سوريا - محليات
الموت في دمشق له فاتورة باهضة.. تعرَّف على سوق دفن الموتى
أسعار القبور في دمشق 2026.. الرسوم الرسمية وكلفة الدفن والوسطاء
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:٢٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
في لحظة الفقد، لا يفكر أهل المتوفى عادةً إلا في وداعه ومواراته الثرى بكرامة. لكن في دمشق، قد يجد بعضهم نفسه، وسط الحزن، أمام سؤال لم يكن مستعداً له: أين سندفنه، وكم سيكلف القبر؟
سؤال ثقيل في توقيت أشد ثقلاً، خصوصاً حين تضيق أماكن الدفن داخل مدينة، لم يعد تأمين قبر فيها مسألة تحكمها رسوم الدفن وحدها، إذ تكشف شهادات ميدانية وبيانات حصلت عليها «العين السورية» عن فجوة واسعة بين بعض الأسعار المتداولة والتسعيرة الرسمية، في ظل ندرة أماكن الدفن داخل المدينة ودخول الوسطاء على خط التنازل عن حقوق الدفن.
وبين رسوم رسمية تصل، وفق أحدث البيانات التي زودت بها محافظة دمشق «العين السورية»، إلى أكثر من مليوني ليرة لبعض خدمات القبر وتجهيز الوفاة، ومبالغ تتراوح وفق شهادات ميدانية بين 10 و40 مليون ليرة للحصول على مكان للدفن داخل دمشق، تتحمل عائلات المتوفين أعباء مالية إضافية في لحظة لا تتيح كثيراً من الوقت للبحث أو التفاوض.
عملية معقدة ومكلفة
تحول الحصول على قبر في دمشق من إجراء يفترض أن تحكمه تسعيرة رسمية واضحة إلى عملية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها ندرة المساحات مع تكاليف التجهيز والخدمات ودور الوسطاء.
وبين الرسوم التي تحددها الجهات الرسمية والمبالغ التي قد تضطر بعض العائلات إلى دفعها فعلياً، تظهر فجوة ترتبط بصورة أساسية بصعوبة الحصول على مكان للدفن داخل مدينة دمشق، حيث لم تعد تتوفر مساحات لتخصيص قبور جديدة.
أرقام مختلفة وكلفة تتجاوز الرسوم الأساسية
تشير بيانات متداولة إلى أن رسم تخصيص القبر في مقبرة نجها يبلغ نحو 160 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة، إضافة إلى نحو 120 ألف ليرة لأعمال الحفر والإجراءات، أي ما مجموعه نحو 280 ألف ليرة.
ومع إضافة تكاليف الكفن والنقل داخل دمشق، المقدرة بين 400 و600 ألف ليرة، تصبح الكلفة وفق هذه الأرقام بين 680 و880 ألف ليرة سورية، وليس بين 300 و800 ألف ليرة كما قد توحي بعض التقديرات المتداولة.
غير أن هذه الأرقام تختلف بصورة كبيرة عن التسعيرة التي قدمتها محافظة دمشق مباشرة إلى «العين السورية»، والتي تتضمن خدمات وتكاليف أخرى، وتصل إلى أكثر من مليوني ليرة، ما يطرح ضرورة التمييز بين الرسوم والخدمات التي يشملها كل رقم.
وفي المقابل، تشير شهادات ميدانية إلى أن تأمين مكان للدفن داخل مدينة دمشق قد يتطلب مبالغ تتراوح بين 10 و40 مليون ليرة، تبعاً للموقع وتوفر الأماكن، وهي مبالغ لا تمثل التسعيرة الرسمية لتخصيص قبر جديد في نجها أو عدرا.
الوسطاء يدخلون على خط الدفن
يقول زاهر رجب إنه دفع أضعاف الرسوم الرسمية ليضمن مكاناً لدفن قريبه المتوفى، مشيراً إلى أنه لم يكن أمامه خيار آخر بسبب الحاجة إلى إتمام إجراءات الدفن سريعاً.
من جهته، يوضح معتصم بركات، العامل في خدمات الجنازات، أن الوسيط أصبح عنصراً حاضراً في هذه العملية، لافتاً إلى أن العثور على مكان للدفن في الوقت المناسب قد يتطلب في بعض الحالات الاستعانة بوسطاء.
