سوريا - اقتصاد
أراضٍ استُملكت قبل عقود وتعويضات تثير الجدل.. كيف تُحل عقدة الاستملاك في سوريا؟
ملف الاستملاك في سوريا.. الوزارة تتمسك بقانونية الإجراءات وخبراء يطالبون بمراجعة التشريعات
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٦:٣٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
مع تصاعد اعتراضات أصحاب أراضٍ مستملكة في دمشق وريفها، يعود واحد من أكثر الملفات العقارية تعقيداً إلى الواجهة، حاملاً معه أسئلة تتجاوز قانونية الاستملاك إلى عدالة التعويض، ومصير الأراضي التي مضت عقود على استملاكها من دون تنفيذ المشاريع المخصصة لها، وحدود استخدام العقارات المستملكة في مشاريع استثمارية أو بالشراكة مع القطاع الخاص.
وبينما تؤكد وزارة الأشغال العامة والإسكان قانونية إجراءات الاستملاك، وأن وجود مكونات استثمارية في المشاريع العمرانية لا يلغي صفة المنفعة العامة عنها، يرى خبراء قانونيون وعقاريون تحدثوا لـ«العين السورية» أن جوهر المشكلة يكمن في التطبيق والتعويض وتأخر التنفيذ، مطالبين بإعادة النظر في التشريعات بما يحقق توازناً بين حاجة الدولة إلى تنفيذ مشاريعها وحماية حقوق الملكية.
وتتركز اعتراضات عدد من أصحاب الأراضي المستملكة على عدم تناسب بدلات الاستملاك القديمة مع القيم الحالية للأراضي، إضافة إلى الاعتراض على انتقال بعض العقارات من الغايات التي استُملكت من أجلها إلى مشاريع تضم مكونات استثمارية.
الوزارة: الاستملاك قانوني ولا يسقط بالتأخير
وفي خضم الجدل، أصدرت وزارة الأشغال العامة والإسكان بياناً توضيحياً بشأن ما يُتداول على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي حول الأراضي المستملكة والمشاريع العمرانية الجديدة، وما وصفته بمعلومات مجتزأة وتصوير للوقائع على أنها بيع لأراضي المواطنين أو تخلٍ عن حقوقهم.
وأكدت الوزارة أن الاستملاك أداة قانونية لتنفيذ الطرق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية والمدن والمشاريع السكنية، وأن مشروعيته ترتبط بتحقيق المنفعة العامة وفق القانون ومقابل التعويض المقرر، مع احتفاظ المتضرر بحق الاعتراض والمراجعة.
وبحسب البيان، فإن وجود اعتراض على حالة محددة لا يعني بطلان الاستملاك بوصفه أداة قانونية، ولا يلغي جميع القرارات والإجراءات المتخذة بموجبه.
وأوضحت الوزارة أن غالبية القرارات محل النقاش صدرت قبل عقود، وانتقلت الأراضي بموجبها إلى الجهات العامة، وأودعت بدلات الاستملاك وفق الإجراءات المعتمدة، وصُرف منها ما تثبته السجلات والوثائق الرسمية، فيما استفاد عدد من أصحابها من تخصيصات وأولويات لشراء مقاسم أو حصص طابقية.
وشددت على أنها لا تفترض تماثل جميع الحالات، وأن الادعاء بوجود حق أو خطأ في عقار محدد يجب حسمه استناداً إلى الوثائق والسجلات العقارية وإثبات الإيداع والقبض وانتقال الملكية.
وفيما يتعلق بتأخر تنفيذ بعض المشاريع، أرجعت الوزارة ذلك إلى عوامل من بينها فساد النظام البائد، ثم سنوات الثورة والحرب وعدم الاستقرار، مؤكدة أن التأخير وحده لا يؤدي إلى زوال الاستملاك أو عودة الملكية تلقائياً ما دامت المنفعة العامة قائمة.
كما اعتبرت أنه لا يصح مقارنة قيمة الأرض وقت استملاكها بقيمتها بعد عقود من التنظيم والتخطيط وشق الطرق وتأمين المرافق والخدمات والإنفاق العام، موضحة أن جزءاً أساسياً من الزيادة في القيمة نتج عن التخطيط والتوسع العمراني.
