سوريا - اقتصاد
تحديات تواجه مسارات "حلم الشرق الأوسط" العابر من سوريا.. من يفك عقدة التمويل؟
ن
نورا حربا
نشر في: ١٩ يوليو ٢٠٢٦، ١٣:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لطالما امتلكت سورية موقعاً جغرافياً متميزاً كعقدة وصل بين دول الخليج والبحر المتوسط من جهة، وبين قارة أوروبا ومنطقة الخليج والسعودية من جهة أخرى. إلا أن سنوات الحرب الماضية جعلتها تخسر تلك الميزة، واليوم، مع عودة سورية إلى مكانتها الطبيعية إقليمياً ودولياً، تسعى لاستخدام الميزة التي تمتلكها. ولكن هل ما زالت شبكة الطرق البرية تسمح لها بممارسة هذا الدور...؟
أولويات التأهيل العاجلة
يرى الخبير في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي، في حديثه لـ"العين السورية"، أن شبكة الطرق السورية تعاني من تراجع فني ملحوظ نتيجة الدمار الحربي، وغياب الصيانة الدورية، والضغط الشديد من الشاحنات الثقيلة. ويظهر هذا التفاوت بوضوح بين المحاور الرئيسية والطرق الثانوية، خاصة في المناطق الشرقية والجنوبية وخطوط الربط الدولي.
وتتمثل الأولويات العاجلة في صيانة المحاور الدولية مثل طريق M5 (نصيب-دمشق-حمص-حماة-سراقب-حلب)، وإعادة إعمار الجسور والأنفاق المدمرة في دير الزور والرقة والمناطق الشرقية، إضافة إلى التحول من الصيانة "الترقيعية" إلى منهج علمي يعتمد على تقنيات المسح الليزري ثلاثي الأبعاد مثل نظام ROMDAS LCMS.
آليات التمويل المستدام
يُعد توجه وزارة النقل، وفق كويفي، نحو خطة تأهيل شاملة بالتعاون مع شركات وخبرات دولية خطوة إيجابية استراتيجية. ويشمل ذلك الانتقال من "إسعاف الأعطال" إلى التخطيط المنهجي. ولضمان النجاح، يجب جذب الاستثمارات عبر تفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وتطبيق نظام الطرق المأجورة (Tolling) على الأوتوسترادات الرئيسية والشاحنات الثقيلة لتوليد إيرادات مستدامة تغطي تكاليف الصيانة.
دور إستراتيجي
تمتلك سوريا، بحسب كويفي، موقعاً جغرافياً متميزاً يؤهلها لتصبح ممراً برياً مكملاً أو بديلاً عن الممرات البحرية المضطربة مثل مضيق هرمز. ويتطلب تحقيق ذلك تطوير منظومة نقل متعددة الوسائط تجمع الطرق السريعة مع إحياء شبكة السكك الحديدية لنقل البضائع الثقيلة بكفاءة وتكلفة أقل، وتحديث الموانئ في اللاذقية وطرطوس. ويأتي تأهيل المطارات والنقل الجوي كعامل مساعد أساسي، خاصة مطار دمشق الدولي ومطارات حلب واللاذقية، لتسهيل نقل الركاب والشحن عالي القيمة وتعزيز الربط الدولي السريع.
فرصة تاريخية
ويختم كويفي بالقول إن تحسين منظومة النقل في سوريا يمثل فرصة تاريخية للنهوض الاقتصادي والتكامل الإقليمي. وباعتقاده، فإن دمج الطرق المأجورة، وإحياء السكك الحديدية، وتأهيل المطارات، والنقل الجماعي الصديق للبيئة، وبرامج تنظيم المركبات القديمة، يشكل منظومة متكاملة ضرورية للنجاح.
خطة شاملة
بادرت الدولة السورية إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات ضمن خطة شاملة لتأهيل شبكة الطرق البرية والسكك الحديدية والمعابر البرية. وفي هذا السياق، أعلن مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش عن توجه رسمي لتأسيس منفذ حدودي جديد مع الأردن، ليكون بديلاً عن مركز "جمرك درعا القديم"، الذي خرج من الخدمة منذ نحو 11 عاماً نتيجة الدمار الذي لحق ببنيته التحتية.