وتكتسب هذه الوساطة أهمية أكبر داخل مدينة دمشق، حيث لا تتوفر قبور جديدة للتخصيص، ما يدفع الباحثين عن مكان للدفن إلى اللجوء إلى حالات التنازل عن حقوق الدفن القائمة.
نجها.. أحد أبرز البدائل المتاحة
تُعد مقبرة نجها من أبرز الخيارات الرسمية المتاحة حالياً، إذ تبلغ مساحتها نحو 750 دونماً وتضم قرابة 43 ألف قبر مستخدم.
وتشير معطيات واردة في المادة إلى وجود قرابة 3 آلاف قبر متاح أو قيد التجهيز، فيما توضح محافظة دمشق أن هناك مئات القبور الجاهزة وآلاف القبور قيد التنفيذ.
ومع ذلك، فإن الدفن خارج المدينة يضيف أعباء أخرى على بعض العائلات، سواء لجهة الوصول أو الخدمات المرتبطة بمراسم الدفن.
ولا تتوقف النفقات عند تخصيص القبر، إذ تتراوح كلفة تجهيزه، من بناء وإسمنت وشاهدة، بحسب التقديرات الواردة، بين مليون و3 ملايين ليرة، فيما تتراوح أجور الحفارين بين 200 و500 ألف ليرة.
وتضاف إلى ذلك تكاليف أخرى قد ترتبط بالوساطة أو تسريع بعض الإجراءات، وقد تصل وفق الشهادات إلى ملايين الليرات.
وبحسب التقديرات التي جمعتها «العين السورية»، قد تبدأ بعض تكاليف الدفن والخدمات المرتبطة به من نحو 500 ألف إلى مليون ليرة في الحالات الأقل تعقيداً، وترتفع إلى ما بين مليونين و5 ملايين ليرة بحسب الخدمات المطلوبة.
أما الحصول على مكان للدفن داخل مدينة دمشق، فتشير الشهادات إلى مبالغ مختلفة كلياً قد تتراوح بين 10 و40 مليون ليرة أو أكثر، وهو ما يرتبط بالتنازل عن حقوق الدفن والوساطة، وليس بالتسعيرة الرسمية لتخصيص القبور في المقابر المتاحة.
العزاء.. فاتورة أخرى
لا تتوقف الأعباء المالية عند القبر والدفن، إذ تبلغ كلفة استئجار صالة للعزاء لمدة ثلاثة أيام نحو 4.5 ملايين ليرة، فيما تقدر تكاليف الطعام والختمة بنحو 5 ملايين ليرة.
ويضاف إلى ذلك أجر قارئ القرآن، الذي يتراوح بحسب التقديرات الواردة بين 500 و700 ألف ليرة يومياً. وفي حال الاستعانة به طوال أيام العزاء الثلاثة، فإن ذلك يعني تكلفة إضافية تتراوح بين 1.5 ومليونين و100 ألف ليرة، لترتفع الكلفة الإجمالية لهذه البنود إلى ما بين 11 و11.6 مليون ليرة تقريباً.
الوفاة تحت ضغط الدخل
وبمقارنة هذه النفقات مع متوسط دخل تقدره المادة بنحو مليون ليرة شهرياً، تتضح الفجوة بين قدرة بعض الأسر على الإنفاق والكلفة التي قد تترتب على الوفاة والدفن والعزاء.
وفي هذا السياق، تقول الباحثة الاجتماعية وصال البيك لـ«العين السورية» إن الوفاة، في ظل الضائقة المعيشية، قد تدفع بعض الأسر إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتها لتغطية النفقات، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالدفن تتخذ خلال ساعات وتحت ضغط نفسي كبير.
وتوضح البيك أن الحاجة الفورية إلى الدفن تقلل قدرة العائلات على المقارنة بين الخيارات والأسعار أو التفاوض بشأنها، ما يجعلها أكثر عرضة للاستغلال في التعاملات غير المنظمة.
القبور ليست ملكية خاصة
قانونياً، يوضح المحامي طارق الشيخ أن القبور لا تُعد ملكية خاصة قابلة للبيع، وإنما تمنح كـحق انتفاع وفق شروط تحددها الجهات المختصة.
