سوريا - اقتصاد
أموال إلكترونية والكاش غائب.. هل تكشف الشكاوى أزمة سيولة؟
شكاوى من صعوبة السحب وعمولات تتجاوز المعتمد تفتح سؤالاً عن الفجوة بين الرصيد الإلكتروني وتوافر الكاش في السوق السورية.
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٧ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أعادت شكاوى مستخدمي "شام كاش" بشأن صعوبة السحب وارتفاع بعض العمولات في عدد من المناطق فتح سؤال أكبر من حدود الخدمة نفسها: هل ما يحدث مجرد مخالفات فردية لدى بعض مكاتب الصرافة والوكلاء، أم أنه يعكس مشكلة أوسع تتعلق بتوافر السيولة النقدية في السوق السورية؟
"شام كاش" تنفي وجود سقف قدره 20 ألف ليرة سورية للسحب، وتؤكد أن عمولة السحب المعتمدة تبلغ 3 بالألف كحد أقصى، فيما تقول إن أي رسوم إضافية أو سقوف تفرضها بعض الجهات لا تمثل سياسة معتمدة لديها.
كما تؤكد الشركة عدم وجود مؤشرات على مشكلة عامة في السيولة، وتقول إن الحالات المسجلة تبقى استثنائية مقارنة بحجم عمليات السحب والإيداع.
لكن القراءة الاقتصادية للمشهد تطرح احتمالاً مختلفاً: قد تكون بعض هذه الحالات نتيجة تداخل بين مخالفات فردية ومشكلة سيولة أوسع، خصوصاً إذا كانت صعوبات الحصول على النقد تتكرر في أكثر من محافظة وتستمر لفترات طويلة.
شام كاش: لا سقف بـ20 ألف ليرة وعمولة السحب 3 بالألف
بحسب مدير إدارة التسويق والعلاقات العامة في "شام كاش" محمد بسيكي، لا تعتمد الشركة مبلغ 20 ألف ليرة سورية كسقف أعلى للسحب، وأي سقوف تفرضها بعض الفروع أو الجهات لا تمثل سقفاً معتمداً من الشركة.
وتحدد "شام كاش" الحد الأقصى لعمولة السحب عند 3 بالألف من قيمة العملية، مع إمكانية أن تقدم الشركات المعتمدة عمولات أقل ضمن هذه الحدود.
وتقول "شام كاش" إنها لا تحصل على أي جزء من هذه العمولات، وإنها تعود إلى الشركات المقدمة للخدمة لتغطية تكاليفها التشغيلية واللوجستية.
وتضم شبكة الخدمة، وفق الشركة، 29 شركة معتمدة تقدم خدمات السحب والإيداع عبر فروع ووكلاء في مختلف المحافظات.
إذا أين تبدأ المشكلة؟
المشكلة الاقتصادية لا تتوقف عند قيمة العمولة المعلنة، وإنما تظهر عند محاولة المستخدم تحويل رصيده الإلكتروني إلى نقد.
فوجود الأموال في المحفظة لا يعني بالضرورة قدرة صاحبها على الحصول عليها نقداً في أي وقت ومن أي نقطة خدمة. وإذا كان المستخدم يواجه رفضاً للسحب، أو سقفاً غير معلن، أو يضطر إلى دفع عمولة أعلى من المعتمدة، فإن الفجوة تصبح بين القيمة الرقمية الموجودة في الحساب والسيولة النقدية المتاحة فعلياً.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديث لــ "للعين السورية" أن تفسير هذه الظاهرة قد لا يكون محصوراً بالمخالفات الفردية، مرجحاً وجود تداخل بين مخالفات لدى بعض الجهات ومشكلة سيولة هيكلية أوسع، خصوصاً مع ورود شكاوى من عدة محافظات.
ويشير الزعبي إلى أن الفارق مهم في تشخيص المشكلة: فإذا كانت الصعوبات محصورة في مكتب أو جهة محددة، فقد تكون المشكلة تشغيلية، أما انتشارها في مناطق متعددة واستمرار الشكاوى لأسابيع فيمكن أن يكون مؤشراً على مشكلة تتجاوز العطل التشغيلي.
عندما يصبح الكاش نادراً: هل يدفع السوريون سعراً إضافياً للسحب؟
الأكثر دلالة اقتصادياً هو ما يحدث عندما يملك المواطن رصيداً إلكترونياً، لكنه يدفع مبلغاً إضافياً للحصول على النقد.
فبحسب الزعبي، فإن فرض عمولات أعلى بكثير من النسبة المعلنة يمكن أن يعني أن النقد الورقي أصبح أكثر ندرة من الرصيد الإلكتروني، وبالتالي بدأت تظهر علاوة سعرية للحصول عليه.
وهنا لا تعود المسألة مجرد مخالفة لجدول العمولات، بل تتحول إلى مشكلة في العلاقة بين السيولة الرقمية والسيولة النقدية.
ويحذر الخبير من أن استمرار هذه الظاهرة قد يدفع المستخدمين إلى التعامل مع الرصيد الإلكتروني باعتباره أقل قيمة من النقد، رغم أن الاثنين يفترض أن يكونا متكافئين في القيمة الاسمية.
وهذا تحديداً ما يمكن أن يضرب الثقة بالمحافظ الإلكترونية في مرحلة يفترض أن تتوسع فيها سوريا في استخدام أدوات الدفع الرقمي.
