سوريا - اقتصاد
عودة الصناعة في دمشق.. انتعاش حقيقي أم أرقام باهتة على الورق؟
بين تراخيص ورقية بواقع 8997 منشأة وواقع ميداني صعب، هل تعيش صناعة دمشق انتعاشاً أم تواجه خطر الإغلاق بسبب المستوردات؟.. تحليل لواقع القطاع الصناعي.
ا
العين السورية - رهام علي
نشر في: ٣١ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٨:٥٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتصدر الأرقام الرسمية المشهد الاقتصادي في دمشق بأخبار مبشرة عن آلاف التراخيص الجديدة والمنشآت الصناعية المزمع عودتها، غير أن الهوة تبدو واسعة وعميقة بين حبر السجلات الإدارية ودوي الآلات الحقيقي على الأرض.
وفي قلب هذا المخاض، تقف الصناعة المحلية أمام معادلة دقيقة تحاصرها فيها كلف التشغيل المرتفعة وطوفان المستوردات، ما يفرض قراءة متعمقة لواقع الإنتاج من زاويتين أساسيتين؛ الأولى تمثلها الإدارة الرسمية، والثانية ينقلها أهل الميدان من صناعيين وخبراء.
خريطة الأرقام الرسمية
تؤكد البيانات الصادرة عن مديرية صناعة دمشق أن إجمالي عدد المنشآت الصناعية والحرفية المرخصة في العاصمة قد بلغ 8997 منشأة، تتوزع قاعدتها الإنتاجية على أربعة قطاعات رئيسية:
- يتصدر القطاع النسيجي القائمة بواقع 5154 منشأة تركزت أنشطتها في الألبسة الجاهزة والجوارب والتريكو والطباعة على الأقمشة.
وفي قلب هذا المخاض، تقف الصناعة المحلية أمام معادلة دقيقة تحاصرها فيها كلف التشغيل المرتفعة وطوفان المستوردات، ما يفرض قراءة متعمقة لواقع الإنتاج من زاويتين أساسيتين؛ الأولى تمثلها الإدارة الرسمية، والثانية ينقلها أهل الميدان من صناعيين وخبراء.
خريطة الأرقام الرسمية
تؤكد البيانات الصادرة عن مديرية صناعة دمشق أن إجمالي عدد المنشآت الصناعية والحرفية المرخصة في العاصمة قد بلغ 8997 منشأة، تتوزع قاعدتها الإنتاجية على أربعة قطاعات رئيسية:
- يتصدر القطاع النسيجي القائمة بواقع 5154 منشأة تركزت أنشطتها في الألبسة الجاهزة والجوارب والتريكو والطباعة على الأقمشة.

- يليه القطاع الهندسي بنحو 1763 منشأة شملت المشغولات المعدنية وآلات تحضير الأغذية وأعمال الخراطة والمنجور.
- ثم القطاع الكيميائي بـ 1476 منشأة ضمت صناعات المنظفات والبلاستيك والطباعة والأحذية والدهانات.
- وصولاً إلى القطاع الغذائي الذي بلغ 604 منشآت توزعت بين الحلويات والمخبوزات وتعبئة المواد الغذائية والبهارات.
❝غنام: الحديث المتكرر في وسائل الإعلام عن افتتاح آلاف المنشآت الجديدة ينفصل كلياً عن مرارة الواقع اليومي الذي تعيشه المعامل القائمة❞
وفي سياق التسهيلات المقدمة لعودة النشاط، تشير مديرية الصناعة إلى العمل على إعفاء مستلزمات وخطوط الإنتاج من الرسوم الجمركية وفق الأنظمة النافذة، مع تمركز أبرز المناطق الصناعية المخصصة في دمشق ضمن مناطق القابون وابن عساكر والزبلطاني بموقعيها.
وتتكامل هذه المؤشرات مع الإعلانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة حول بلوغ إجمالي عدد المنشآت الصناعية والحرفية العاملة في مختلف المحافظات السورية نحو 81200 منشأة، موزعة بين 21206 منشآت صناعية و59994 منشأة حرفية عاملة.
تراجع القاعدة الإنتاجية
في المقابل، يرى الصناعي نزار غنام في حديثه مع "العين السورية" أن "الحديث المتكرر في وسائل الإعلام عن افتتاح آلاف المنشآت الجديدة ينفصل كلياً عن مرارة الواقع اليومي الذي تعيشه المعامل القائمة".