ويشير الشيخ إلى أن بيع القبور بصورة مباشرة يعد مخالفة قانونية، وقد يرتبط في بعض الحالات بالاستغلال أو الفساد، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة.
وهنا يبرز فارق أساسي بين بيع القبر والتنازل عن حق الدفن، وهو ما تؤكد عليه أيضاً محافظة دمشق في تفسيرها للتعاملات التي تجري بين الأهالي.
المحافظة تكشف التسعيرة الرسمية
وفي توضيح رسمي لـ«العين السورية»، قدمت محافظة دمشق أرقاماً تختلف عن بعض التقديرات المتداولة بشأن كلفة القبر.
ووفق البيانات التي زودت بها المحافظة «العين السورية»، يبلغ رسم تخصيص قبر في المقبرة الجنوبية الجديدة «نجها»، مع الجرن والشاهدة بشكل كامل، نحو 1,771,680 ليرة سورية بالعملة القديمة.
كما تبلغ كلفة تجهيز الوفاة بشكل كامل، بما يشمل المناشف والحنّة والكافور، نحو 411,500 ليرة.
ويختلف هذا الرقم عن البيانات الأخرى الواردة بشأن رسم تخصيص يبلغ 160 ألف ليرة و120 ألفاً للحفر والإجراءات، ما يرجح اختلاف البنود والخدمات التي تشملها كل تسعيرة، ويستدعي التحقق من تاريخ كل رقم ونطاق تطبيقه.
لماذا ترتفع الأسعار داخل دمشق؟
توضح محافظة دمشق أن الرسوم الرسمية تتعلق بالقبور التي يجري تخصيصها عبر مكتب الدفن في مقبرتي عدرا أو نجها عند وقوع الوفاة.
وتشير إلى عدم إمكانية تخصيص قبور جديدة داخل مدينة دمشق بسبب عدم توفر مساحات فارغة، وهو ما يفسر جانباً من ارتفاع المبالغ المتداولة للحصول على أماكن للدفن داخل المدينة.
وبحسب المحافظة، فإن ما يجري بين الأهالي في هذه الحالات يكون على شكل تنازل عن حق الدفن، وليس بيعاً مباشراً للقبر.
وهذا التفريق يفسر جانباً مهماً من الفجوة بين التسعيرة الرسمية التي تتجاوز مليوني ليرة لبعض الخدمات في نجها، والمبالغ التي تتحدث عنها الشهادات داخل دمشق والتي قد تصل إلى عشرات الملايين.
المحافظة تقر بوجود وسطاء
وفيما يتعلق بالوسطاء، تقر محافظة دمشق بوجودهم، لكنها لا تصنفهم ضمن شبكات منظمة.
وتوضح أن بعض هؤلاء يعملون ضمن مكاتب لخدمات الجنازات ويقدمون خدمات إضافية، وقد يؤدي بعضهم دور الوسيط بين شخص لديه حق دفن ويرغب في التنازل عنه وآخر يبحث عن مكان لدفن أحد أقاربه.
أما بشأن تداول عروض القبور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتؤكد المحافظة عدم وجود إجراءات محددة لضبط هذه الحالات، معتبرة أنها محدودة نسبياً.
وتشدد على أن تخصيص القبور رسمياً يتم حصراً عبر مكتب الدفن، بهدف منع الاحتكار وضمان وصول القبور إلى مستحقيها، مع تسجيل العمليات في سجلات رسمية لمنع التلاعب أو التزوير.
مخالفات وصلت إلى القضاء
وفي ما يتعلق بالمخالفات، تشير المحافظة إلى أن حالات تزوير أو تغيير بيانات القبور يجري التعامل معها عبر الرقابة الداخلية.
وتقول إنه سبق أن أُحيل عدد من الموظفين والحراس إلى التحقيق أو القضاء، فيما فُصل بعضهم بسبب تجاوزات مرتبطة بهذا الملف.
قبور مجانية للفقراء
تلفت محافظة دمشق إلى وجود قبور مخصصة لدفن الفقراء في مقبرتي عدرا ونجها، حيث يتم تجهيز المتوفى ودفنه مجاناً بعد تقديم وثيقة فقر حال.
