بين الشركات والمستخدمين، بل أيضاً بين مطوري الذكاء الاصطناعي وأصحاب المحتوى.
وراء الشاشة.. كهرباء ومراكز بيانات
الذكاء الاصطناعي ليس خدمة رقمية بلا تكلفة مادية. فوفق وكالة الطاقة الدولية، استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء في 2024، أي قرابة 1.5% من الاستهلاك العالمي، وتتوقع الوكالة ارتفاع الرقم إلى نحو 950 تيراواط/ساعة بحلول 2030.
ومع توسع استخدامات مثل توليد الفيديو والاستدلال المتقدم والأنظمة القادرة على تنفيذ المهام بصورة شبه مستقلة، تصبح الرقائق ومراكز البيانات والطاقة جزءاً أساسياً من اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
من يحصل على المكاسب؟
اقتصادياً، يحمل الذكاء الاصطناعي وعداً بزيادة الإنتاجية وخفض تكلفة بعض المهام وظهور خدمات وأسواق جديدة. لكن توزيع هذه المكاسب يظل سؤالاً مفتوحاً.
فالشركات التي تمتلك رأس المال والرقائق ومراكز البيانات والبيانات والنماذج المتقدمة تملك قدرة أكبر على الاستثمار والاستفادة، بينما قد تتسع الفجوة بين الاقتصادات القادرة على تطوير التكنولوجيا وتلك التي تكتفي باستخدامها.
ولهذا تتدخل الحكومات أيضاً. ويعد قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي أحد أبرز الأطر التنظيمية، إذ يصنف الأنظمة وفق مستويات المخاطر ويفرض التزامات مختلفة على المطورين والمستخدمين.
قد لا تكون المعركة بين الإنسان والآلة بالمعنى البسيط، بل حول من يمتلك التقنية، ومن يضع قواعدها، وكيف توزع مكاسبها وتكاليفها.
وقد لا يكون السؤال الذي سيواجه سوق العمل: "هل ستختفي وظيفتي؟"، بل سؤالاً أكثر واقعية:
أي جزء من وظيفتي ستأخذه الآلة.. وأي جزء سيبقى لي؟


