سوريا - تعليم
ناجحون بلا مقاعد وقرارات بلا تفسير: أسئلة معلقة حول القبول في مدارس المتفوقين
خفّضت وزارة التربية حد النجاح في اختبار القبول لمدارس المتفوقين بعد صدور النتائج، ثم قُبِل طلاب لم يبلغوه، فيما بقي أطفال ناجحون في دمشق بلا مقاعد دون أن يشرح أحدٌ لماذا.
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - دمشق
في العاشر من أيلول وبعد أربعة أيام من صدور نتائج اختبار القبول في مدارس المتفوقين، وصل إلى مديريات التربية في المحافظات كتابٌ يُخفّض الحدّ الأدنى للنجاح في اختبار القبول في الصف السابع من سبعمئة درجة إلى ستمئة، (بناءً على النتائج).
كانت الوزارة قد أعلنت قواعد القبول قبل ذلك بستة أسابيع، فقد عمم وزير التربية على المديريات تعليمات القبول في مدارس المتفوقين للعام الدراسي 2026-2027، وفيها أن الطالب يُقبل في الصف السابع إذا حصل على سبعمئة درجة فما فوق من أصل ألف في الاختبار الكتابيّ، وأن القبول يجري وفق تسلسل الدرجات ضمن العدد المُخصص لكل مدرسة.
وكانت مدرستان مُختلطتان للمتفوقين في المزة قد فُصِلتا في بداية الصيف، فصارت إحداهما للذكور والأخرى للإناث، ولم نتمكن من العثور على القرار المتضمن هذا الإجراء، وقِيل إن قرار الفصل جاء استجابةً لطلب "لجنة الحيّ"، مع أنّ هذه المدارس تستقبل متقدمين من دمشق كلّها.
نُشرت تعليمات القبول في وسائل الإعلام، ونقلت وكالة سانا مضمونها. أما ما طرأ عليها بعد ذلك فلم يأتِ بالطريقة نفسها. فباستثناء كتاب تخفيض الحدّ الأدنى للقبول، لم يصل إلى الأهالي من التعديلات اللاحقة سوى منشورات على فيسبوك، من فتح الشعبة الثالثة إلى قوائم قبول طلاب لم يبلغوا الحدّ، من دون أن يذكر أيٌّ منها من اتخذ القرار، وعلى أي أساس.
ولم تغفل التعليمات حق الاعتراض كلياً، فقد خصصت ثلاثة بنود للاعتراض على نتيجة الاختبار، تُقدَّم الطلبات في مديريات التربية خلال ثلاثة أيام من إعلان النتائج، وتُرسَل بها قوائم اسمية إلى الوزارة، وتُنشَر نتائجها على موقعها الرسمي.
أثقل ما في هذا كله يقع على الأطفال أنفسهم. فالطالب الذي وصل إلى اختبار المتفوقين لم يصل إليه بصيفٍ واحد، بل بسنوات من الدراسة والمتابعة والاجتهاد انتهت بعلامات عالية في الصف السادس اشترطتها التعليمات قبل أن يُسمح له بالتقدم للاختبار، ثم بصيفٍ كامل من الاستعداد والمثابرة.
هذه أسئلة موجّهة إلى وزارة التربية: على أي أساس قُبل في ثانوية المتفوقين الأولى طلاب لم يبلغوا الحدّ الأدنى الذي حدّدته الوزارة نفسها في كتاب العاشر من أيلول؟ ولماذا لم يُوزَّع الناجحون الذين لم يجدوا مقعداً على المدارس التي بقيت فيها شواغر، كما جرى في العام الماضي؟ ولماذا لم يجد أهاليهم جواباً حتى اليوم؟ وإلى أن تجيب، سيبقى في دمشق أطفال نجحوا، ولا يعرفون لماذا لم يُقبلوا.
لم يذكر الكتاب سبباً آخر. بعدها صدرت قوائم الطلاب المقبولين في تلك المدارس على شكل منشوراتٍ على فيسبوك، تلتها منشورات تتضمن فتح شعبٍ جديدة واستيعاب عدد أكبر من الناجحين، ثم كان آخر ما أُعلِن بالطريقة نفسها قوائم بقبول طلاب لم يبلغوا حدّ النجاح.
وفي دمشق بقي أطفالٌ نجحوا في الاختبار ولم يُقبَلوا لأن المدرسة التي تقدموا لها لم تتسع لهم وفق شواغرها المحدودة، في المقابل، لم تُقدم الوزارة أي توضيح أو شرح عما جرى ويجري، لا لأهالي الطلاب المتقدمين ولا للرأي العام.