وبحسب المحافظة، بلغ عدد المستفيدين من هذه الخدمة خلال عام 2025 نحو 190 حالة.
لا مقابر جديدة داخل دمشق
تؤكد المحافظة عدم إمكانية إنشاء مقابر جديدة داخل مدينة دمشق بسبب عدم توفر مساحات مناسبة، مع وجود دراسة لإنشاء مقبرة جديدة على أطراف المدينة بعد تأمين الأرض اللازمة.
وتشير كذلك إلى إعادة استخدام القبور في بعض المقابر القديمة، مثل باب الصغير والدحداح، بعد مرور خمس سنوات على الدفن السابق.
وتبقى مقبرتا عدرا ونجها البديل المتاح حالياً، حيث تبلغ مساحة مقبرة نجها نحو 750 دونماً، وتضم قرابة 43 ألف قبر مستخدم، إلى جانب مئات القبور الجاهزة وآلاف القبور قيد التنفيذ.
بين السعر الرسمي والسوق الموازية
تكشف الأرقام والشهادات عن مستويين مختلفين لكلفة الدفن في دمشق: الأول تحكمه التسعيرة الرسمية والخدمات التي تقدم عبر مكتب الدفن، والثاني يرتبط بندرة أماكن الدفن داخل المدينة والتنازل عن حقوق الدفن ودخول الوسطاء.
وبينما تبلغ الكلفة الرسمية للقبر مع الجرن والشاهدة وتجهيز الوفاة، وفق الأرقام التي قدمتها محافظة دمشق، نحو 2.18 مليون ليرة، تتحدث شهادات ميدانية عن مبالغ تتراوح بين 10 و40 مليون ليرة للحصول على مكان للدفن داخل المدينة.
وهكذا تتحول الوفاة بالنسبة إلى بعض العائلات إلى عبء مالي ثقيل يفرض نفسه في لحظة فقد وضغط نفسي، فيما تبقى الفجوة بين التسعيرة الرسمية وما يدفع فعلياً في بعض الحالات السؤال الأبرز في ملف القبور بدمشق.
في لحظة الفقد، لا يفكر أهل المتوفى عادةً إلا في وداعه ومواراته الثرى بكرامة. لكن في دمشق، قد يجد بعضهم نفسه، وسط الحزن، أمام سؤال لم يكن مستعداً له: أين سندفنه، وكم سيكلف القبر؟
سؤال ثقيل في توقيت أشد ثقلاً، خصوصاً حين تضيق أماكن الدفن داخل مدينة، لم يعد تأمين قبر فيها مسألة تحكمها رسوم الدفن وحدها، إذ تكشف شهادات ميدانية وبيانات حصلت عليها «العين السورية» عن فجوة واسعة بين بعض الأسعار المتداولة والتسعيرة الرسمية، في ظل ندرة أماكن الدفن داخل المدينة ودخول الوسطاء على خط التنازل عن حقوق الدفن.
وبين رسوم رسمية تصل، وفق أحدث البيانات التي زودت بها محافظة دمشق «العين السورية»، إلى أكثر من مليوني ليرة لبعض خدمات القبر وتجهيز الوفاة، ومبالغ تتراوح وفق شهادات ميدانية بين 10 و40 مليون ليرة للحصول على مكان للدفن داخل دمشق، تتحمل عائلات المتوفين أعباء مالية إضافية في لحظة لا تتيح كثيراً من الوقت للبحث أو التفاوض.
عملية معقدة ومكلفة
تحول الحصول على قبر في دمشق من إجراء يفترض أن تحكمه تسعيرة رسمية واضحة إلى عملية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها ندرة المساحات مع تكاليف التجهيز والخدمات ودور الوسطاء.
وبين الرسوم التي تحددها الجهات الرسمية والمبالغ التي قد تضطر بعض العائلات إلى دفعها فعلياً، تظهر فجوة ترتبط بصورة أساسية بصعوبة الحصول على مكان للدفن داخل مدينة دمشق، حيث لم تعد تتوفر مساحات لتخصيص قبور جديدة.