ويشير غنام إلى أن "الاحتفاء بافتتاح مصانع جديدة لا يغير من حقيقة عجز الكثير من الصناعيين عن الوفاء بأبسط التزاماتهم كدفع أجور العقار الذي يعملون فيه، في ظل سياسة انفتاح تجاري سمحت بدخول بضائع أجنبية وصينية بأسعار جاهزة تقل عن تكلفة المواد الأولية البحتة".
ويضرب مثلاً بفوضى استيراد السيارات التي أدت إلى أزمات مرورية واختناقات في الشوارع، مقابل تجاهل إعلامي مطبق لمعامل كبرى أفلست وأغلقت أبوابها نهائياً، كمعامل في دمشق كانت تضم العشرات والمئات من العمال وأصبحت اليوم عاجزة حتى عن تأمين أجورهم. ويتساءل غنام مستنكراً: "يا ترى هل كلام الإعلام هو قلة خبرة أم سوء نية؟ والنتيجة واحدة".
ويؤكد أن "معمله الذي يضم 13 آلة لا تعمل منه سوى آلة واحدة تعجز حتى عن تغطية كلفة العمالة"، مستعرضاً الأزمة الحادة التي يعاني منها قطاع الألبسة والأقمشة نتيجة ارتفاع أجور المحلات في العاصمة إلى مستويات غير مسبوقة تراوحت بين 4000 و12 ألف دولار.
وتتكامل هذه المؤشرات مع الإعلانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة حول بلوغ إجمالي عدد المنشآت الصناعية والحرفية العاملة في مختلف المحافظات السورية نحو 81200 منشأة، موزعة بين 21206 منشآت صناعية و59994 منشأة حرفية عاملة.
تراجع القاعدة الإنتاجية
في المقابل، يرى الصناعي نزار غنام في حديثه مع "العين السورية" أن "الحديث المتكرر في وسائل الإعلام عن افتتاح آلاف المنشآت الجديدة ينفصل كلياً عن مرارة الواقع اليومي الذي تعيشه المعامل القائمة".
ويشير غنام إلى أن "الاحتفاء بافتتاح مصانع جديدة لا يغير من حقيقة عجز الكثير من الصناعيين عن الوفاء بأبسط التزاماتهم كدفع أجور العقار الذي يعملون فيه، في ظل سياسة انفتاح تجاري سمحت بدخول بضائع أجنبية وصينية بأسعار جاهزة تقل عن تكلفة المواد الأولية البحتة".
ويضرب مثلاً بفوضى استيراد السيارات التي أدت إلى أزمات مرورية واختناقات في الشوارع، مقابل تجاهل إعلامي مطبق لمعامل كبرى أفلست وأغلقت أبوابها نهائياً، كمعامل في دمشق كانت تضم العشرات والمئات من العمال وأصبحت اليوم عاجزة حتى عن تأمين أجورهم. ويتساءل غنام مستنكراً: "يا ترى هل كلام الإعلام هو قلة خبرة أم سوء نية؟ والنتيجة واحدة".
ويؤكد أن "معمله الذي يضم 13 آلة لا تعمل منه سوى آلة واحدة تعجز حتى عن تغطية كلفة العمالة"، مستعرضاً الأزمة الحادة التي يعاني منها قطاع الألبسة والأقمشة نتيجة ارتفاع أجور المحلات في العاصمة إلى مستويات غير مسبوقة تراوحت بين 4000 و12 ألف دولار.
فضلاً عن منافسة قاسية تأتي فيها قطعة الملابس المستوردة بدولار أو دولار ونصف لتكون أرخص من تكلفة التغليف والامبلاج المحلي.
معضلة الأسواق الخارجية
ويلفت غنام الانتباه إلى "سياسات الدول الكبرى كأمريكا التي تفرض رسوماً جمركية تصل إلى عشرة أضعاف على السلع الصينية لحماية أسواقها، بينما تكتفي السوق المحلية بنقاشات عقيمة حول فروقات رسوم ضئيلة لا تتعدى نسباً محدودة".
معضلة الأسواق الخارجية
ويلفت غنام الانتباه إلى "سياسات الدول الكبرى كأمريكا التي تفرض رسوماً جمركية تصل إلى عشرة أضعاف على السلع الصينية لحماية أسواقها، بينما تكتفي السوق المحلية بنقاشات عقيمة حول فروقات رسوم ضئيلة لا تتعدى نسباً محدودة".
محذراً مما وصفه بـ "استراتيجية الصين في السيطرة وإفلاس صناعات العالم كما فعلت مع معامل السيارات في ألمانيا"، فضلاً عن غياب المعاملة بالمثل مع دول الجوار كالأردن وتركيا ومصر التي نفتح أسواقنا لبضائعها بينما تغلق أبوابها أمام الألبسة السورية.
