سوريا - اقتصاد
" بزنس " واعد بالقضاء على البطالة والفقر.. لماذا خسرت أوراق الخصوصية السورية الرابحة؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٠ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ما زالت آراء الخبراء الاقتصاديين والأكاديميين، تؤكد أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تُعد الحل الأمثل والسحري لتحقيق التنمية في الاقتصاد السوري المتضرر جراء سنوات الحرب الطويلة، التي دمّرت البنية التحتية الصناعية والخدمية، وأثرت بشدة على المنشآت الصناعية الوطنية، التي خرج منها الآلاف عن الإنتاج.
لقد خاضت سوريا غمار تجربة المشروعات الصغيرة، وكان من المفترض أن تتحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع، لكن رغم الزخم والضخ الإعلامي والرسمي، ما زالت النتائج غير ملموسة ولا يُعوّل عليها، الأمر الذي يفتح باب التساؤلات حول تفاصيل التجربة السورية في إنشاء منظومة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وأيضاً حول عدم تحقيقها النتائج المرجوة.
قاطرة للابتكار والنمو
يوافقنا يؤكد الخبير المالي والمصرفي الدكتور عبد الله قزاز، الرأي أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل حجر الزاوية في الاقتصاد السوري؛ مشيراً إلى أنها تسهم بنسبة تصل إلى 62% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوظف 55% من القوى العاملة. موضحاً أن هذه المشروعات، التي تدعم 86% من الصادرات غير الحكومية، تُعد قاطرة رئيسية للابتكار والنمو، خاصة في مرحلة ما بعد رفع العقوبات.
تصنيف لدعم النمو
ويشير قزاز ، في حديثه لـ"العين السورية"، إلى أنه في خطوة قيل أنها تهدف إلى تنظيم القطاع، قامت حكومة النظام البائد في عام 2022 بتحديث معايير تصنيف المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتم تقسيمها إلى أربعة قطاعات رئيسية: الصناعي، والزراعي، والخدمي، والسياحي، بالاعتماد على ثلاثة معايير أساسية هي: عدد العمال، وحجم المبيعات السنوية، والموجودات الثابتة.
آليات التمويل
وبحسب قزاز، تتعدد طرق تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سوريا؛ حيث يقدّم مصرف التوفير قروضاً تصل إلى 50 مليون ليرة سورية بفائدة 13%، ولمدة سداد تتراوح بين 5 و10 سنوات، بضمانات عقارية أو كفالات. بدوره، يدعم المصرف التجاري مشاريع محددة (كمعامل النسيج والألبان) بفوائد مخفضة تصل إلى 11%. كما يوفر مصرف الوطنية للتمويل الأصغر قروضاً تتراوح بين 5 و18 مليون ليرة بفائدة 16%، موجهة بشكل خاص لصغار التجار والحرفيين.
شح السيولة
ورغم هذه المبادرات – والكلام لقزاز – تواجه المشروعات عقبات تنظيمية وتمويلية كبيرة؛ أبرزها: غياب استراتيجية وطنية موحدة، وشح السيولة، وارتفاع أسعار الفائدة. كما أن الإجراءات البيروقراطية المعقدة والضمانات العقارية الصارمة تحد من قدرة الكثيرين على الوصول إلى التمويل اللازم، ما يفاقم من حجم اقتصاد الظل الذي يُقدَّر بنحو 50% من القطاع الخاص.
وصفة إسعافية
لتحويل هذه المشروعات إلى محرك نمو حقيقي، يوصي الدكتور قزاز، بتبسيط إجراءات التسجيل، ووضع استراتيجية وطنية متكاملة تركز على التدريب والاستشارات. ثم اعتماد آليات تمويل مبتكرة تعتمد على قوة الفكرة وجدواها الاقتصادية بدلاً من الضمانات التقليدية، ودعم مصارف التمويل الأصغر بالسيولة من المصرف المركزي، وتطوير الخدمات الإلكترونية لتقليل مخاطر التعثر. إضافة إلى تفعيل دور الحاضنات المحلية وغرف التجارة في تقديم الحوافز.
البنك الصناعي يمول 1800 مشروع
بدوره، يرى مدير عام المصرف الصناعي، وجيه بيطار، خلال حديثه لـ"العين السورية"، أن تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة يشكل أولوية أساسية للمصرف، نظراً لأهميته في المساهمة بالتنمية الاقتصادية وتشغيل اليد العاملة والوصول إلى كل شرائح المجتمع، مبيناً أن عدد المشاريع الممولة من قبل المصرف في المحفظة المنتجة تجاوز 1800 مشروع، بقيمة تزيد على 100 مليار ليرة سورية قديمة.
وبيّن بيطار أن المصرف أعاد خلال النصف الثاني من عام 2025 استئناف منح القروض للمشاريع الإنتاجية والاستثمارية بكل أشكالها (سواء لتمويل رأس المال الثابت – تأسيس أو توسع – أو تمويل رأس المال العامل)، مع التركيز بشكل خاص على المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ولفت بيطار إلى أن هذه القروض تمنح بفترة سماح تصل إلى سنة، وبفوائد تعتبر الأقل ضمن القطاع المصرفي؛ مشيراً إلى أن عدد المشاريع الممولة والمنفذة من قبل المصرف خلال العام الماضي بلغ 25 مشروعاً، بقيمة 7.087 مليارات ليرة سورية قديمة.