أرقام مختلفة وكلفة تتجاوز الرسوم الأساسية
تشير بيانات متداولة إلى أن رسم تخصيص القبر في مقبرة نجها يبلغ نحو 160 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة، إضافة إلى نحو 120 ألف ليرة لأعمال الحفر والإجراءات، أي ما مجموعه نحو 280 ألف ليرة.
ومع إضافة تكاليف الكفن والنقل داخل دمشق، المقدرة بين 400 و600 ألف ليرة، تصبح الكلفة وفق هذه الأرقام بين 680 و880 ألف ليرة سورية، وليس بين 300 و800 ألف ليرة كما قد توحي بعض التقديرات المتداولة.
غير أن هذه الأرقام تختلف بصورة كبيرة عن التسعيرة التي قدمتها محافظة دمشق مباشرة إلى «العين السورية»، والتي تتضمن خدمات وتكاليف أخرى، وتصل إلى أكثر من مليوني ليرة، ما يطرح ضرورة التمييز بين الرسوم والخدمات التي يشملها كل رقم.
وفي المقابل، تشير شهادات ميدانية إلى أن تأمين مكان للدفن داخل مدينة دمشق قد يتطلب مبالغ تتراوح بين 10 و40 مليون ليرة، تبعاً للموقع وتوفر الأماكن، وهي مبالغ لا تمثل التسعيرة الرسمية لتخصيص قبر جديد في نجها أو عدرا.
الوسطاء يدخلون على خط الدفن
يقول زاهر رجب إنه دفع أضعاف الرسوم الرسمية ليضمن مكاناً لدفن قريبه المتوفى، مشيراً إلى أنه لم يكن أمامه خيار آخر بسبب الحاجة إلى إتمام إجراءات الدفن سريعاً.
من جهته، يوضح معتصم بركات، العامل في خدمات الجنازات، أن الوسيط أصبح عنصراً حاضراً في هذه العملية، لافتاً إلى أن العثور على مكان للدفن في الوقت المناسب قد يتطلب في بعض الحالات الاستعانة بوسطاء.
وتكتسب هذه الوساطة أهمية أكبر داخل مدينة دمشق، حيث لا تتوفر قبور جديدة للتخصيص، ما يدفع الباحثين عن مكان للدفن إلى اللجوء إلى حالات التنازل عن حقوق الدفن القائمة.
نجها.. أحد أبرز البدائل المتاحة
تُعد مقبرة نجها من أبرز الخيارات الرسمية المتاحة حالياً، إذ تبلغ مساحتها نحو 750 دونماً وتضم قرابة 43 ألف قبر مستخدم.
وتشير معطيات واردة في المادة إلى وجود قرابة 3 آلاف قبر متاح أو قيد التجهيز، فيما توضح محافظة دمشق أن هناك مئات القبور الجاهزة وآلاف القبور قيد التنفيذ.
ومع ذلك، فإن الدفن خارج المدينة يضيف أعباء أخرى على بعض العائلات، سواء لجهة الوصول أو الخدمات المرتبطة بمراسم الدفن.
ولا تتوقف النفقات عند تخصيص القبر، إذ تتراوح كلفة تجهيزه، من بناء وإسمنت وشاهدة، بحسب التقديرات الواردة، بين مليون و3 ملايين ليرة، فيما تتراوح أجور الحفارين بين 200 و500 ألف ليرة.
وتضاف إلى ذلك تكاليف أخرى قد ترتبط بالوساطة أو تسريع بعض الإجراءات، وقد تصل وفق الشهادات إلى ملايين الليرات.
وبحسب التقديرات التي جمعتها «العين السورية»، قد تبدأ بعض تكاليف الدفن والخدمات المرتبطة به من نحو 500 ألف إلى مليون ليرة في الحالات الأقل تعقيداً، وترتفع إلى ما بين مليونين و5 ملايين ليرة بحسب الخدمات المطلوبة.
أما الحصول على مكان للدفن داخل مدينة دمشق، فتشير الشهادات إلى مبالغ مختلفة كلياً قد تتراوح بين 10 و40 مليون ليرة أو أكثر، وهو ما يرتبط بالتنازل عن حقوق الدفن والوساطة، وليس بالتسعيرة الرسمية لتخصيص القبور في المقابر المتاحة.