كانت الوزارة قد أعلنت قواعد القبول قبل ذلك بستة أسابيع، فقد عمم وزير التربية على المديريات تعليمات القبول في مدارس المتفوقين للعام الدراسي 2026-2027، وفيها أن الطالب يُقبل في الصف السابع إذا حصل على سبعمئة درجة فما فوق من أصل ألف في الاختبار الكتابيّ، وأن القبول يجري وفق تسلسل الدرجات ضمن العدد المُخصص لكل مدرسة.
ونصّت التعليمات على أن يُسجّل الطالب في المدرسة التي تقدّم إليها، وألّا تُجرى مُفاضلة مشتركة بين مدارس المتفوقين، وأن تُعتَبَر القدرة الاستيعابية لكلّ مدرسة نهائية وغير قابلة للزيادة أو النقصان.
وكانت مدرستان مُختلطتان للمتفوقين في المزة قد فُصِلتا في بداية الصيف، فصارت إحداهما للذكور والأخرى للإناث، ولم نتمكن من العثور على القرار المتضمن هذا الإجراء، وقِيل إن قرار الفصل جاء استجابةً لطلب "لجنة الحيّ"، مع أنّ هذه المدارس تستقبل متقدمين من دمشق كلّها.
وبعد صدور النتائج فُتِحَت في ثانوية المتفوقين الثانية للإناث ثلاث شُعب للصف السابع، وشُعبَتان في ثانوية المتفوقين الرابعة للذكور، اعترَض أهالي الطلاب المتقدمين ولقي اعتراضهم استجابة، وفُتِحَت شعبة ثالثة للذكور أُعلِنَ عنها في منشورٍ لاحق.
ومع ذلك بقي في الثانوية الرابعة للمتفوقين نحو ثلاثين طالباً ناجحاً بلا مقعد، بينما مُلئت شواغر ثانوية المتفوقين الأولى في البرامكة بطلابٍ لم يُحققوا شرط النجاح في اختبار القبول، أي ستمئة درجة.
نُشرت تعليمات القبول في وسائل الإعلام، ونقلت وكالة سانا مضمونها. أما ما طرأ عليها بعد ذلك فلم يأتِ بالطريقة نفسها. فباستثناء كتاب تخفيض الحدّ الأدنى للقبول، لم يصل إلى الأهالي من التعديلات اللاحقة سوى منشورات على فيسبوك، من فتح الشعبة الثالثة إلى قوائم قبول طلاب لم يبلغوا الحدّ، من دون أن يذكر أيٌّ منها من اتخذ القرار، وعلى أي أساس.
ولم تُعلن القدرة الاستيعابية لمدارس المتفوقين في دمشق، لا قبل الاختبار ولا بعده، مع أن التعليمات تطلب تحديدها خلال أسبوع من صدورها وتعدّها نهائية. أي أن الأهالي تقدّموا إلى مفاضلة معلنة القواعد، لا يعرفون عدد مقاعدها، ثم عرفوا بتعديلاتها واحداً بعد آخر.
ولم تغفل التعليمات حق الاعتراض كلياً، فقد خصصت ثلاثة بنود للاعتراض على نتيجة الاختبار، تُقدَّم الطلبات في مديريات التربية خلال ثلاثة أيام من إعلان النتائج، وتُرسَل بها قوائم اسمية إلى الوزارة، وتُنشَر نتائجها على موقعها الرسمي.
لكن في الوقت نفسه لم تخصص بنداً واحداً للاعتراض على توزيع المقاعد أو الفائض. فبالنتيجة يستطيع الطالب أن يعترض على علامته، ولا يتمكن من الاعتراض إن قُبِل غيره بعلامة أدنى.
قد يكون لملء الشواغر بطلاب دون حدّ النجاح ما يبرره من الناحية العملية حين لا يبقى ناجح بلا مقعد.
قد يكون لملء الشواغر بطلاب دون حدّ النجاح ما يبرره من الناحية العملية حين لا يبقى ناجح بلا مقعد.
لكن في دمشق كان الناجحون موجودين، ولم يُسمَح لهم بالانتقال إلى المدارس التي بقيت فيها شواغر، لأن التعليمات تمنع المفاضلة المشتركة بين مدارس المتفوقين. واللافت أنّ تعليمات العام الماضي حملت الاشتراطات ذاتها، ومع ذلك وزعت الوزارة حينها الطلاب الناجحين غير المقبولين على مدارس متفوقين فيها شواغر، بحسب ما نُشِر آنذاك.
فالنص الذي يُمكن أن تحتج به الوزارة لم يمنعها من توزيع فائض الناجحين قبل عام. ولم تكُن القواعد جامدة هذا العام أيضاً، فالقدرة الاستيعابية التي وصفها القرار أنها نهائية جرى تعديلها بعد اعتراض الأهالي، والحدّ الأدنى لعلامة القبول خُفِّض بعد صدور النتائج. والقاعدة الوحيدة التي طُبّقت بحرفيّتها كانت تلك التي أبقت الطلاب الناجحين خارج مدارس المتفوقين.
