سوريا - اقتصاد
لماذا لا تنخفض الأسعار في سوريا عندما ينخفض الدولار؟.. من يتحكم بالسوق؟
خبير أسعار: السوق السورية تعاني من ضعف المنافسة.. والمواطن يدفع ضريبة احتكارية خفية.
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١٦:٥٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لكن ماذا يحدث فعلياً بين سعر الدولار وكلفة الاستيراد والسعر الذي يدفعه المستهلك؟ وهل تعكس الأسعار في الأسواق السورية الكلفة الحقيقية للسلع، أم أن عوامل أخرى تتدخل في تحديدها؟
يضع خبير اقتصاديات الأسعار الدكتور مظهر يوسف في حديث لـ "لعين السورية" الإجابة في إطار مختلف، معتبراً أن التاجر أو البائع أو المنتج هو المحدد الفعلي للسعر في السوق السورية، مستفيداً، بحسب تقديره، من قدرته على التحكم بالعرض وضعف المنافسة في بعض الأسواق.
التاجر هو المحدد الفعلي للسعر
يرى يوسف أن سعر الدولار وكلفة الاستيراد والعرض والطلب لا تحدد السعر النهائي وحدها، وإنما تمثل عوامل يمكن أن يستغلها السوق في تحريك الأسعار.
وبحسب تحليله، فإن ارتفاع سعر الصرف أو زيادة كلفة الاستيراد قد يشكلان الشرارة الأولى لرفع الأسعار، لكن الزيادة قد تتجاوز أحياناً حجم الارتفاع الفعلي في التكلفة، نتيجة توقعات التجار بشأن المستقبل أو رغبتهم في التحوط من ارتفاعات جديدة.
ويعتقد يوسف أن القوة السوقية للتاجر ورؤيته الذاتية أصبحتا عاملين أساسيين في تحديد السعر النهائي، خصوصاً في ظل ما يصفه بضعف المنافسة وغياب أدوات رقابة فعالة.
وهنا تظهر إحدى أكثر الإشكاليات التي يلمسها المستهلك يومياً: إذا كانت كلفة السلعة هي الأساس في تحديد سعرها، فلماذا لا تتحرك الأسعار صعوداً وهبوطاً بالسرعة نفسها مع تغير تلك الكلفة؟
لماذا ترتفع الأسعار بسرعة ولا تنخفض بالسرعة نفسها؟
وفقاً ليوسف، فإن ارتفاع الدولار يتحول سريعاً إلى مبرر لرفع الأسعار، حتى عندما تكون السلعة الموجودة لدى التاجر قد تم شراؤها بسعر صرف سابق.
ويشير إلى أن بعض التجار قد يسعرون مخزونهم ليس وفق كلفته التاريخية فقط، وإنما وفق تكلفة إعادة تكوين هذا المخزون، مع الأخذ في الاعتبار احتمال ارتفاع سعر الصرف مستقبلاً.
أما في حالة انخفاض الدولار، فتكون الاستجابة مختلفة، بحسب الخبير، إذ قد يتردد التجار في خفض الأسعار خشية أن يكون الانخفاض مؤقتاً، أو باعتبار أن الأسعار المرتفعة أصبحت مستوى سعرياً معتاداً.
ويربط يوسف هذه الظاهرة بثلاثة عوامل رئيسية: ضعف المنافسة، وغياب الرقابة الفعالة، وسيطرة بعض المتحكمين على السوق.
وهذا يعني أن السؤال لا يتعلق بسعر الدولار وحده، بل بمدى انتقال تغيرات سعر الصرف إلى السوق، وبالسرعة التي تنتقل بها تلك التغيرات إلى المستهلك.
الدولار مؤثر.. لكن تأثيره ليس متساوياً
لا يرى يوسف أن بالإمكان تحديد نسبة ثابتة لتأثير سعر الصرف في السعر النهائي لكل السلع.