العزاء.. فاتورة أخرى
لا تتوقف الأعباء المالية عند القبر والدفن، إذ تبلغ كلفة استئجار صالة للعزاء لمدة ثلاثة أيام نحو 4.5 ملايين ليرة، فيما تقدر تكاليف الطعام والختمة بنحو 5 ملايين ليرة.
❝وبذلك تصل كلفة هذين البندين وحدهما إلى نحو 9.5 ملايين ليرة.❞
ويضاف إلى ذلك أجر قارئ القرآن، الذي يتراوح بحسب التقديرات الواردة بين 500 و700 ألف ليرة يومياً. وفي حال الاستعانة به طوال أيام العزاء الثلاثة، فإن ذلك يعني تكلفة إضافية تتراوح بين 1.5 ومليونين و100 ألف ليرة، لترتفع الكلفة الإجمالية لهذه البنود إلى ما بين 11 و11.6 مليون ليرة تقريباً.
الوفاة تحت ضغط الدخل
وبمقارنة هذه النفقات مع متوسط دخل تقدره المادة بنحو مليون ليرة شهرياً، تتضح الفجوة بين قدرة بعض الأسر على الإنفاق والكلفة التي قد تترتب على الوفاة والدفن والعزاء.
وفي هذا السياق، تقول الباحثة الاجتماعية وصال البيك لـ«العين السورية» إن الوفاة، في ظل الضائقة المعيشية، قد تدفع بعض الأسر إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتها لتغطية النفقات، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالدفن تتخذ خلال ساعات وتحت ضغط نفسي كبير.
وتوضح البيك أن الحاجة الفورية إلى الدفن تقلل قدرة العائلات على المقارنة بين الخيارات والأسعار أو التفاوض بشأنها، ما يجعلها أكثر عرضة للاستغلال في التعاملات غير المنظمة.
القبور ليست ملكية خاصة
قانونياً، يوضح المحامي طارق الشيخ أن القبور لا تُعد ملكية خاصة قابلة للبيع، وإنما تمنح كـحق انتفاع وفق شروط تحددها الجهات المختصة.
ويشير الشيخ إلى أن بيع القبور بصورة مباشرة يعد مخالفة قانونية، وقد يرتبط في بعض الحالات بالاستغلال أو الفساد، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة.
وهنا يبرز فارق أساسي بين بيع القبر والتنازل عن حق الدفن، وهو ما تؤكد عليه أيضاً محافظة دمشق في تفسيرها للتعاملات التي تجري بين الأهالي.
المحافظة تكشف التسعيرة الرسمية
وفي توضيح رسمي لـ«العين السورية»، قدمت محافظة دمشق أرقاماً تختلف عن بعض التقديرات المتداولة بشأن كلفة القبر.
ووفق البيانات التي زودت بها المحافظة «العين السورية»، يبلغ رسم تخصيص قبر في المقبرة الجنوبية الجديدة «نجها»، مع الجرن والشاهدة بشكل كامل، نحو 1,771,680 ليرة سورية بالعملة القديمة.
كما تبلغ كلفة تجهيز الوفاة بشكل كامل، بما يشمل المناشف والحنّة والكافور، نحو 411,500 ليرة.
❝وبجمع الرقمين، تصل الكلفة إلى نحو 2,183,180 ليرة سورية، قبل احتساب أي خدمات أو نفقات أخرى غير مشمولة في هذين البندين.
❞
ويختلف هذا الرقم عن البيانات الأخرى الواردة بشأن رسم تخصيص يبلغ 160 ألف ليرة و120 ألفاً للحفر والإجراءات، ما يرجح اختلاف البنود والخدمات التي تشملها كل تسعيرة، ويستدعي التحقق من تاريخ كل رقم ونطاق تطبيقه.
لماذا ترتفع الأسعار داخل دمشق؟
توضح محافظة دمشق أن الرسوم الرسمية تتعلق بالقبور التي يجري تخصيصها عبر مكتب الدفن في مقبرتي عدرا أو نجها عند وقوع الوفاة.
وتشير إلى عدم إمكانية تخصيص قبور جديدة داخل مدينة دمشق بسبب عدم توفر مساحات فارغة، وهو ما يفسر جانباً من ارتفاع المبالغ المتداولة للحصول على أماكن للدفن داخل المدينة.
