سوريا - اقتصاد
تنظيم شركات الصرافة في سوريا.. هل يبدأ توحيد سوق الصرف؟
شروط رأس المال وسقف الفروع يضعان شركات الصرافة أمام اختبار جديد
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٠:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يضع قرار مصرف سوريا المركزي البدء بتنظيم شركات الصرافة العاملة في الشمال السوري سوق الصرف أمام مرحلة جديدة، بعد نحو عامين من العمل ضمن بيئة اتسمت بتعدد القواعد والممارسات وغياب إطار مصرفي موحد.
وبحسب القرار، لن يُسمح لأي شركة صرافة بأكثر من 30 فرعاً، فيما حُدد الحد الأدنى لرأس المال عند 5 ملايين دولار للشركات التي تملك 10 فروع أو أقل، ويرتفع إلى 10 ملايين دولار للشركات التي يتجاوز عدد فروعها ذلك.
ولا يتعلق القرار، وفق قراءة الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين، بتنظيم شركات قائمة فحسب، بل يحمل دلالة أوسع تتصل بمحاولة إعادة مهنة الصرافة إلى إطار مصرفي ورقابي وطني موحد.
خطوة باتجاه توحيد سوق الصرف
يرى محي الدين في حديثه مع "العين السورية" أن تنظيم الشركات القادمة من الشمال وإخضاعها لمتطلبات مصرفية موحدة يمثل إشارة مهمة إلى بدء توحيد الإطار النقدي والرقابي لسوق الصرف السوري، بعد فترة طويلة من تعدد القواعد والممارسات بين المناطق.
لكن الخبير يحذر من اعتبار القرار وحده توحيداً كاملاً للسوق، إذ إن ذلك يحتاج إلى توحيد قواعد الترخيص والرقابة وآليات التسعير والتسوية في مختلف المناطق السورية.
وبالتالي، فإن الخطوة الحالية يمكن النظر إليها كبداية لمسار أوسع يسعى من خلاله المصرف المركزي إلى استعادة دوره في تنظيم سوق الصرف على المستوى الوطني، وليس مجرد معالجة وضع شركات تعمل في منطقة جغرافية محددة.
10 ملايين دولار.. تنظيم أم حاجز دخول؟
يبرز رأس المال المطلوب كأحد أكثر بنود القرار تأثيراً على مستقبل شركات الصرافة.
ويعتقد محي الدين أن رفع متطلبات رأس المال إلى هذه المستويات يعكس رغبة المصرف المركزي في الانتقال من سوق صرافة مجزأ وضعيف الملاءة إلى شركات أكثر قدرة على تحمل المخاطر والالتزام بالمعايير الرقابية.
ومن منظور الاستقرار المالي، يمكن أن يساعد وجود شركات ذات ملاءة أكبر في تعزيز قدرة الجهات الرقابية على متابعة النشاط المالي والحد من المخاطر المرتبطة بالشركات الصغيرة أو غير القادرة على الوفاء بالتزاماتها.
لكن الوجه الآخر للقرار يتمثل في ارتفاع حاجز الدخول إلى السوق، وهو ما قد يجعل بعض الشركات الموجودة حالياً غير قادرة على استيفاء الشروط الجديدة.
ويرى الخبير أن الأفضل أن ترافق إعادة التنظيم فترة انتقالية واضحة تسمح للشركات الجادة بزيادة رؤوس أموالها أو الاندماج، بدلاً من خروجها المفاجئ من السوق.
هل يؤدي تقليص عدد الشركات إلى تركّز السوق؟
لا يعني تقليص عدد شركات الصرافة بالضرورة ارتفاع مستوى الشفافية، بحسب محي الدين، إذ إن القضية الأساسية ليست عدد الشركات بحد ذاته، وإنما قدرتها على العمل وفق معايير الملاءة والحوكمة والشفافية والمنافسة.
فإذا أدى التنظيم إلى خروج الشركات الضعيفة وغير المنضبطة، مع بقاء عدد كافٍ من الشركات القادرة على المنافسة، فقد تكون النتيجة سوقاً أكثر تنظيماً وأقل عرضة لممارسات المضاربة.
أما إذا أدى ارتفاع متطلبات رأس المال إلى خروج عدد كبير من الشركات وبقاء عدد محدود فقط، فقد ينشأ خطر آخر يتمثل في تركّز السوق، وهو ما قد يرفع هوامش التسعير ويضعف المنافسة.
ومن هنا، فإن نجاح التنظيم لا يقاس بعدد الشركات التي ستخرج من السوق، بل بقدرة النظام الجديد على تحقيق التوازن بين الرقابة القوية والمنافسة الكافية.
هل يقترب السعر الرسمي من الموازي؟
قد يساهم تنظيم شركات الصرافة في تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، لكنه لن يكون كافياً بمفرده، وفق الخبير الاقتصادي.
