سوريا - اقتصاد
توتال إنرجيز .. شراكة واستثمار فرنسي في البر والبحر السوري
أ
أحمد الكناني
نشر في: ٩ يوليو ٢٠٢٦، ١٥:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

شهدت زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بحضور الرئيسين أحمد الشرع وإيمانويل ماكرون، في خطوة تُعد الأولى من نوعها على صعيد تعزيز العلاقات الثنائية، وإقامة شراكات اقتصادية وتنموية شملت قطاعات الطاقة، والصحة، والتعليم، والتحول الرقمي.
كما منحت الزيارة زخماً للاستثمارات الفرنسية في قطاع الطاقة، إذ رافق الرئيس الفرنسي باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز"، المتخصصة في استكشاف وإنتاج النفط والغاز، والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، والتي كانت وقعت في مايو/أيار 2026 تفاهمات مع الحكومة السورية لاستكشاف موارد الطاقة في المياه الإقليمية السورية.
استثمارات برية وبحرية
وقعت الشركة السورية للنفط قبل أشهر مذكرة تفاهم مع شركات كونوكو فيليبس الأميركية، وتوتال إنرجيز الفرنسية، وقطر للطاقة، لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، والذي شكل البداية الأولى للعلاقة مع الشركة الفرنسية.
وفي هذا السياق يوضح الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن الشراكة بين توتال إنرجيز والحكومة السورية تمت عبر مرحلتين، تمثلت الأولى خلال مايو/أيار الماضي، في توقيع "تفاهمات عامة" لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية في البحر المتوسط، والثانية تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي، بالانتقال من إطار التفاهمات إلى بحث الصيغة القانونية والتفاوضية لإبرام عقود استثمارية، وتشمل مشاريع التنقيب عن النفط والغاز البري، وعليه جرى تحويل التفاهم إلى عقد استثماري نافذ، مشيراً إلى الشراكة الجديدة للشركة في مشروع تأهيل وتمديد خط أنابيب النفط الممتد من العراق إلى ميناء بانياس، والمساهمة في تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية حسبما ما أعلنه وزير الطاقة.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي محمد العلبي أن جانباً مهماً من الاهتمام الفرنسي بسوريا يرتبط بإعادة رسم ممرات الطاقة في المنطقة عقب أزمة مضيق هرمز، حيث تتحدث الشركة صراحة عن أولوية إنشاء خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، واضعة العراق وسوريا ضمن بدائلها المطروحة.
ويضيف العلبي أن خط العراق–بانياس لا يُعد تفصيلاً ثانوياً بالنسبة للشركة، بل يمثل أولوية تفوق مشاريع التنقيب البحري، كون التنقيب يبقى احتمالاً، بينما يشكل نقل النفط وظيفة جيو-اقتصادية مباشرة لسوريا، إلا أن ذلك يتعلق الجانب العراقي الذي وافق على اتفاقات أولية لدراسة عدد من المسارات، من بينها خط البصرة–حديثة–بانياس، إلا أن هذه الاتفاقات لا تزال غير ملزمة، ولا تفرض التزامات مالية نهائية على وزارة النفط العراقية.
تحديات تقنية ولوجستية
كشف الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجيز عن مجموعة من التحديات المرتبطة بالاستقرار الأمني في المنطقة، والتي لا تزال تشكل عائقاً أمام الاستثمار في سوريا، معتبراً أن الظروف الحالية لا تسمح بإرسال الفرق الفنية المتخصصة إلى مواقع العمل الميدانية.
ويضيف الباحث الاقتصادي محمد العلبي أن هناك تحديات لوجستية تتعلق بالبنية التحتية النفطية السورية، التي تبدو متهالكة، بل مدمرة في أجزاء واسعة منها، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من ألف كيلومتر من خطوط النفط والغاز في شمال شرقي سوريا تحتاج إلى استبدال كامل، وليس مجرد أعمال صيانة، ومن بينها خط كركوك–بانياس المتوقف منذ عام 2003، والذي يُعد من أولويات الشركة الفرنسية.
أما الخبير الاقتصادي يونس الكريم، فيرى أن تشتت استثمارات الشركة الفرنسية بين المشاريع البرية والبحرية قد يحد من فاعلية تنفيذها، فضلاً عن التحديات المصرفية والتمويلية المرتبطة بتأمين القروض اللازمة لمثل هذه المشاريع، لافتاً إلى أن إعادة تأهيل خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس من أكثر المشاريع تكلفة، بسبب تهالك البنية التحتية القديمة، والحاجة إلى إعادة تأهيل محطات الضخ والخطوط وميناء بانياس.
عوائد اقتصادية
يرى الباحث الاقتصادي محمد العلبي أن العوائد المحتملة من التنقيب البحري، في حال تحقيق اكتشافات تجارية، ستكون بعيدة المدى، إذ تتمثل في جذب شركات عالمية كبرى، وإدخال التكنولوجيا والخبرات المتقدمة، وربما اكتشاف احتياطيات من الغاز أكثر من النفط، نظراً لأن معظم اكتشافات شرق البحر المتوسط حتى الآن كانت في مجال الغاز الطبيعي، إلا أن هذه العوائد فيها قد تحتاج ما بين ست وثماني سنوات قبل أن تبدأ بتحقيق عوائد مالية ملموسة من الغاز البحري.
في المقابل بحسب العلبي، تبدو المكاسب الاقتصادية لمشروع خط العراق–بانياس أكثر وضوحاً وأسرع من الناحية النظرية، إذ تشمل تحصيل رسوم عبور النفط، وتنشيط العمل في ميناء بانياس، وخفض كلفة استيراد المشتقات النفطية، وتقليل الاعتماد على النفط الروسي، فضلاً عن تحويل سوريا إلى دولة تقدم خدمات عبور الطاقة بدلاً من الاقتصار على استيراد الوقود، كما تشير بعض التقديرات إلى أن عوائد العبور قد تصل إلى نحو 200 مليون دولار سنوياً في حال تشغيل المشروع بكامل طاقته.
هذا وبرز قطاع الطاقة كأحد أهم محاور التعاون السورية الفرنسية، حيث تضمنت الاتفاقيات إلى جانب استكشاف موارد النفط والغاز والطاقة في المياه الإقليمية السورية، مشاريع تحديث شبكات الكهرباء، واستقرار التغذية الكهربائية، وتعزيز أمن الطاقة وزيادة الإنتاج المحلي.