ويضيف غنام: "كل مستورد للألبسة والأقمشة ليس لديه مصلحة بمنافسة أحد له داخل البلد، فهؤلاء يمتلكون مهارات دعاية ممتازة يقولون من خلالها "من أنتم بالنسبة للمنتج الصيني؟" ليجيبهم بحرقة: "ومن أنتم بالنسبة للأخلاق المهنية؟".
ويضيف غنام: "كل مستورد للألبسة والأقمشة ليس لديه مصلحة بمنافسة أحد له داخل البلد، فهؤلاء يمتلكون مهارات دعاية ممتازة يقولون من خلالها "من أنتم بالنسبة للمنتج الصيني؟" ليجيبهم بحرقة: "ومن أنتم بالنسبة للأخلاق المهنية؟".
❝الزنبركجي: المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفتاح التجاري إلى منافسة غير متكافئة بين مُصنّع محلي يتحمل تكاليف مرتفعة جداً، ومنتج مستورد يدخل السوق بتكاليف أقل بكثير❞
ويختتم غنام شهادته بالإشارة إلى مؤشر المصابغ في دمشق التي تضم 3 أو 4 مصابغ فقط، وباتت تفتح أبوابها يوماً واحداً في الأسبوع لعدم وجود أقمشة لصباغتها بعد أن باتت الأقمشة تأتي من الصين وتباع بالكيلو.
مشدداً على أنّ "انهيار المعامل يحرم المواطن من مصدر رزقه ويفقده القدرة الشرائية برمتها رغم توفر المنتج الرخيص".
إشكالية الثقافة الاستثمارية
من جانب آخر، يضع الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي مهند الزنبركجي إطاره التحليلي مؤكداً أنّ "الصناعة السورية تواجه مرحلة دقيقة تتكشف فيها فجوة واسعة بين الأرقام الورقية والواقع الذي يتحدث عنه الصناعيون على الأرض".
ويوضح الزنبركجي لـ "العين السورية" أنّ "الترخيص الصناعي مجرد وثيقة قانونية لإتاحة ممارسة النشاط ولا يعكس طاقة المصنع التشغيلية الفعلية، إذ تظل آلاف المنشآت مسجلة رسمياً بينما هي متوقفة كلياً أو تعمل بنسب موسمية محدودة بفعل أعباء التشغيل والطاقة والمواد".
ويشير الزنبركجي إلى أن "استمرار وجود المنشأة في السجل الرسمي قد يعطي انطباعاً خادعاً بأن النشاط الصناعي ما زال مستمراً، بينما المصنع الذي كان ينتج آلاف القطع ويشغل مئات العمال أصبح يعمل بنسبة ضئيلة وموسمية، وهو ما يجعل الفجوة بين الرقم الإداري والواقع الإنتاجي قضية اقتصادية محورية تؤثر مباشرة على سياسات المعالجة".
إلى جانب هذه الفجوة، تواجه الصناعة السورية تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في المنافسة مع المنتجات المستوردة، ولا سيما المنتجات الصينية.
والمشكلة هنا وفقاً لـ الزنبركجي "لا تكمن في مبدأ الاستيراد بحد ذاته، بل تبدأ عندما يتحول الانفتاح التجاري إلى منافسة غير متكافئة بين مُصنّع محلي يتحمل تكاليف مرتفعة جداً، ومنتج مستورد يدخل السوق بتكاليف أقل بكثير".
ويرى أن الشعرة الفاصلة تكمن بين الانفتاح التجاري الصحي والانفتاح الذي يمكن أن يؤدي إلى تدمير القاعدة الإنتاجية المحلية.
حلول للوصول إلى قدرة تنافسية حقيقية
يتابع الزنبركجي تحليله مؤكداً أن "السياسة التجارية الذكية يجب ألا تعتمد على إغلاق الحدود بل على رسوم جمركية مدروسة لمكافحة الإغراق والتفريق بوضوح بين استيراد المواد الأولية الضرورية والسلع النهائية المنافسة".
ويؤكد أن "إنقاذ القطاع الصناعي يستوجب حزمة متكاملة تبدأ بتأمين طاقة مستقرة وبأسعار متحملة، مروراً بتوفير تمويل تشغيلي لرأس المال العامل لشراء المواد الأولية ودفع الأجور وتمويل المخزون، وصولاً إلى تخفيض كلف المدخلات ودعم الصادرات وتحديث الآلات الإدارية والتسويقية".