فتوسيع القنوات الرسمية لتداول العملات الأجنبية يمكن أن يزيد من حجم العرض والطلب داخل النظام المنظم، ويقلل المساحة التي تتحرك فيها السوق غير الرسمية، كما أن انتشار شركات صرافة مرخصة وقادرة على تلبية احتياجات المتعاملين قد يخفف هوامش المضاربة على الليرة السورية.
لكن الفارق بين السعرين يرتبط بعوامل أعمق، من بينها حجم السيولة بالليرة، وتوافر القطع الأجنبي، والثقة بالعملة المحلية، ومعدلات التضخم، وحجم الطلب على الدولار، إضافة إلى التوقعات الاقتصادية والسياسة النقدية.
وبالتالي، فإن تنظيم الصرافة يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه ليس الحل بأكمله.
خطر انتقال النشاط إلى السوق غير المرخصة
من أبرز المخاطر التي ينبغي أن يضعها المصرف المركزي في حساباته احتمال انتقال جزء من النشاط إلى القنوات غير المرخصة إذا خرج عدد كبير من الشركات القائمة بسبب عدم قدرتها على تلبية شروط الترخيص.
ويشير محي الدين إلى أن استمرار الطلب على العملات الأجنبية مع تقلص القنوات الرسمية قد يدفع بعض المتعاملين إلى البحث عن بدائل خارج النظام المصرفي.
لذلك، فإن إغلاق القنوات غير النظامية لا يكفي وحده، بل يجب أن يترافق مع توفير بديل رسمي واسع وفعال وتنافسي، إلى جانب رقابة حقيقية على النشاط غير المرخص وعقوبات واضحة على المخالفات.
وهنا تظهر أهمية المرحلة الانتقالية، بحيث لا يتحول تنظيم السوق إلى فراغ تملؤه قنوات غير رسمية جديدة.
هل يغلق السوق السوداء؟
في قراءة محي الدين، الهدف الحقيقي من القرار يجب ألا يكون مجرد إعادة توزيع النشاط في السوق السوداء، وإنما تقليصها تدريجياً من خلال توسيع السوق الرسمية.
ويرى أن بدء المصرف المركزي بوضع ضوابط على شركات الصرافة القادمة من الشمال يمثل خطوة ضرورية طال انتظارها، ليس فقط لتنظيم تلك الشركات، وإنما لبدء تنظيم مهنة الصرافة ضمن إطار مصرفي وطني موحد.
فكلما كانت الشركات المرخصة أكثر انتشاراً وقدرة على تقديم خدمات الصرافة بأسعار وآليات قريبة من الواقع الاقتصادي، تراجع الحافز لدى الأفراد والشركات للجوء إلى السوق غير الرسمية.
لكن المعادلة، بحسب الخبير، تحتاج إلى توازن دقيق؛ فـصرامة الرقابة يجب ألا تتحول إلى تضييق مفرط على الوصول إلى السوق الرسمية.
إذا أصبحت القنوات النظامية متاحة وفعالة وتنافسية، وكانت أسعارها قريبة من الواقع الاقتصادي، يمكن أن تتراجع جاذبية السوق السوداء. أما إذا ارتفعت شروط الدخول بصورة كبيرة وتقلص عدد القنوات الرسمية، فقد ينتقل النشاط غير الرسمي من شكل إلى آخر.
بداية مسار وليس نهاية المشكلة
يضع القرار الجديد سوق الصرف السوري أمام اختبار مهم: هل يستطيع المصرف المركزي الانتقال من تنظيم شركات منفردة إلى بناء سوق صرف موحد يخضع لقواعد واحدة في مختلف المناطق؟
الإجابة ستتوقف على كيفية تطبيق الشروط الجديدة، وعلى قدرة الشركات القائمة على التكيف معها، وكذلك على مدى نجاح المصرف المركزي في تحقيق التوازن بين متطلبات الملاءة والرقابة من جهة، والحفاظ على المنافسة واتساع القنوات الرسمية من جهة أخرى.
وبالنسبة للسوق والمواطن، فإن المعيار الأهم لن يكون عدد شركات الصرافة أو حجم رؤوس أموالها، وإنما ما إذا كان التنظيم سيؤدي فعلياً إلى سوق صرف أكثر شفافية واستقراراً، وفجوة أضيق بين السعر الرسمي والموازي، وقنوات رسمية قادرة على تلبية الطلب الحقيقي على العملات الأجنبية.
وبهذا المعنى، فإن تنظيم شركات الصرافة في الشمال قد يكون خطوة أولى في مسار توحيد سوق الصرف السوري، لكن نجاحها النهائي سيُقاس بما إذا كانت ستتحول إلى إطار وطني متكامل، لا بمجرد إعادة ترخيص الشركات وفق شروط مالية جديدة.


