سوريا - محليات
الأبقار تتراجع والماعز يصمد.. ماذا حدث لقطيع درعا؟
الجفاف والغلاء يعيدان رسم خريطة قطيع درعا.. من خسر ومن صمد؟
ل
ليلى حسين
نشر في: ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦، ٢٢:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
الأبقار تسجل التراجع الأكبر
مدير زراعة درعا المهندس عاهد الزعبي بين بالأرقام للعين السورية إن مقارنة أعداد الثروة الحيوانية بين عامي 2020 و2025 تظهر تغيرات واضحة في مكونات القطيع. ووفق الجدول الإحصائي الذي قدمته المديرية بلغ عدد الأبقار في عام 2020 نحو 46,175 رأساً قبل أن ينخفض إلى 39,813 رأساً عام 2024 ثم إلى 33,749 رأساً عام 2025 أي بتراجع نسبته نحو 27% خلال خمس سنوات.
أما الأغنام فقد بلغ عددها 768,358 رأساً عام 2020 وارتفع مؤقتاً إلى 778,018 رأساً عام 2024 قبل أن يتراجع إلى 746,082 رأساً عام 2025 بانخفاض نسبته نحو 3% مقارنة بعام 2020.
وفي المقابل سجلت أعداد الماعز اتجاهاً معاكساً إذ ارتفعت من 116,770 رأساً عام 2020 إلى 123,503 رأساً عام 2024 ثم إلى 137,474 رأساً عام 2025 بزيادة بلغت نحو 18% خلال خمس سنوات.
مربون يغادرون والأرقام تكشف حجم التحول
وفي المقابل سجلت أعداد الماعز اتجاهاً معاكساً إذ ارتفعت من 116,770 رأساً عام 2020 إلى 123,503 رأساً عام 2024 ثم إلى 137,474 رأساً عام 2025 بزيادة بلغت نحو 18% خلال خمس سنوات.
مربون يغادرون والأرقام تكشف حجم التحول
ولا تقف دلالة الأرقام عند حجم القطيع إذ تعكس بيانات المديرية أيضاً تغيراً في أعداد مربي الثروة الحيوانية.
ويشير الزعبي إلى أن عدد مربي الأبقار تراجع من 13,192 مربياً عام 2020 إلى 11,518 عام 2024 ثم 9,358 عام 2025 أي بنسبة انخفاض بلغت نحو 29% خلال خمس سنوات بينما انخفض عدد مربي الأغنام من 10,976 مربياً عام 2020 إلى 12,259 عام 2024 قبل أن يستقر عند 9,965 مربياً عام 2025، بتراجع يقارب 9% مقارنة بعام 2020.
وفي قطاع الماعز ارتفع عدد المربين من 5,838 عام 2020 إلى 6,443 عام 2024 ثم إلى 6,515 عام 2025، بزيادة تقارب 12%.
هذه الأرقام بحسب الزعبي لا يمكن فصلها عن الظروف التي مرت بها المحافظة خلال السنوات الماضية وفي مقدمتها تراجع الهطولات المطرية والجفاف وما ترتب عليه من تراجع في المراعي الطبيعية وارتفاع اعتماد المربين على الأعلاف المشتراة في وقت ارتفعت فيه تكاليف التربية والأدوية والخدمات البيطرية.
ويبين أن هذه الظروف دفعت جزءاً من المربين إلى تقليص أعداد قطعانهم أو الخروج من التربية بينما تمكن آخرون من الاستمرار رغم ارتفاع الكلفة.
أربعة أطنان من العلف لا تكفي 20 يوماً
وتظهر هذه الضغوط بصورة مباشرة في شهادات المربين ويقول المربي وتاجر المواشي عدنان محمد الزعبي من منطقة نصيب بريف درعا الشرقي إنه يربي حالياً نحو خمسة رؤوس من الأبقار و12 عجلاً إضافة إلى قرابة 160 رأساً من الأغنام لكنه يواجه صعوبة متزايدة في تأمين احتياجات هذه القطعان من الأعلاف.
ويشير الزعبي إلى أن نحو أربعة أطنان من العلف قد لا تكفي في بعض الحالات لأكثر من عشرين يوماً ما يجعل تأمين الغذاء عبئاً مستمراً على المربي. ويضيف أن أسعار الأعلاف ارتفعت بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الأدوية والخدمات البيطرية مشيراً إلى أن المربي يتحمل هذه النفقات من دخله الخاص.
