سوريا - اقتصاد
اقتصاد الظل في سوريا محرك جاهز لتعزيز التعافي؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ١١ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:١٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بات اقتصاد الظل في سورية اليوم أحد أبرز الملفات الاقتصادية في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد. ففي ظل هشاشة المؤسسات وضعف القدرة التمويلية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، لم يعد اقتصاد الظل مجرد ظاهرة هامشية أو تهرب ضريبي عابر، بل تحول إلى شبكة أمان اجتماعية وإنتاجية حافظت على حياة ملايين العائلات خلال سنوات الصراع والانهيار. والسؤال الجوهري لم يعد يتمحور حول رفض اقتصاد الظل أو قبوله بشكل مطلق، بل حول كيفية إدارته بذكاء وواقعية ليجعله رافعة للتعافي الاقتصادي السريع دون أن يتحول إلى عقبة دائمة أمام بناء مؤسسات رسمية قوية ومستدامة.
الاستفادة من اقتصاد الظل
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الاستفادة الحقيقية من اقتصاد الظل تبدأ بالتمييز الواضح والصارم بين الأنشطة غير الرسمية المشروعة، مثل التجارة الصغيرة والحرف اليدوية والزراعة المباشرة، وبين الأنشطة غير المشروعة كالتهريب والمخدرات وغسيل الأموال.
هذا التمييز يفتح الباب أمام سياسة الحوافز بدلاً من المنع، من خلال إعفاءات ضريبية مؤقتة وتبسيط إجراءات التسجيل ومنح تراخيص سريعة ومرنة تركز فقط على معايير السلامة والجودة الأساسية.
أما منير هارون، مدير عام مصرف الوطنية للتمويل الأصغر، فيؤكد أن التعامل الأمثل مع اقتصاد الظل يجب أن يكون «تأطيراً دون شلل»، عبر إقرار وضع انتقالي مؤقت يمنح هذه الأنشطة غطاءً قانونياً دون إخضاعها فوراً للضرائب المرتفعة أو التعقيدات البيروقراطية التي تعجز عن تلبيتها في الظروف الراهنة.
توجيه اقتصاد الظل نحو الإنتاج المحلي وفرص العمل
في ظل عجز الخزينة العامة عن تمويل واسع النطاق، تبرز آليات عملية يمكن من خلالها توجيه اقتصاد الظل في سورية نحو دعم الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل سريعة. يقترح الدكتور الزعبي تحويل القروض الصغيرة إلى العاملين في هذا القطاع بعد خضوعهم لبرامج تدريب، بهدف تحويل أنشطتهم من الطابع التجاري البحت إلى أنشطة منتجة، مع تتبع التحويلات المالية الخارجية التي تقدر بما بين 1.5 و2 مليار دولار سنوياً وتشجيع تمرير جزء منها عبر قنوات رسمية جزئياً.
ويُلفت هارون إلى أهمية إنشاء صناديق تمويل أصغر مدعومة من منظمات دولية أو من المغتربين، على أن تشترط منح القروض للورش التي تنتج بدائل للاستيراد أو توفر فرص عمل للشباب. كما يمكن ربط الحصول على خدمات أساسية مثل الكهرباء والمحروقات المدعومة أو البذور والمعدات بالتسجيل الرمزي البسيط، إلى جانب التزام الجهات الإغاثية والبلديات بشراء احتياجاتها من الورش والحرفيين المحليين بشرط انضمامهم إلى سجل تنظيمي محلي مرن.
تخفيف الفقر والبطالة
يساهم اقتصاد الظل بشكل مباشر وملموس في التخفيف من حدة الفقر والبطالة في سوريا. وتشير تقديرات إلى أنه يستوعب نحو 60 إلى 70 بالمئة من النشاط الاقتصادي، ويوفر دخلاً يومياً لعائلات كثيرة، خاصة العمالة غير الماهرة.
غير أن هذا الأثر الإيجابي يبقى غير مستدام ما لم تتوفر شروط أساسية، أبرزها التمييز الصارم بين المشروع وغير المشروع، وتوفير شبكات حماية اجتماعية بديلة لا ترتبط بالضرورة بالعقد الرسمي، وربط الأنشطة تدريجياً بسلاسل التوريد الرسمية، وفرض حد أدنى من معايير الجودة والسلامة. ويشدد هارون على ضرورة إطلاق برامج تدريب مهني سريع لرفع جودة الإنتاج، وفصل الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية عن الوظيفة الرسمية حتى لا يقع العامل في فقر مدقع عند المرض أو الإصابة، مع وضع ضوابط مجتمعية تمنع تشغيل الأطفال أو الاستغلال المفرط لظروفهم.