ماذا عن المشاريع الاستثمارية؟
وتوقفت الوزارة عند واحدة من أبرز نقاط الجدل، مؤكدة أن المشاريع الجديدة ليست «بيعاً مجرداً» للأراضي أو استثماراً ربحياً بحتاً أو إسكاناً لفئة واحدة.
وبحسب البيان، فإن إقامة التجمعات العمرانية الجديدة تعد من مشروعات المنفعة العامة، ولا تقتصر بطبيعتها على نمط واحد من السكن، وإنما تشمل أنماطاً متعددة من السكن والمشاريع والخدمات والمرافق، بما فيها المكونات الاستثمارية والتجارية والخدمية اللازمة لتحقيق التكامل العمراني والاستدامة الاقتصادية للمشروع.
وأكدت الوزارة أن المؤسسة العامة للإسكان تملك، وفق القوانين والأنظمة النافذة، صلاحية تنفيذ مشاريعها مباشرة أو بالشراكة مع الغير، بما في ذلك المطورون والمستثمرون، متى جاء ذلك في إطار تحقيق غاياتها المتعلقة بإقامة التجمعات العمرانية والمشاريع السكنية وتطويرها.
واعتبرت أن وجود مكونات استثمارية ضمن المشروع أو تنفيذه بالشراكة لا يغير، بحد ذاته، الغاية العامة للمشروع، ولا يعني التخلي عن دور المؤسسة أو التصرف بالأرض خارج الأهداف التي خُصصت لها.
اتجاه لإعادة فتح باب «البدل العيني»
وفي خطوة قد تعيد فتح أحد مسارات معالجة الملف، كشف المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان تمام الدبل لـ«العين السورية» أن وزارة الأشغال العامة والإسكان تتجه إلى إعادة فتح باب التقديم للحصول على البدل العيني للمواطنين الذين لم يحصلوا على التعويض المستحق عن أراضيهم المستملكة.
وأوضح الدبل أن البدل العيني يتمثل في منح أصحاب الأراضي المستملكة مساحات طابقية، مشيراً إلى أن قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 حدد التعويض النقدي بقيمة العقار قبل صدور مرسوم الاستملاك مباشرة.
وبحسب الدبل، أدى ذلك في حالات الاستملاك القديمة إلى فجوة كبيرة بين قيمة العقارات عند استملاكها وقيمتها الحالية، نتيجة التوسع العمراني وارتفاع أسعار المتر المربع.
وأشار إلى أن المؤسسة العامة للإسكان تمنح، إضافة إلى التعويض، ما يعرف بـ«البدل العيني»، الذي يعادل 10% من مساحة الأرض المستملكة، على ألا تتجاوز المساحة الممنوحة ستة دونمات، أي 6000 متر مربع.
ولفت إلى أن هذا النوع من التعويض لا يطبق لدى الوزارات الأخرى، إذ يحصل صاحب الأرض المستملكة لمصلحة جهة أخرى على بدل نقدي فقط.
وأوضح الدبل أن الجزيرة 12 في ضاحية قدسيا تضم مباني خُصصت بالكامل لأصحاب الأراضي المستملكة كبدل عيني، إلا أن إجراءات منح هذا التعويض لم تستكمل لجميع المستحقين.
ووفقاً له، فُتح باب تقديم طلبات الحصول على البدل العيني بين عامي 1997 و2008، واستقبلت المؤسسة خلال تلك الفترة نحو 3905 طلبات، عولج منها 730 طلباً، وحصل معظم أصحاب الطلبات المعالجة على مساحات طابقية.
وأكد أن عدداً من المواطنين لا يزالون من دون تعويض بالبدل العيني، وأن الوزارة تتجه إلى إعادة فتح باب التقديم لاستكمال تعويض المستحقين.