وبحسب المحافظة، فإن ما يجري بين الأهالي في هذه الحالات يكون على شكل تنازل عن حق الدفن، وليس بيعاً مباشراً للقبر.
وهذا التفريق يفسر جانباً مهماً من الفجوة بين التسعيرة الرسمية التي تتجاوز مليوني ليرة لبعض الخدمات في نجها، والمبالغ التي تتحدث عنها الشهادات داخل دمشق والتي قد تصل إلى عشرات الملايين.
المحافظة تقر بوجود وسطاء
وفيما يتعلق بالوسطاء، تقر محافظة دمشق بوجودهم، لكنها لا تصنفهم ضمن شبكات منظمة.
وتوضح أن بعض هؤلاء يعملون ضمن مكاتب لخدمات الجنازات ويقدمون خدمات إضافية، وقد يؤدي بعضهم دور الوسيط بين شخص لديه حق دفن ويرغب في التنازل عنه وآخر يبحث عن مكان لدفن أحد أقاربه.
أما بشأن تداول عروض القبور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتؤكد المحافظة عدم وجود إجراءات محددة لضبط هذه الحالات، معتبرة أنها محدودة نسبياً.
وتشدد على أن تخصيص القبور رسمياً يتم حصراً عبر مكتب الدفن، بهدف منع الاحتكار وضمان وصول القبور إلى مستحقيها، مع تسجيل العمليات في سجلات رسمية لمنع التلاعب أو التزوير.
مخالفات وصلت إلى القضاء
وفي ما يتعلق بالمخالفات، تشير المحافظة إلى أن حالات تزوير أو تغيير بيانات القبور يجري التعامل معها عبر الرقابة الداخلية.
وتقول إنه سبق أن أُحيل عدد من الموظفين والحراس إلى التحقيق أو القضاء، فيما فُصل بعضهم بسبب تجاوزات مرتبطة بهذا الملف.
قبور مجانية للفقراء
تلفت محافظة دمشق إلى وجود قبور مخصصة لدفن الفقراء في مقبرتي عدرا ونجها، حيث يتم تجهيز المتوفى ودفنه مجاناً بعد تقديم وثيقة فقر حال.
وبحسب المحافظة، بلغ عدد المستفيدين من هذه الخدمة خلال عام 2025 نحو 190 حالة.
لا مقابر جديدة داخل دمشق
تؤكد المحافظة عدم إمكانية إنشاء مقابر جديدة داخل مدينة دمشق بسبب عدم توفر مساحات مناسبة، مع وجود دراسة لإنشاء مقبرة جديدة على أطراف المدينة بعد تأمين الأرض اللازمة.
وتشير كذلك إلى إعادة استخدام القبور في بعض المقابر القديمة، مثل باب الصغير والدحداح، بعد مرور خمس سنوات على الدفن السابق.
وتبقى مقبرتا عدرا ونجها البديل المتاح حالياً، حيث تبلغ مساحة مقبرة نجها نحو 750 دونماً، وتضم قرابة 43 ألف قبر مستخدم، إلى جانب مئات القبور الجاهزة وآلاف القبور قيد التنفيذ.
بين السعر الرسمي والسوق الموازية
تكشف الأرقام والشهادات عن مستويين مختلفين لكلفة الدفن في دمشق: الأول تحكمه التسعيرة الرسمية والخدمات التي تقدم عبر مكتب الدفن، والثاني يرتبط بندرة أماكن الدفن داخل المدينة والتنازل عن حقوق الدفن ودخول الوسطاء.
وبينما تبلغ الكلفة الرسمية للقبر مع الجرن والشاهدة وتجهيز الوفاة، وفق الأرقام التي قدمتها محافظة دمشق، نحو 2.18 مليون ليرة، تتحدث شهادات ميدانية عن مبالغ تتراوح بين 10 و40 مليون ليرة للحصول على مكان للدفن داخل المدينة.
وهكذا تتحول الوفاة بالنسبة إلى بعض العائلات إلى عبء مالي ثقيل يفرض نفسه في لحظة فقد وضغط نفسي، فيما تبقى الفجوة بين التسعيرة الرسمية وما يدفع فعلياً في بعض الحالات السؤال الأبرز في ملف القبور بدمشق.