يكفل الإعلان الدستوري الصادر في آذار عام 2025 المساواة بين المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات، ويُلزِم الدولة بأن تكفل حق الأطفال في التعليم. والمساواة هُنا لا تعني أن يُقبَل الجميع، لأن الجميع يعلم أن الأمر مرتبط بالمقاعد المتاحة، المطلوب أن يُطبَّق على الجميع معيارٌ واحد مُعلن، وأن يُعرَف لماذا قُبِلَ طالب ورُدَّ آخر.
غير أن المادة الأقرب إلى ما جرى هي السابعة عشرة التي تصون حق التقاضي وسلوك سُبل الطعن، وتحظُر أن تنص القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء. لم يُحصّن قرار وزارة التربية وتعليماتها من الرقابة.
لكنها تحصنت عمليّاً بطريق آخر، فأهالي الطلاب الراغبون في الطعن يحتاجون إلى قرار معلوم الجهة والتاريخ والمضمون، وما وصلهم هو منشورات وقوائم أسماء، ما يجعل حقهم في الطعن قائماً في النص، ويصعب عليهم ممارسته.
وربما كان يكفي أن يصدر كل خروج على القواعد المعلنة بقرار مكتوب يُذكر سببه، ويُنشَر حيث نُشِرت القواعد، ليعرف الطلاب وأولياؤهم ما جرى، ويقرروا حينها إن كانوا سيعترضون.
أثقل ما في هذا كله يقع على الأطفال أنفسهم. فالطالب الذي وصل إلى اختبار المتفوقين لم يصل إليه بصيفٍ واحد، بل بسنوات من الدراسة والمتابعة والاجتهاد انتهت بعلامات عالية في الصف السادس اشترطتها التعليمات قبل أن يُسمح له بالتقدم للاختبار، ثم بصيفٍ كامل من الاستعداد والمثابرة.
لينجح أخيراً دون أن يجد لنفسه مقعداً، ويشاهد أطفالاً في عمره لم يحققوا شرط النجاح المطلوب يُقبَلون في مدرسة أخرى، والفارق الوحيد بينه وبينهم اسم مدرسةٍ كُتبَ على طلب التسجيل.
طفلٌ في الثانية عشرة لا يقرأ البنود ولا يدقق في الشروط، لكنه يفهم جيداً أن ما فصل بينه وبين غيره لم يكن العلامة، كما يجب أن يكون. وهؤلاء هم الطلاب الذين أنشئت هذه المدارس لرعايتهم، والذين يُعوّل عليهم في بناء مستقبل سوريا. لكن ما تعلموه في اختبارهم هذا أن الجهد وحده لا يكفي، دون أن يشرح لهم أحدٌ السبب.
ووزارة التربية مسؤولة عن كل طالب في سوريا، عن الذي نجح ولم يُقبل وعن الذي قُبل دون الحدّ معاً. ومن هذا الموقع لا يكفي أن تصل إلى نتيجة يمكن الدفاع عنها، إذ عليها أن تصل إليها بطريق يستطيع الناس أن يروه.
فعدالة القرار الإداري تُقاس بالإجراء الذي أنتجه كما تُقاس بنتيجته، أي أن تكون القاعدة معلنة قبل تطبيقها، وأن يُعرف من غيّرها ولماذا. وفي القضاء الإنكليزي حكمٌ من عام 1924 ألغى إدانة لم تثبت فيها أي مخالفة فعلية، لأن ظاهر الإجراء كان يثير الشك، وجاء فيه أن العدالة لا يكفي أن تتحقق، بل يجب أن يُرى بوضوح أنها تحققت.
ما جرى في دمشق قد لا يكون ظلماً مقصوداً، لكنه جرى بطريقة لا تسمح لأحد بأن يرى إن كان عدلاً. وحين يُترك طالب التزم بالقواعد كلها خارج المدرسة من دون تفسير، يصير الظلم هو التفسير الوحيد المتاح لأهله.
هذه أسئلة موجّهة إلى وزارة التربية: على أي أساس قُبل في ثانوية المتفوقين الأولى طلاب لم يبلغوا الحدّ الأدنى الذي حدّدته الوزارة نفسها في كتاب العاشر من أيلول؟ ولماذا لم يُوزَّع الناجحون الذين لم يجدوا مقعداً على المدارس التي بقيت فيها شواغر، كما جرى في العام الماضي؟ ولماذا لم يجد أهاليهم جواباً حتى اليوم؟ وإلى أن تجيب، سيبقى في دمشق أطفال نجحوا، ولا يعرفون لماذا لم يُقبلوا.