منتجات تمويلية جديدة
من جانبها، تؤكد المدير العام لمصرف التوفير، رغد معصب، لـ"العين السورية"، أنه يُجري العمل حالياً على دراسة منتجات تمويلية جديدة سيتم إطلاقها فور استكمال الموافقات والإجراءات اللازمة، مع تأكيدها على حرص المصرف على استمرار وتطوير دوره في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
تحديات جوهرية
الصورة ليست وردية، حسب ما يؤكد منير هارون، الرئيس التنفيذي لبنك "بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر"، لـ"العين السورية"؛ فالمشاريع الصغيرة، رغم أهميتها الاقتصادية، تواجه تحديات جوهرية، أبرزها: شح السيولة وعدم توفر التمويل الكافي. فمصارف التمويل الأصغر تحتاج إلى تمويل مباشر من المصرف المركزي والمصارف التقليدية لضمان قدرتها على دعم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ارتفاع الفائدة يحد من المنافسة
واعتبر هارون، أن نقص السيولة النقدية أدى إلى إصرار مقدمي الخدمات على الدفع النقدي فقط، مما يُضعف استفادة رواد الأعمال من القروض. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يحد من المنافسة، إلى جانب عدم توفر خدمات مصرفية إلكترونية متكاملة؛ وهو ما تعمل عليه مصارف التمويل الأصغر لمعالجة هذه الفجوة وتحقيق تحول رقمي شامل في القطاع.
عقبات متعددة
أما د.عامر خربوطلي، مدير غرفة تجارة دمشق والمتخصص في ريادة الأعمال، فيجزم بأن هذه المشاريع تواجه عقبات متعددة، تشمل: التمويل، والإدارة، والاستشارات، والتكنولوجيا. معتبراً أن معالجة هذه التحديات تبدأ بوضع استراتيجية وطنية واضحة تحدد أهدافاً مستقبلية وبرامج مستدامة من الناحية الإدارية والمالية والتدريبية والاستشارية.
مزيد من التمويل
ويرى خربوطلي أن الجهود المبذولة لدعم المشاريع الصغيرة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التمويل والبرامج والمساعدات لضمان إعادة إقلاع هذه المشاريع؛ عبر توفير البنية التحتية، والطاقة، والمواد الصناعية، والمناطق الحرفية. ويؤكد أن الحكومة الحالية تولي اهتماماً متزايداً بهذا القطاع، بهدف إعادة تموضعه ضمن الاقتصاد الوطني، خصوصاً بعد رفع العقوبات؛ مما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي.
تحايل لتجاوز البيروقراطية
وأوضح خربوطلي، أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة قد تكون مسجلة ضمن الاقتصاد الرسمي (حيث تنتمي إلى الغرف التجارية والاتحادات)، فيما تنشط بعض المشاريع الأخرى ضمن اقتصاد الظل؛ نتيجة عدم قدرتها على الحصول على الموافقات الرسمية من الجهات المعنية.
توصيات خبير
ومن وجهة نظر منير هارون، الرئيس التنفيذي لبنك "بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر"، تتمثل التوصيات في ضرورة معالجة مخاطر التعثر في سداد القروض، والتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بعد التحرير نتيجة التحديات الأمنية والاقتصادية. لافتاً إلى أن مصرف "بيمو" كان الوحيد الذي أتاح للمقترضين خيار تأجيل السداد لمدة ثلاثة أشهر؛ لكن العديد منهم ما زالوا يواجهون صعوبات كبيرة في الوفاء بالتزاماتهم المالية، مما دفع المصرف إلى ترميم المحفظة المالية ومساعدة المتعثرين الذين يعانون لأسباب خارجة عن إرادتهم.
الالتزام بالاختصاص
ودعا هارون إلى ضرورة أن تعمل مصارف التمويل الأصغر ضمن نطاق اختصاصها، محذراً من اتجاه بعض المصارف إلى تقديم خدمات مشابهة للمصارف التقليدية، مما يؤدي إلى رفع سقف التمويل بطريقة غير مدروسة، ويضعف قدرة المقترضين على السداد. وأوضح أن التركيز يجب أن يكون على التوسع الأفقي بدلاً من رفع سقف القروض الفردية؛ بحيث يتم زيادة عدد المستفيدين ودعم مشاريع إنتاجية ناجحة، مما يخلق حالة اقتصادية إيجابية تدعم المشاريع المتوسطة والكبيرة، وفق نموذج سلسلة التوريد التدريجية الذي أثبت نجاحه في التجربة الصينية.
خط تنمية أول
على مدار أكثر من عقد، عانت سوريا من غياب الاستثمارات ذات القيمة الفعلية نتيجة الظروف السياسية والعقوبات الاقتصادية، مما أثر على مختلف القطاعات الإنتاجية. ومع التحرر الاقتصادي واعتماد السوق التنافسية الحرة، برزت فرص استثمارية كبيرة في المجالات الزراعية والخدمية والإنتاجية، حيث تُشكّل هذه المشاريع دعامة أساسية لحركة التجارة. وستكون هذه المشاريع، بالإضافة إلى الاستثمارات الخارجية، الدعامة الأساسية لبناء الاقتصاد السوري.