وبالنسبة إلى الزعبي لا تقتصر المشكلة على ارتفاع سعر العلف بل تتعلق بقدرة المربي على الاستمرار في الإنفاق على القطيع في ظل ارتفاع مختلف مستلزمات التربية إذ يصبح الحفاظ على عدد المواشي نفسه أكثر كلفة من السابق.
وفي الطرف الآخر من المشهد يرى د. محمد الجوابرة المسؤول في دائرة الصحة والإنتاج الحيواني بمديرية الثروة الحيوانية بدرعا أن قراءة واقع الثروة الحيوانية لا تكتمل من خلال الأرقام وحدها فخلف كل رأس ماشية حكاية مربٍ يحاول الحفاظ على مصدر رزقه.
ويشير إلى أن الثروة الحيوانية في المحافظة تضم حالياً نحو 33.7 ألف رأس من الأبقار و746 ألف رأس من الأغنام و137.5 ألف رأس من الماعز، وهي أعداد تعكس حجم القطاع وأهميته بالنسبة لآلاف الأسر التي تعتمد عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويشرح الجوابرة أن السنوات الجافة تركت أثراً مباشراً على المراعي ومصادر تغذية القطعان ، خصوصاً مع تراجع الهطولات المطرية ، الأمر الذي جعل المربي أكثر ارتباطاً بسوق الأعلاف وأسعارها المتغيرة.
ومع ارتفاع أسعار الأعلاف أصبحت كلفة الحفاظ على الحيوان نفسه مرتفعة بينما لا يستطيع المربي دائماً تمرير هذه الزيادة إلى سعر المنتج النهائي ما يجعل هامش الربح ضيقاً ويضع المربي أمام معادلة صعبة: إما زيادة الإنفاق على القطيع، أو تخفيض أعداده لتقليل الخسائر.
الأمراض تضيف كلفة جديدة
ولا تقتصر معاناة المربين على الأعلاف إذ تشكل الأمراض التي تصيب المواشي تحدياً إضافياً ولا سيما الحمى القلاعية التي تظهر بين الحين والآخر.
ومن منطقة جاسم بريف درعا الغربي يصف المربي والتاجر خليل إبراهيم مريج معاناته مع الأمراض التي تصيب المواشي ، مشيراً إلى أن الحمى القلاعية تمثل عبئاً إضافياً على المربين، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف العلاج.
ويقول مريج إن المربين يواجهون صعوبة في تأمين العلاجات اللازمة ، موضحاً أن سعر بعض الأدوية التي يشتريها يصل إلى 70 أو 80 دولاراً للعبوة الواحدة فيما لا يلمس بحسب تجربته فاعلية كافية لهذه العلاجات.
ويضيف أن صغار المواشي تتأثر بشكل خاص عند انتشار الأمراض ، الأمر الذي يضاعف خسائر المربين في ظل ارتفاع تكاليف الأدوية والرعاية البيطرية.
فالمربي بحسب تجربته لا يتحمل فقط تكلفة العلاج وإنما يواجه أيضاً احتمال خسارة الحيوان أو تراجع إنتاجه بعد أن يكون قد أنفق عليه لفترة طويلة.
وتزداد المعادلة تعقيداً عندما تدخل الأمراض الحيوانية على الخط ولا سيما الحمى القلاعية التي تظهر بين فترة وأخرى .
تحصين مجاني ضد الأمراض السارية
ويؤكد الجوابرة أن دائرة الصحة الحيوانية تنفذ حملات تحصين وقائية مجانية في مختلف مناطق المحافظة ضد الأمراض السارية التي تصيب المواشي ومن بينها الحمى القلاعية والتهاب الجلد الكتيل عبر المراكز والوحدات البيطرية ، مشيراً إلى أن حملة التحصين ضد الحمى القلاعية تشمل مناطق المحافظة باستخدام لقاح مستورد من الأرجنتين.
ويقول الجوابرة إن حالات الإصابة بالحمى القلاعية موجودة وتظهر بصورة متفرقة إلا أن المعطيات المتوافرة لدى الدائرة لا تشير إلى وصولها إلى مستويات وبائية واسعة في حين سُجلت حالات نفوق لكنها وفق تقييم الدائرة ليست بأعداد كبيرة. ويضيف أن التحصين يمثل خط الدفاع الأساسي في مواجهة هذه الأمراض إلى جانب متابعة القطعان وتقديم الخدمات والعلاجات البيطرية المتاحة.