«المشكلة في التطبيق»
من زاوية قانونية، يقول المحامي وسام كريم الدين، مدير شركة الوفاق للتحكيم والدراسات القانونية، لـ«العين السورية»، إن الحكومة الحالية لم تصدر أي قانون أو مرسوم جديد للاستملاك، وإن الاحتجاجات التي ظهرت أخيراً تركزت إما على المطالبة بإلغاء استملاكات قديمة نُفذت سابقاً، أو الاعتراض على بدء تنفيذ قرارات استملاك قديمة ظلت مهملة.
ويرى كريم الدين أن الجديد في المشهد هو قدرة المواطنين على التعبير عن اعتراضهم على تلك القوانين والإجراءات، معتبراً ذلك مؤشراً إيجابياً.
ويؤكد أن وجود قوانين للاستملاك ضرورة تفرضها حاجة الدولة إلى التوسع العمراني وتنفيذ المشاريع في مدن تعود ملكية معظم أراضيها وعقاراتها إلى أفراد.
لكن المشكلة، بحسب كريم الدين، لا تكمن في وجود الاستملاك بحد ذاته، وإنما في تطبيق التشريعات التي خضعت لتعديلات عديدة خلال القرن الماضي.
ويوضح أن قوانين الاستملاك اشترطت وجود منفعة عامة، بينما قد يحدث في بعض الحالات أن يستخدم العقار المستملك، كلياً أو جزئياً، في مشاريع استثمارية للدولة أو القطاع الخاص، وهو ما يثير أسئلة حول استمرار تحقق شرط المنفعة العامة.
التعويض.. جوهر الاعتراض
ويضع كريم الدين آلية تحديد بدل الاستملاك في قلب المشكلة، موضحاً أن قيمة التعويض لا تحدد في قانون أو مرسوم استملاك العقار، وإنما تترك للجان مختصة.
ويرى أن هذه اللجان اعتمدت في بعض الحالات معايير وصفها بغير الواقعية، من بينها تقديرات مالية قديمة، معتبراً أن التقييم المنطقي والعادل للعقار كان من شأنه تخفيف الاعتراضات ودفع المالك إلى قبول التخلي عن عقاره مقابل تعويض منصف.
ويذهب كريم الدين إلى ضرورة تعديل قوانين الاستملاك الحالية، استناداً إلى المشكلات التي أظهرها التطبيق العملي خلال السنوات الماضية.
وبحسب رؤيته، ينبغي لأي تشريع جديد أن يضع ضوابط واضحة لتقدير قيمة التعويض، وأن يشدد على صفة النفع العام للمشاريع المقامة على العقارات المستملكة، ويلزم الجهات العامة بمدة محددة لتنفيذ المشروع الذي جرى الاستملاك من أجله.
ويضرب مثالاً بعقارات استُملكت منذ عقود لإنشاء مشاريع خدمية، مثل المدارس أو المستشفيات، من دون تنفيذها حتى اليوم، معتبراً أن النتيجة في مثل هذه الحالات هي عدم استفادة الصالح العام من الاستملاك، بالتوازي مع حرمان المالك من الاستفادة من عقاره.
كما يدعو إلى تفعيل دور القضاء الإداري في الرقابة على قانونية مراسيم الاستملاك وتنفيذها وفق ما تنص عليه القوانين، إلى جانب معالجة آثار الملفات القديمة، سواء من ناحية عدالة التعويض أو طبيعة الغاية من الاستملاك.
التشاركية.. أين حقوق المالك؟
وفي ملف التشاركية بين القطاعين العام والخاص، يرى كريم الدين أن هذا النموذج يمكن أن يكون مقبولاً في المشاريع التي تحقق، إلى جانب النفع العام، عوائد مالية واقتصادية.
ويقترح أن تقوم صيغة التشاركية على إشراك الجهات الحكومية للمالكين في مشاريع تقام على أراضيهم وتحقق منفعة عامة وعائداً لأصحاب العقارات.
لكنه يرى أن تطبيق هذا التصور يحتاج إلى تشريع يسمح به وينظم تفاصيله، مع ضرورة عدم تعارضه مع المبادئ القانونية المرتبطة بحق الملكية وحرية المالك في التصرف بملكه.