وأكد علوش أن الجهات المختصة أنهت، بالتنسيق مع مجلس محافظة درعا، مرحلة حصر ملكية الأراضي الواقعة عند نقطة التماس الحدودية المباشرة مع الجانب الأردني، والمقرر أن تكون المنطقة التي سينشأ فيها المنفذ الجديد، حيث تبين أن هذه العقارات ملكيات خاصة.
وأشار إلى أنه لا يوجد جدول زمني محدد لتنفيذ وفتح المعبر الجديد حتى الآن، وأن الأولوية ستكون لاستملاك الأراضي على الحدود في درعا، ووضع الدراسات الهندسية التي سيتحدد بناءً عليها الوقت الفعلي المطلوب لإنجاز المشروع.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية مضاعفة في ضوء الدور الذي تؤديه المعابر في تنشيط النقل والتجارة، لأن الطريق الدولي لا يكتمل أثره الاقتصادي من دون منفذ حدودي مجهز، وإجراءات جمركية مرنة، وبنية تشغيلية قادرة على استيعاب الشاحنات والمسافرين، وربط الحركة الحدودية بشبكة طرق داخلية مؤهلة وآمنة.
مناقصات
هذا وأعلن وزير النقل يعرب بدر، مؤخراً، عن إجراءات وشروط المناقصات الخاصة بالمشاريع الطرقية في سوريا، مؤكداً إطلاق سبعة إعلانات استدراج عروض داخلية وخارجية لتنفيذ مشاريع استراتيجية لتأهيل شبكة الطرق الدولية في البلاد.
وأوضح بدر أن المشاريع تتضمن إعادة تأهيل طريق نصيب-دمشق "أوتوستراد درعا الدولي"، وطريق دمشق-حمص، وطريق حمص-حلب، مع وصلة سراقب-إدلب، بما يشكل محور "إم 5" الواصل بين الحدود التركية والأردنية، وهو المحور الذي يعد العمود الفقري للحركة البرية السورية، وأحد أهم خطوط التجارة والترانزيت في المشرق.
كما شملت الإعلانات مشروعين لإنشاء فرع ثان لطريق دمشق-تدمر، وطريق تدمر-دير الزور، بهدف تحويلهما إلى طريقين مزدوجين، إضافة إلى طرح إعلانين منفصلين لشركات استشارية دولية للإشراف على تنفيذ مشاريع إعادة التأهيل وإنشاء الفرع الثاني، بما يعكس توجهاً حكومياً نحو رفع جودة التنفيذ والرقابة الفنية، والاستفادة من الخبرات الخارجية في المشاريع الكبرى.
خطة شاملة
وكانت وزارة النقل باشرت تنفيذ خطة شاملة لإعادة تأهيل الطرق المركزية في سوريا، بما يتوافق مع أحدث المعايير والتجهيزات المعتمدة عالمياً، ضمن جهود تطوير البنية التحتية لقطاع النقل. كما أكد أن الوزارة تعمل على استقطاب عروض من شركات أجنبية للمشاركة في مشاريع إعادة التأهيل، بهدف تنفيذها وفق أعلى المواصفات الفنية.
ممرات ترانزيت
وتحظى مناطق الشمال الشرقي بأولوية خاصة في هذه الخطة، نظراً لأهميتها الاقتصادية والجغرافية في المرحلة المقبلة، إذ تهدف المشاريع إلى رفع كفاءة شبكة الطرق، وتعزيز السلامة المرورية، ودعم النشاط الاقتصادي، ضمن خطة وطنية شاملة لتحديث قطاع النقل البري.