مخاطر اقتصاد الظل وكيفية الحد منها
يحمل توسيع اقتصاد الظل مخاطر اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية لا يمكن إغفالها. فمن الناحية الاقتصادية يؤدي إلى ضياع إيرادات ضريبية كبيرة وتشويه البيانات الرسمية، ويخلق منافسة غير عادلة مع القطاع الرسمي. ومن الناحية الاجتماعية يُغيب الحماية العمالية ويكرس تدني أجور النساء والشباب ويرسخ شبكات المحسوبيات والنفوذ. أما على المستوى المؤسساتي فيكمن الخطر في ترسخ الفساد وارتباط بعض الأنشطة بشبكات أو مصالح خفية.
وللحد من هذه المخاطر دون خنق النشاط، يقترح الزعبي الاعتماد على الحوافز الضريبية التدريجية بدلاً من الضرائب الفورية، وإجراء مسح شامل وتصنيف دقيق للأنشطة، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل المنتقلين إلى القطاع الرسمي، مع التركيز على مكافحة الفساد بقوانين رادعة بعيداً عن القمع الجماعي. ويرى هارون أن الحل يكمن في فرض رسوم مقطوعة رمزية على الأنشطة الصغيرة وحصر الضرائب التصاعدية على الشركات الكبرى، وإشراك النقابات والجمعيات المحلية كرقباء اجتماعيين، ودعم تشكيل تعاونيات إنتاجية، مع ضمان الشفافية في منح التراخيص المؤقتة وتفكيك القنوات الاحتكارية للسلع الأساسية.
دمج اقتصاد الظل في الاقتصاد الرسمي
يتطلب الانتقال من الاعتماد المؤقت على اقتصاد الظل إلى دمجه في الاقتصاد الرسمي خريطة طريق متدرجة وواقعية. يقترح الدكتور الزعبي أربع مراحل: المرحلة الأولى (0-6 أشهر) وتشمل مسحاً شاملاً وتصنيفاً للأنشطة إلى مشروع وهامشي وغير مشروع مع فتح حوار اقتصادي مع الفاعلين. المرحلة الثانية (6-18 شهراً) تركز على تبسيط التسجيل وتقديم إعفاءات مؤقتة وقروض ميسرة ونوافذ موحدة للتراخيص. المرحلة الثالثة (18-36 شهراً) تعمل على ربط الأنشطة غير الرسمية بسلاسل التوريد الرسمية وتوسيع الحماية الاجتماعية. أما المرحلة الرابعة (بعد 36 شهراً) فتوحيد السياسات الضريبية وبناء قدرات الأجهزة الرقابية مع مراجعة دورية. ويختصر هارون هذه العملية في ثلاث مراحل أوسع: الاعتراف والاحتواء (السنة 1-2) من خلال إحصاء الورش ومنح حصانة من الضرائب الرجعية، والتحفيز والتأهيل (السنة 2-4) بإطلاق نظام ضريبي بسيط وجاذب مع تسهيلات بنكية، ثم الدمج والتكامل (السنة 5 فما فوق) بربط الورش بسلاسل التوريد الكبرى والاستثمار الأجنبي وإخضاعها لنظام الضمان والضرائب الاعتيادية بعد استقرار الاقتصاد.
اقتصاد الظل مورد يجب توجيهه لا محاربته
في الختام، يمثل اقتصاد الظل في سورية واقعاً انتقالياً لا يمكن تجاهله ولا الاعتماد عليه بشكل دائم. فهو ليس عدواً يجب محاربته، بل مورد بشري وإنتاجي يمكن تحويله إلى جسر حقيقي نحو التعافي الاقتصادي إذا أُدير بحكمة تجمع بين المرونة والحوافز والرقابة الذكية على الجودة والصحة العامة. ويبقى النجاح مرهوناً بقدرة صناع القرار على رؤية اقتصاد الظل لا كظاهرة يجب إلغاؤها، بل كفرصة يمكن توجيهها لخدمة المرحلة وبناء اقتصاد رسمي قوي ومستدام في المستقبل.