برامج لدعم المربين وإعادة بناء القطعان
وبالتوازي مع الجانب الصحي تعمل مديرية الزراعة على دعم عملية إعادة بناء القطعان من خلال التلقيح الاصطناعي، بهدف تحسين معدلات التكاثر ورفع إنتاجية الثروة الحيوانية، إضافة إلى مشاريع دعم تنفذ بالتعاون مع جهات ومنظمات مختلفة بينها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) ونقابة الأطباء البيطريين وتشمل بحسب المديرية توزيع الأعلاف والأدوية والمستلزمات البيطرية مع توجيه جزء من الدعم إلى صغار المربين وأصحاب الحيازات المحدودة.
الأمطار وأسعار المواشي تغيّران المعادلة
وأن تحسن الموسم المطري خلال الفترة الأخيرة أتاح للمربين الاستفادة بصورة أكبر من المراعي الطبيعية وتوفير بعض مصادر التغذية في وقت ساهم فيه ارتفاع أسعار المواشي وفتح قنوات التصدير إلى دول الجوار في تغيير المعادلة الاقتصادية للتربية إذ بات الاحتفاظ بالقطيع أكثر ارتباطاً بالعائد المتوقع من بيعه بعد أن كان انخفاض أسعار اللحوم في فترات سابقة أحد العوامل التي دفعت بعض المربين إلى تقليص قطعانهم.
لكن الصورة التي ترسمها الأرقام تبقى مزدوجة ففي الوقت الذي سجل فيه قطاع الماعز زيادة واضحة في أعداد الرؤوس والمربين حافظت الأغنام على كتلة عددية كبيرة مع انخفاض محدود نسبياً خلال خمس سنوات بينما كان التراجع الأوضح في الأبقار سواء على مستوى عدد الرؤوس أو عدد المربين.
وهذا يعني أن التغير لم يكن واحداً في جميع قطاعات الثروة الحيوانية بل اختلف بحسب نوع الحيوان وقدرة المربي على تحمل تكاليف تربيته وظروف تغذيته وتسويقه.
ويؤكد الزعبي أن المديرية تعمل على تخفيف أعباء التربية من خلال توفير اللقاحات وتنفيذ حملات التحصين وتقديم الخدمات البيطرية والتلقيح الاصطناعي والتنسيق مع الجهات الداعمة لتوفير الأعلاف والأدوية إلى جانب العمل على الاستفادة من مصادر المياه المتاحة وزراعة الأعلاف الخضراء والمحاصيل الموسمية بما يساعد على تقليل اعتماد المربين الكامل على الأعلاف التي تشترى من الأسواق.
وهكذا تبدو الثروة الحيوانية في درعا أمام مفترق واضح : قطيع خسر جزءاً من أعداده خلال سنوات الجفاف والغلاء ومربون تراجع عددهم بصورة ملحوظة في بعض القطاعات مقابل مؤشرات تعافٍ بدأت تظهر مع تحسن الأمطار وارتفاع أسعار المواشي واستمرار برامج التحصين والدعم.
وبين الرقم المسجل في الجدول والحيوان الموجود في الحظيرة تبقى المعركة الحقيقية لدى المربي يومية فكل رأس ماشية يحتاج إلى علف وماء ورعاية ودواء وكل ارتفاع في كلفة هذه المستلزمات يختبر قدرة المربي على الاحتفاظ بقطيعه.
وفي نهاية المطاف لا تختصر أرقام الثروة الحيوانية في درعا حكاية أعداد ارتفعت أو تراجعت بل ترسم خريطة لسنوات أثقل فيها الجفاف وغلاء الأعلاف والأدوية كاهل المربين ودفعت بعضهم إلى تقليص قطعانهم أو مغادرة التربية. وبين أبقار انحسر عددها وأغنام حافظت على حضورها وماعز واصل الارتفاع تبدو قدرة المربي على الصمود هي المؤشر الأهم فبقاء القطيع مرتبط ببقاء صاحبه قادراً على تأمين علفه ومائه ودوائه.
ومع تحسن الأمطار وارتفاع أسعار المواشي تلوح فرصة لالتقاط الأنفاس لكن استعادة ما خسرته الثروة الحيوانية خلال سنوات الجفاف لن تكون مهمة سهلة وستبقى مرهونة بقدرة المربين على تحمل الكلفة وبمدى استمرار الدعم والإجراءات التي تساعدهم على إبقاء القطيع في الحظائر لا في دفاتر الإحصاء فقط.
#العين السورية
ليلى حسين
#العين السورية
ليلى حسين