وتعمل الحكومة بالتعاون مع البنك الدولي، على توفير دعم فني وتمويلي لتأهيل خطوط السكك الحديدية في سوريا، بقيمة تقديرية تتراوح بين 65 و200 مليون دولار، على شكل منح لا قروض، مع تركيز الأولوية على إعادة تفعيل السكك الحديدية كممر ترانزيت يربط تركيا بسوريا والأردن والعراق.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارتا النقل والمالية إطلاق خطة عاجلة لإعادة تأهيل الجسور والطرق الحيوية في سوريا، بهدف تحسين شبكة النقل وتسريع حركة التنقل بين المحافظات.
تحديات
وحول السكك الحديدية، أشار بدر إلى أن المؤسسة العامة للسكك الحديدية تواجه تحديات كبيرة نتيجة خروج أكثر من نصف شبكة السكك عن الخدمة، داعياً القطاع الخاص إلى الإسهام في إعادة تأهيل وتشغيل خطوط الشبكة، بما يدعم حركة النقل والتنمية الاقتصادية، ويعيد لهذا القطاع دوره في تخفيف الضغط عن الطرق، وتوفير كلفة نقل أقل للبضائع والركاب.
تأهيل مرافق أساسية
تبلغ أطوال الطرق التي تخضع لإشراف المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية نحو 9550 كيلومتراً من الطرق المركزية التي تربط بين المحافظات السورية، ومن ضمنها نحو 1620 كيلومتراً من الطرق الرئيسية "الأوتوسترادات"، وتحتاج معظم هذه الطرق إلى صيانة وإعادة تأهيل، بسبب الأضرار المتراكمة وغياب الصيانة الكافية خلال سنوات الحرب وما قبلها.
ولا تقتصر أهمية مشاريع الطرق – وفق خبراء - على تحسين حركة النقل وتقليل الحوادث، رغم أهمية ذلك، بل تمتد إلى دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وخفض كلفة نقل البضائع، وتحسين وصول المواد الأولية والأسواق، وتسهيل حركة المسافرين، وربط المرافئ والمناطق الصناعية والمعابر الحدودية بشبكة حديثة ترفع قدرة الاقتصاد السوري على التعافي والنمو.
كما أن إعادة تأهيل الطرق والجسور والسكك الحديدية تمثل شرطاً أساسياً لأي دور مستقبلي لسوريا في مشاريع الممرات الإقليمية، سواء في اتجاه الخليج والأردن والعراق وتركيا، أو باتجاه البحر المتوسط والموانئ السورية. فالدولة التي تسعى إلى استعادة موقعها كممر تجاري وطاقوي تحتاج إلى بنية نقل متماسكة، قادرة على تحمل أحجام كبيرة من الحركة، وتطبيق معايير سلامة وتشغيل حديثة.
ويُجمع خبراء جيو استراتيجيين، على أن إطلاق استدراج العروض الخاصة بتأهيل شبكة الطرق الدولية، والتوجه إلى تطوير السكك الحديدية والجسور والمنافذ الحدودية، يعكس انتقال ملف النقل في سوريا من مرحلة المعالجة الجزئية إلى مرحلة الرؤية الاستراتيجية. فالطرق جزء من بنية الدولة الاقتصادية، ومن موقع سوريا في خرائط التجارة والطاقة والممرات الآمنة. وكلما تقدمت عملية التأهيل وفق معايير حديثة، اقتربت البلاد من استعادة دورها الطبيعي كجسر بري بين الشرق والغرب، وبين الخليج والبحر المتوسط.
عقدة التمويل
يبدو أن الجهات المعنية ممثلة بوزارة النقل تعلم الحلول وتمتلك الخبرات والأدوات، إلا أنها تفتقر إلى التمويل اللازم. فالمسألة بحاجة إلى موازنة ضخمة من المؤكد أنها غير متاحة في الوقت الحالي، إلا أن تنفيذ هذه الخطة ضرورة، سيما مع النتائج المتوقعة من إتمامها. وهنا يتوجب على الدولة السورية أن تساهم في تأمين التمويل اللازم، ربما عبر إعادة تحديد الأولويات الوطنية أو عبر التعاون الدولي، سيما وأن العالم اليوم برمته يبحث عن بديل لمضيق هرمز الذي تؤكد المعطيات أنه سيبقى يشهد تأزماً قد يستغرق سنوات...


