سوريا - اقتصاد
بورصة دمشق أمام الاختبار الأصعب.. هل تتحول إلى ماكينة تمويل؟
ارتفاع القيمة السوقية وتراجع التداول يفتحان سؤالاً جوهرياً: هل تنجح بورصة دمشق في جذب رأس مال جديد وتمويل الشركات والاستثمارات
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٨ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٨:٤٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

السؤال ليس تفصيلاً فنياً. ففي اقتصاد يحتاج إلى استثمارات جديدة وتوسيع الإنتاج وإعادة تشغيل الشركات، تصبح قدرة سوق الأوراق المالية على جذب مدخرات جديدة وتحويلها إلى رأسمال أداة تمويل محتملة لا تقل أهمية عن المصارف.
وتظهر بيانات سوق دمشق للأوراق المالية أن قيمة التداول بلغت في عام 2025 نحو 501.4 مليار ليرة سورية قديمة، فيما وصل حجم التداول إلى نحو 108.7 ملايين سهم، وبلغ عدد الصفقات 50,611 صفقة. وفي الوقت نفسه ارتفعت القيمة السوقية للأسهم المدرجة إلى نحو 25 تريليون ليرة سورية قديمة.
لكن قراءة الأرقام من زاوية التمويل تكشف صورة مختلفة عن الانطباع الذي قد تعطيه قيمة التداول وحدها
38% من قيمة التداول جاءت من صفقات ضخمة
تكشف بيانات السوق أن نحو 188.8 مليار ليرة سورية قديمة من قيمة تداولات 2025 جاءت من الصفقات الضخمة، أي ما يقارب 38% من إجمالي قيمة التداول.
تكشف بيانات السوق أن نحو 188.8 مليار ليرة سورية قديمة من قيمة تداولات 2025 جاءت من الصفقات الضخمة، أي ما يقارب 38% من إجمالي قيمة التداول.
في المقابل، لم تضف هذه الصفقات سوى 52 صفقة إلى إجمالي عدد الصفقات البالغ 50,611، أي نحو %0.1 فقط من عدد الصفقات.
وعند استبعاد الصفقات الضخمة، تنخفض قيمة التداول في 2025 إلى نحو 312.6 مليار ليرة سورية قديمة.
ولا يعني ذلك أن الصفقات الضخمة غير مهمة للسوق، لكنها تجعل قراءة قيمة التداول الإجمالية بحاجة إلى قدر أكبر من الحذر. فارتفاع القيمة قد ينتج أحياناً عن عدد محدود من العمليات الكبيرة، وليس بالضرورة عن اتساع قاعدة التداول وزيادة مشاركة المستثمرين.
وتزداد المفارقة وضوحاً عند مقارنة عامي 2024 و2025. فقد بلغت قيمة التداول نحو 1.004 تريليون ليرة سورية قديمة في 2024، قبل أن تنخفض إلى نحو 501.4 مليار ليرة في 2025، بتراجع يقارب النصف.
ومع ذلك، ارتفعت القيمة السوقية في نهاية 2025 بنحو 36.6% إلى نحو 25 تريليون ليرة سورية قديمة.
وهنا يصبح السؤال أكثر تحديداً :إذا كانت القيمة السوقية ترتفع، بينما يتراجع التداول، فما الذي يعكسه هذا الارتفاع فعلياً؟
التداول ليس تمويلاً
الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين في حديثه لــ "لعين السورية" يضع الفاصل الأساسي عند التمييز بين السوق الثانوية والسوق الأولية.
فعندما يشتري مستثمر أسهماً من مستثمر آخر في السوق الثانوية، تنتقل ملكية الأسهم والسيولة من طرف إلى آخر، لكن الشركة نفسها لا تحصل على أموال جديدة.
أما عندما تطرح الشركة أسهماً جديدة للاكتتاب أو تنفذ زيادة رأسمال نقدية، فإن الأموال تدخل إلى الشركة مباشرة، ويمكن استخدامها في توسيع الإنتاج أو شراء الأصول أو تمويل الاستثمارات.
وبالتالي، فإن ارتفاع قيمة التداول قد يكون مؤشراً إلى تحسن السيولة وإمكانية بيع وشراء الأسهم، لكنه لا يكفي وحده للقول إن البورصة تمول الاقتصاد.
ويرى محي الدين أن هذا التفريق ضروري عند قراءة أداء السوق السورية، لأن جزءاً من النشاط يمكن أن يعكس إعادة توزيع ملكية الأسهم بين المستثمرين، من دون أن يتحول إلى استثمار جديد داخل الشركات.