ويتساءل كريم الدين عن مدى جواز إجبار المالك على الدخول في شراكة من دون وجود مبرر يتعلق بالنفع العام، معتبراً أن صيغة أكثر عدالة قد تتمثل في حفظ ملكية العقار لصاحبه وإقامة التشاركية على استغلاله والانتفاع به لمدة محددة.
جوبر والقابون.. ملف مختلف
وفيما يتعلق بالمناطق المدمرة بالكامل، مثل جوبر والقابون، يوضح كريم الدين أن معالجة هذه المناطق لا تدخل أساساً في نطاق قوانين الاستملاك، وإنما ترتبط بأنظمة وقوانين إعمار المدن والمخططات التنظيمية التي تصدرها الوحدات الإدارية لتحديد شكل وطبيعة البناء.
ويشير، في الوقت نفسه، إلى أن بعض المناطق التي لم تكن منظمة بصورة جيدة قد تحتاج إلى عمليات استملاك محددة بهدف توفير خدمات أفضل لسكانها.
التأخر في التنفيذ فاقم المشكلة
من جانبه، يرى الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف، في حديثه لـ«العين السورية»، أن ملف الاستملاك في سوريا يمثل قضية معقدة وممتدة منذ عقود، وأن المشكلة لا تكمن في مبدأ الاستملاك بحد ذاته، وإنما في آلية تطبيقه وقيمة التعويضات وعدم استثمار كثير من الأراضي التي جرى استملاكها.
ويوضح يوسف أن الاستملاك كان ضرورياً في بعض الحالات لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام، لكن المشكلة ظهرت مع استملاك مساحات واسعة، ولا سيما في منطقة غرب دمشق من قدسيا وصولاً إلى الزبداني، بأسعار وصفها بالزهيدة جداً، ثم بقاء مساحات كبيرة منها من دون استثمار لعقود.
ويعتبر أن هذا الواقع خلق لدى أصحاب الأراضي شعوراً بالظلم، إذ استُملكت أراضيهم بأسعار منخفضة، فيما لم تستخدم في الوقت نفسه للغاية التي جرى الاستملاك من أجلها.
قانون جديد وتعويض «حقيقي»
ويقارن يوسف التجربة السورية بما يجري في دول أخرى تلجأ بدورها إلى الاستملاك لتنفيذ المشاريع العامة، لكنها تعمل، بحسب قوله، على جبر الضرر الواقع على أصحاب العقارات عبر تعويضات حقيقية وعادلة تعكس القيمة الفعلية للأرض.
ويرى أن هذا الأمر لم يتحقق بالشكل المطلوب في حالات كثيرة في سوريا.
ويؤكد يوسف أن الحاجة اليوم تتمثل في وضع قانون جديد للاستملاك يضمن عدالة التعويض، مشيراً إلى وجود محاولات سابقة لإعداد مسودة قانون بهذا الخصوص، وأنه شارك في إحدى اللجان التي أعدت مسودة وأحالتها إلى الحكومة، إلا أنها لم تُفعّل لاحقاً.
ويحدد يوسف نقطتين أساسيتين ينبغي أن يتضمنهما أي قانون جديد: أن يكون التعويض فعلياً وحقيقياً ويعادل القيمة الحقيقية للعقار المستملك، وأن ينفذ المشروع الذي جرى الاستملاك من أجله خلال فترة زمنية محددة.
ويضرب مثالاً بالأرض التي تُستملك لإقامة مدرسة أو طريق أو مشروع سياحي أو سكني، إذ يرى ضرورة تنفيذ المشروع خلال مهلة محددة، وأن يكون أصحاب الأرض الأصليون جزءاً من المستفيدين منه بما يحقق قدراً من العدالة الاجتماعية ويخفف شعورهم بالظلم.
التشاركية.. آلية لم تتضح بعد
وفيما يتعلق بالتشاركية بين الحكومة وأصحاب الأراضي، يقول يوسف إن الحديث عنها قائم حالياً، لكن آليتها لا تزال غير واضحة، ولا توجد معالم محددة لكيفية استثمار الأراضي أو إشراك أصحاب الحقوق فيها.