ويوضح الخبير الاقتصادي أن "الصناعة لا تحتاج فقط إلى حماية من المنافسة، بل تحتاج قبل ذلك إلى بيئة تجعلها قادرة على المنافسة عبر طاقة مستقرة، وتمويل مناسب، ومدخلات إنتاج متاحة، ورسوم جمركية ذكية، ومكافحة حقيقية للإغراق، وتسهيلات للتصدير نحو الأسواق الإقليمية".
ويختتم بالتأكيد على أن المعادلة الصحيحة تكمن في الانتقال من مفهوم "حماية الصناعة" إلى مفهوم "رفع القدرة التنافسية"، لتصبح المؤشرات الحقيقية للاقتصاد هي عدد المصانع العاملة فعلياً وحجم إنتاجها وقدرتها على التصدير وخلق فرص العمل وليست مجرد أعداد الرخص الموجودة على الورق.
إشكالية الثقافة الاستثمارية
من جانب آخر، يضع الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي مهند الزنبركجي إطاره التحليلي مؤكداً أنّ "الصناعة السورية تواجه مرحلة دقيقة تتكشف فيها فجوة واسعة بين الأرقام الورقية والواقع الذي يتحدث عنه الصناعيون على الأرض".
ويوضح الزنبركجي لـ "العين السورية" أنّ "الترخيص الصناعي مجرد وثيقة قانونية لإتاحة ممارسة النشاط ولا يعكس طاقة المصنع التشغيلية الفعلية، إذ تظل آلاف المنشآت مسجلة رسمياً بينما هي متوقفة كلياً أو تعمل بنسب موسمية محدودة بفعل أعباء التشغيل والطاقة والمواد".
ويشير الزنبركجي إلى أن "استمرار وجود المنشأة في السجل الرسمي قد يعطي انطباعاً خادعاً بأن النشاط الصناعي ما زال مستمراً، بينما المصنع الذي كان ينتج آلاف القطع ويشغل مئات العمال أصبح يعمل بنسبة ضئيلة وموسمية، وهو ما يجعل الفجوة بين الرقم الإداري والواقع الإنتاجي قضية اقتصادية محورية تؤثر مباشرة على سياسات المعالجة".
إلى جانب هذه الفجوة، تواجه الصناعة السورية تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في المنافسة مع المنتجات المستوردة، ولا سيما المنتجات الصينية.

والمشكلة هنا وفقاً لـ الزنبركجي "لا تكمن في مبدأ الاستيراد بحد ذاته، بل تبدأ عندما يتحول الانفتاح التجاري إلى منافسة غير متكافئة بين مُصنّع محلي يتحمل تكاليف مرتفعة جداً، ومنتج مستورد يدخل السوق بتكاليف أقل بكثير".
ويرى أن الشعرة الفاصلة تكمن بين الانفتاح التجاري الصحي والانفتاح الذي يمكن أن يؤدي إلى تدمير القاعدة الإنتاجية المحلية.
حلول للوصول إلى قدرة تنافسية حقيقية
يتابع الزنبركجي تحليله مؤكداً أن "السياسة التجارية الذكية يجب ألا تعتمد على إغلاق الحدود بل على رسوم جمركية مدروسة لمكافحة الإغراق والتفريق بوضوح بين استيراد المواد الأولية الضرورية والسلع النهائية المنافسة".
ويؤكد أن "إنقاذ القطاع الصناعي يستوجب حزمة متكاملة تبدأ بتأمين طاقة مستقرة وبأسعار متحملة، مروراً بتوفير تمويل تشغيلي لرأس المال العامل لشراء المواد الأولية ودفع الأجور وتمويل المخزون، وصولاً إلى تخفيض كلف المدخلات ودعم الصادرات وتحديث الآلات الإدارية والتسويقية".
ويوضح الخبير الاقتصادي أن "الصناعة لا تحتاج فقط إلى حماية من المنافسة، بل تحتاج قبل ذلك إلى بيئة تجعلها قادرة على المنافسة عبر طاقة مستقرة، وتمويل مناسب، ومدخلات إنتاج متاحة، ورسوم جمركية ذكية، ومكافحة حقيقية للإغراق، وتسهيلات للتصدير نحو الأسواق الإقليمية".
ويختتم بالتأكيد على أن المعادلة الصحيحة تكمن في الانتقال من مفهوم "حماية الصناعة" إلى مفهوم "رفع القدرة التنافسية"، لتصبح المؤشرات الحقيقية للاقتصاد هي عدد المصانع العاملة فعلياً وحجم إنتاجها وقدرتها على التصدير وخلق فرص العمل وليست مجرد أعداد الرخص الموجودة على الورق.