فالسلعة المستوردة بالكامل تكون أكثر ارتباطاً بسعر الصرف، بينما تختلف درجة التأثير في السلع المحلية بحسب نسبة المكونات المستوردة الداخلة في إنتاجها.
إلى جانب الدولار، تدخل عناصر أخرى في معادلة التسعير، من بينها تكاليف النقل والطاقة والكهرباء والمشتقات النفطية، فضلاً عن تكاليف الإنتاج والتوزيع والتمويل.
لكن المشكلة، وفقاً لتحليل الخبير، أن هذه العوامل قد تتحول من مجرد مكونات حقيقية في التكلفة إلى مبررات لرفع السعر بنسبة تفوق أثرها الفعلي.
وبالتالي، فإن ارتفاع الدولار لا يعني بالضرورة أن السعر النهائي يجب أن يرتفع بالنسبة نفسها، كما أن انخفاضه لا يعني تلقائياً أن جميع الأسعار ستنخفض بالمقدار ذاته.
هوامش الربح.. أين تذهب الزيادة؟
من أكثر النقاط حساسية في معادلة الأسعار مسألة هوامش الربح.
يقدر يوسف أن هوامش أرباح كبار التجار والوسطاء في السوق السورية قد تكون مرتفعة بشكل واضح، مشيراً إلى أنها تختلف من سلعة إلى أخرى، وقد تتراوح، بحسب تقديره، بين 10% وأكثر من 100% في بعض الحالات.
ولا يتوقف الأمر عند هامش الربح وحده، إذ يرى أن تعدد حلقات الوساطة بين المنتج أو المستورد والمستهلك يؤدي إلى تراكم الهوامش في كل مرحلة، وبالتالي زيادة السعر النهائي.
لكن يوسف يلفت إلى مفارقة مهمة: حتى تقليص عدد الوسطاء لا يضمن بالضرورة انخفاض السعر، إذ قد تستحوذ الحلقات المتبقية على جزء من الهوامش التي كانت تحصل عليها الحلقات التي أُلغيت.
وبذلك، تصبح المشكلة أوسع من مجرد عدد الوسطاء، لتتعلق بدرجة المنافسة وقدرة كل طرف في سلسلة التوريد على فرض السعر.
كيف يعرف المواطن أن السعر عادل؟
في ظل تعقيد سلسلة التسعير، لا يملك المستهلك العادي أدوات كافية لمعرفة الكلفة الحقيقية للسلعة.
لكن يوسف يرى أن هناك مؤشرات يمكن للمواطن استخدامها للاستدلال على وجود مبالغة في السعر، أبرزها مقارنة السعر بين أكثر من بائع، ومعرفة ما إذا كانت السلعة محلية أو مستوردة، ومقارنة ارتفاع سعرها مع نسبة تغير سعر الصرف.
كما يمكن النظر إلى الفارق بين سعر الجملة وسعر المفرق، ومقارنة الأسعار المحلية بأسعار الدول المجاورة، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف تكاليف النقل والرسوم والضرائب والظروف الاقتصادية.
وتكتسب هذه المقارنات أهمية خاصة عندما ترتفع أسعار سلعة ما بنسب كبيرة بينما يكون تغير تكلفة أحد مدخلاتها محدوداً.
هل يؤدي فتح الاستيراد إلى خفض الأسعار؟
نظرياً، يمكن لزيادة المنافسة ودخول مستوردين جدد إلى السوق أن تضغط على الأسعار، لأن تعدد مصادر العرض يمنح المستهلك خيارات أكثر ويجبر التجار على المنافسة.
لكن يوسف يحذر من افتراض أن فتح الاستيراد سيؤدي تلقائياً إلى انخفاض الأسعار في السوق السورية.
ويرى أن ضعف المنافسة والنفوذ الاحتكاري والتواطؤ الضمني وسيطرة بعض الشبكات على الاستيراد، ولا سيما في بعض السلع الغذائية الأساسية ومواد البناء والأعلاف، قد تمنع انخفاض كلفة الاستيراد من الوصول بالكامل إلى المستهلك.