هل بدأت سوق موازية لتحويل الرصيد إلى نقد؟
الجانب الأكثر حساسية في القضية هو احتمال نشوء سوق غير رسمية لتحويل الرصيد الإلكتروني إلى نقد.
ويقول الزعبي إن بعض المواطنين قد يلجؤون إلى محال تجارية أو وسطاء يقبلون تحويل الرصيد من "شام كاش" مقابل الحصول على النقد بعمولات مرتفعة، مع اختلاف السعر بحسب درجة ندرة السيولة في كل منطقة.
وفي حال اتساع هذه الممارسة، فإن السوق قد تنتقل من مجرد مخالفة فردية إلى سوق موازية لخدمات تحويل الرصيد الإلكتروني إلى نقد، تعمل خارج القنوات الرسمية وتفرض سعراً تحدده ندرة الكاش والطلب عليه.
وهنا تصبح القضية أكثر تعقيداً، لأن المستخدم الذي يفترض أن يستفيد من الدفع الإلكتروني لتقليل كلفة التعاملات قد يجد نفسه أمام كلفة إضافية عندما يحتاج إلى النقد.
من المسؤول عن ضبط العمولات؟
"شام كاش" تؤكد وجود قنوات مخصصة لاستقبال الشكاوى المتعلقة بالسحب والإيداع، وتقول إنها تتحقق من الحالات المسجلة وتتخذ الإجراءات المناسبة بحق الجهات المخالفة، والتي قد تصل إلى إيقاف اعتماد الجهة.
لكن الشركة تميز في الوقت نفسه بين دورها التقني والتشغيلي وبين مسؤولية تنظيم ورقابة شركات الصرافة والحوالات.
وهذه نقطة أساسية في تحديد المسؤولية؛ إذ يرى الزعبي أن "شام كاش" مسؤولة عن منظومتها وعلاقتها بالشركات والوكلاء المعتمدين، بينما تقع المسؤولية الأساسية عن الرقابة المالية والتنظيمية على الجهات الرسمية المختصة، وفي مقدمتها مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية ضمن الملفات التي تدخل في اختصاص كل جهة.
وبالتالي، فإن معالجة المشكلة لا تتطلب فقط معاقبة مكتب يخالف سقف العمولة، بل تحتاج أيضاً إلى التأكد من أن شبكة السحب تمتلك السيولة الكافية لتلبية الطلب، خصوصاً في الفترات التي تُحوّل فيها الرواتب والمستحقات إلى المحافظ الإلكترونية.
الراتب الرقمي لا يكفي إذا تعذر سحبه
تزداد أهمية المسألة مع توسع استخدام المحافظ الإلكترونية في دفع الرواتب والخدمات.
فقد يصبح تحويل الراتب إلى محفظة إلكترونية خطوة ناجحة تقنياً، لكنها لا تحقق الغاية الاقتصادية منها إذا لم يتمكن الموظف من استخدام الرصيد بسهولة، سواء في الدفع المباشر أو السحب النقدي عند الحاجة.
وتحذر قراءة الزعبي من أن تحويل الرواتب إلى محافظ إلكترونية من دون توفير بنية كافية لتأمين السيولة النقدية قد يؤدي إلى أزمة سيولة مركبة : الأموال موجودة رقمياً، لكن جزءاً من المستخدمين يريدون تحويلها إلى أوراق نقدية، في وقت تواجه فيه السوق قيوداً أو صعوبات في الحصول على الكاش.
والنتيجة قد تكون اقتصاداً رقمياً يحتفظ بسلوك نقدي؛ أي استخدام المحفظة كوسيلة مؤقتة لتداول الأموال قبل سحبها، بدلاً من أن تتحول إلى أداة تقلل الاعتماد على النقد.
الخطر الأكبر هو الثقة
في النهاية، لا يقاس نجاح المحافظ الإلكترونية بعدد الحسابات أو حجم العمليات فقط، وإنما بقدرة المستخدم على الوثوق بأن أمواله متاحة له عندما يحتاجها.
إذا كان الرصيد الظاهر على الهاتف قابلاً للدفع الإلكتروني في بعض الحالات، لكن الوصول إليه نقداً يصبح صعباً أو مكلفاً في حالات أخرى، فقد يبدأ المستخدم في تقييم الرصيد الإلكتروني على أساس مختلف عن قيمته الاسمية.
وهنا تكمن المخاطرة الأكبر، فقدان الثقة لا يؤثر فقط في "شام كاش"، بل يمكن أن ينعكس على مسار الشمول المالي والتحول الرقمي في سوريا بأكمله.
وكلما اتسعت الفجوة بين الرصيد الإلكتروني والسيولة النقدية، زادت احتمالات لجوء المستخدمين إلى السحب المبكر، أو الاحتفاظ بالنقد، أو التعامل مع وسطاء خارج النظام الرسمي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي خلف شكاوى السحب والإيداع ليس فقط: هل خالف بعض مكاتب الصرافة التعليمات؟
بل: هل تستطيع منظومة الدفع الإلكتروني في سوريا أن تضمن أن كل ليرة موجودة على الشاشة يمكن تحويلها إلى قيمة قابلة للاستخدام فعلياً، من دون تكلفة إضافية أو سوق موازية؟
وهذا الاختبار قد يكون أهم من عدد المحافظ أو حجم التحويلات في قياس نجاح التحول الرقمي المالي في سوريا.
وهذا الاختبار قد يكون أهم من عدد المحافظ أو حجم التحويلات في قياس نجاح التحول الرقمي المالي في سوريا.