ويضيف أن زيادة رأس المال نفسها ليست دائماً مرادفاً لدخول أموال جديدة. فهناك فرق بين زيادة رأسمال تتم من خلال ضخ أموال نقدية جديدة من المساهمين، وبين زيادة تتم عبر رسملة الأرباح أو الاحتياطيات وتوزيع أسهم مجانية.
في الحالة الثانية، يرتفع رأس المال الاسمي للشركة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة دخول سيولة جديدة إلى خزينة الشركة.
وهنا تكمن إحدى أهم الفجوات بين ارتفاع أرقام سوق الأسهم وبين قدرتها الفعلية على تمويل النشاط الاقتصادي.
القيمة السوقية لا تعني بالضرورة عمق السوق
لا تكفي القيمة السوقية وحدها للحكم على قدرة البورصة على تمويل الاقتصاد.
فالسوق العميقة ليست مجرد سوق ترتفع فيها أسعار الأسهم أو القيمة الإجمالية للشركات، وإنما سوق تضم عدداً واسعاً من الشركات والقطاعات والمستثمرين، وتتمتع بسيولة كافية، وتستطيع الشركات من خلالها الوصول إلى رأس مال جديد.
وتشير بيانات التداول إلى استمرار التركّز في عدد محدود من الأسهم والقطاعات.
وفي النصف الأول من 2026، وفق بيانات السوق، استحوذ القطاع المصرفي على 51.48% من قيمة التداول، والقطاع الصناعي على 47.88%، فيما لم تتجاوز حصة الخدمات والتأمين معاً نحو 0.64%.
كما استحوذ عدد محدود من الشركات على الجزء الأكبر من التداول، وفي مقدمتها شركة أسمنت البادية بقيمة تداول تجاوزت مليار ليرة سورية جديدة خلال النصف الأول من العام، تلتها مجموعة من الأسهم المصرفية.
هذه التركيبة تعني أن البورصة لا تزال بعيدة عن تمثيل مختلف قطاعات الاقتصاد السوري بصورة متوازنة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري أن المشكلة أعمق من مجرد حجم التداول، إذ يعتبر أن السوق تضم عدداً محدوداً من الشركات المدرجة لا يتجاور 28 شركة، بينما يتركز النشاط الفعلي في نحو خمس أو ست شركات، معظمها من القطاع المصرفي، مع حضور محدود لبعض الشركات الصناعية وغيرها.
وبحسب الحاري، فإن البورصة تعكس إلى حد كبير حالة الاقتصاد الذي تعمل داخله. فإذا كان الاقتصاد ينمو ويتوسع، يفترض أن يظهر ذلك في اتساع قاعدة الشركات والمستثمرين وحجم التداول واستدامته، وليس فقط في ارتفاع أسعار عدد محدود من الأسهم.
لماذا لا تستخدم الشركات البورصة للحصول على المال؟
إذا كانت البورصة قادرة نظرياً على توفير مصدر مباشر لرأس المال، فلماذا لا تتجه إليها أعداد أكبر من الشركات السورية؟
يضع محي الدين جزءاً من الإجابة في طبيعة الشركات نفسها، ولا سيما الشركات العائلية، التي قد تكون مترددة في الانتقال إلى نموذج الشركة المساهمة العامة بسبب متطلبات الإفصاح والحوكمة، أو بسبب الخوف من فقدان السيطرة على الشركة.
كما أن الإدراج يعني مستوى أعلى من الشفافية والإفصاح عن البيانات المالية، وهو ما قد يمثل عائقاً أمام بعض الشركات التي اعتادت العمل ضمن هياكل ملكية مغلقة.
لكن المشكلة لا تتعلق بالشركات وحدها، فحتى لو قررت شركة الإدراج، فإنها تحتاج إلى سوق قادرة على جذب المستثمرين الذين يملكون السيولة والاستعداد للاحتفاظ بالاستثمار لفترات طويلة.
ويرى الحاري أن ثقافة الاستثمار نفسها تمثل أحد العوائق، إذ يفضل جزء من المستثمرين تحقيق عوائد سريعة، بينما يحتاج الاستثمار في الأسهم إلى رؤية أطول ترتبط بأرباح الشركات ونموها وتوزيعاتها.
ويضاف إلى ذلك ضعف عمق السوق وقلة الأسهم المتداولة بصورة نشطة، ما يجعل دخول المستثمر أو خروجه من بعض الأسهم أكثر صعوبة.
البورصة تحتاج إلى شركات جديدة وأموال جديدة
إذا كان الهدف هو تحويل بورصة دمشق من سوق لتبادل الملكيات إلى قناة لتمويل الاقتصاد، فإن زيادة عدد الصفقات وحدها لن تكون كافية.
ويطرح محي الدين مجموعة من المسارات التي يمكن أن توسع دور السوق، تبدأ من زيادة عدد الشركات القابلة للإدراج، وتحفيز الشركات الخاصة والعائلية على التحول إلى شركات مساهمة، وصولاً إلى تطوير أدوات تمويل جديدة.