وبالتالي، فإن انخفاض التكلفة عند نقطة الاستيراد لا يعني بالضرورة انخفاض السعر على رف المتجر، ما لم تتوافر منافسة حقيقية وآليات تمنع إعادة توزيع الوفر لصالح هوامش الربح.
المواطن يدفع أكثر من كلفة السلعة
في توصيفه للواقع الحالي، يذهب يوسف بحسب تقديره، إلى أن المواطن السوري لا يدفع السعر الحقيقي للسلعة فقط، وإنما يتحمل أيضاً تكاليف إضافية مرتبطة بطريقة عمل السوق.
ويصف هذه الزيادات بأنها ضريبة احتكارية خفية، تتضمن، إلى جانب الكلفة الأساسية، أرباحاً إضافية في حلقات التوزيع وهوامش تحوط لمواجهة مخاطر السوق.
وهذه النقطة تفتح الباب أمام سؤال اقتصادي أكبر: هل ارتفاع الأسعار في سوريا ناتج بالكامل عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، أم أن جزءاً منه يرتبط بطريقة توزيع القوة بين أطراف السوق؟
ثلاثة شروط لخفض الأسعار
في مواجهة هذه الإشكالية، يحدد يوسف ثلاثة مسارات يرى أنها ضرورية لخفض الأسعار بصورة مستدامة، تبدأ بـاستقرار سعر الصرف، باعتباره عاملاً أساسياً في تكاليف السلع وتوقعات التجار.
أما المسار الثاني فيتمثل في كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة الحقيقية، بما يحد من قدرة طرف واحد أو مجموعة محدودة من الأطراف على التحكم بالعرض والأسعار.
ويأتي دعم الإنتاج المحلي ثالثاً، باعتباره وسيلة لتقليل الاعتماد على المدخلات والسلع المستوردة، وخلق عرض محلي قادر على المنافسة.
هل المشكلة في الدولار أم في السوق؟
تكشف قراءة يوسف أن اختزال مشكلة الأسعار في سوريا بسعر الدولار وحده قد يكون تبسيطاً لمعادلة أكثر تعقيداً.
فسعر الصرف يؤثر في كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، لكن النقل والطاقة والرسوم وتكاليف الإنتاج والتوزيع وهوامش الربح والمنافسة كلها تدخل في السعر النهائي.
وفي المقابل، فإن طريقة استجابة السوق لهذه المتغيرات تحدد مقدار ما يصل من الارتفاع أو الانخفاض إلى المستهلك.
وبحسب خلاصة خبير الأسعار، فإن ارتفاع الأسعار في سوريا يرتبط بتقلبات سعر الصرف والصدمات في تكاليف الإنتاج والطاقة والمشتقات النفطية، إضافة إلى زيادات الرواتب، التي يمكن أن تتحول جميعها إلى مبررات لرفع الأسعار، فيما لا تنخفض الأسعار بالسرعة نفسها عند تراجع بعض هذه العوامل.
الخلاصة
السؤال الذي يواجه المواطن السوري في السوق ليس فقط: كم أصبح سعر الدولار؟ بل أيضاً: كم يجب أن يصبح سعر السلعة بعد تغير الدولار؟
وهنا تكمن الفجوة بين الكلفة والسعر النهائي. فكلما كانت السوق أكثر تنافسية وشفافية، يفترض أن يكون انتقال تغيرات الكلفة إلى الأسعار أكثر وضوحاً، بينما يؤدي ضعف المنافسة وتعدد حلقات التوزيع وارتفاع مخاطر السوق إلى مساحة أكبر لاجتهادات التسعير.
وبالتالي، فإن معالجة الأسعار لا تبدو مرتبطة بإجراء واحد، بل بمعادلة متكاملة تبدأ باستقرار سعر الصرف، وتمر بضبط الاحتكار وتعزيز المنافسة، وتنتهي بزيادة الإنتاج المحلي.