ومن بين هذه الأدوات الاكتتابات العامة وزيادات رأس المال النقدية والسندات والصكوك وصناديق الاستثمار، إلى جانب توسيع قاعدة القطاعات والشركات المدرجة.
ويرى محي الدين أن دخول مؤسسات مالية وشركات جديدة إلى السوق يمكن أن يزيد عمقها، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع إصلاحات في الحوكمة والإفصاح والبيئة الضريبية والإجرائية.
أما الحاري، فيركز على مشكلة السيولة ودور صانع السوق، ويرى أن وجود جهة قادرة على ضخ السيولة والتعامل مع العرض والطلب يمكن أن يساعد في خلق سوق أكثر عمقاً واستقراراً.
ويقترح في هذا السياق وجود كيان استثماري قادر على العمل كصانع سوق والاستثمار في الشركات المدرجة، بما يساعد على تحريك الأسهم وزيادة جاذبية السوق للمستثمرين.
من سوق للأسهم إلى أداة لإعادة بناء الاقتصاد
تكمن أهمية هذا النقاش في أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى مصادر تمويل تتجاوز القنوات التقليدية.
فالمصارف تستطيع تقديم الائتمان، لكن سوق رأس المال يمكن أن تؤدي وظيفة مختلفة: جمع مدخرات عدد كبير من المستثمرين وتحويلها إلى ملكية في الشركات ومشروعاتها.
وفي حال تطوير هذه الوظيفة، يمكن أن تصبح البورصة منصة لتمويل توسع الشركات القائمة، وإدخال شركات جديدة إلى السوق، وتمويل مشروعات إنتاجية، بل والمساهمة مستقبلاً في تمويل مشاريع إعادة الإعمار من خلال أدوات مالية متنوعة.
لكن ذلك يتطلب تغييراً في طبيعة العلاقة بين الشركات والسوق، فالشركة التي تدخل البورصة فقط لتوفير سوق ثانوية لأسهمها لا تحقق كامل القيمة الاقتصادية من الإدراج. القيمة الأكبر تظهر عندما تستطيع استخدام السوق للحصول على رأس مال جديد ثم تحويله إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل.
وهنا تحديداً يصبح الفرق بين السوق الثانوية والسوق الأولية أكثر من مجرد تعريف مالي؛ إنه الفرق بين تداول الثروة الموجودة وخلق قدرة إنتاجية جديدة.
الاختبار الحقيقي: كم من المال الجديد دخل إلى الاقتصاد؟
تكشف تجربة بورصة دمشق خلال السنوات الأخيرة أن السوق قادرة على تسجيل ارتفاعات كبيرة في التداول. لكن هذه الارتفاعات لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم بالنسبة للاقتصاد السوري.
ففي عام 2024 وصلت قيمة التداول إلى نحو تريليون ليرة سورية قديمة، ثم انخفضت في 2025 إلى نحو نصف تريليون، بينما ارتفعت القيمة السوقية للشركات المدرجة.
وفي النصف الأول من 2026، سجلت السوق أكثر من 2.4 مليار ليرة سورية جديدة من قيمة التداول، مع تحسن واضح في مؤشرات السوق.
لكن يبقى السؤال: كم من هذه الأموال كان تداولاً بين المستثمرين، وكم منها تحول فعلياً إلى تمويل جديد للشركات؟
بالنسبة إلى محي الدين، هذا هو المؤشر الذي يجب أن يحكم على نجاح السوق خلال السنوات المقبلة، وليس ارتفاع مؤشر الأسعار أو عدد الصفقات وحدهما.
فالمقياس الحقيقي، برأيه، هو مقدار رأس المال الجديد الذي تستطيع البورصة تعبئته وتوجيهه إلى الشركات والمشروعات المنتجة.
وبذلك، فإن مستقبل بورصة دمشق لا يتحدد فقط بارتفاع مؤشراتها أو زيادة قيمة التداول، بل بقدرتها على الانتقال من مرحلة تداول الأسهم الموجودة إلى مرحلة إصدار رأس مال جديد.
عندها فقط يمكن القول إن البورصة بدأت تؤدي دوراً اقتصادياً يتجاوز كونها سوقاً لتبادل الملكية، لتصبح قناة فعلية لتحويل المدخرات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى إنتاج، والإنتاج إلى نمو وفرص عمل.
أما إذا بقي الجزء الأكبر من النشاط محصوراً في إعادة بيع الأسهم بين المستثمرين، فستظل بورصة دمشق سوقاً للأوراق المالية أكثر منها سوقاً لتمويل الاقتصاد.