وتزداد المشكلة تعقيداً، وفق يوسف، في الأراضي التي استُملكت قبل أربعين أو خمسين أو حتى ستين عاماً وانتقلت ملكيتها إلى الدولة، إذ توفي عدد من أصحابها الأصليين وانتقلت الحقوق إلى الورثة، ثم إلى أجيال لاحقة من الورثة، ما أدى في بعض الحالات إلى وجود أعداد كبيرة من أصحاب الحقوق.
ويشير إلى مثال أراضي مطار المزة بوصفه نموذجاً على حجم التعقيد الذي يمكن أن تصل إليه ملفات الاستملاك القديمة، متسائلاً عن الآلية التي يمكن من خلالها معالجة حقوق أصحاب الأراضي الأصليين بعد مرور عقود طويلة.
ويرى يوسف أن الاعتماد خلال الفترة الماضية كان بصورة أساسية على أراضٍ مستملكة سابقاً، ما يجعل معالجة الملفات القديمة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً أمام الحكومة.
المناطق المدمرة تحتاج معالجة مختلفة
ويميز يوسف بين ملفات الاستملاك القديمة وبين المناطق التي تعرضت للدمار خلال الحرب، مثل جوبر والقابون والمخيم وغيرها، معتبراً أنها تحتاج إلى آلية معالجة مختلفة تراعي خصوصية أصحاب العقارات الذين فقدوا أراضيهم أو تضررت ممتلكاتهم.
وينتقد معالجة هذه المناطق بالآلية ذاتها المستخدمة في بعض ملفات الاستملاك القديمة، ولا سيما توزيع الأسهم على أصحاب الحقوق، ويرى أن المناطق المتضررة حديثاً تحتاج إلى آلية جديدة وواضحة تحقق العدالة لأصحابها.
ويشير إلى وجود تجارب سابقة في معالجة بعض المناطق عبر توزيع الأسهم، لكنها خلقت، بحسب قوله، شعوراً بعدم الإنصاف لدى مواطنين نتيجة آليات التعويض المتبعة.
بين حق الدولة وحق المالك
تكشف المواقف المتباينة أن الخلاف حول الاستملاك لا يدور على مبدأ حاجة الدولة إليه لتنفيذ مشاريع المنفعة العامة بقدر ما يتركز على ثلاثة أسئلة أساسية: كيف يُحدد التعويض العادل؟ وما المدة المقبولة لبقاء الأرض مستملكة من دون تنفيذ المشروع؟ وإلى أي حد يمكن إدخال الاستثمار والتشاركية في أرض انتقلت إلى الدولة أساساً تحت عنوان المنفعة العامة؟
فالوزارة تتمسك بقانونية الإجراءات السابقة، وترى أن التأخر في التنفيذ لا يبطل الاستملاك تلقائياً، وأن المكونات الاستثمارية يمكن أن تكون جزءاً من مشروع عمراني ذي منفعة عامة. وفي المقابل، يدعو الخبراء إلى مراجعة الإطار التشريعي وآليات التطبيق بما يضع حدوداً زمنية واضحة للتنفيذ، ويعيد النظر في معايير التعويض، ويحدد بصورة أدق العلاقة بين المنفعة العامة والاستثمار.
وبين الموقفين، يبقى ملف الاستملاك في سوريا بحاجة إلى معالجة قانونية واضحة وشاملة تميز بين الحالات القديمة والمناطق المتضررة حديثاً، وتوازن بين قدرة الدولة على التخطيط والتوسع وتنفيذ المشاريع من جهة، وحماية حقوق الملكية وضمان تعويض منصف لأصحابها من جهة أخرى.
مع تصاعد اعتراضات أصحاب أراضٍ مستملكة في دمشق وريفها، يعود واحد من أكثر الملفات العقارية تعقيداً إلى الواجهة، حاملاً معه أسئلة تتجاوز قانونية الاستملاك إلى عدالة التعويض، ومصير الأراضي التي مضت عقود على استملاكها من دون تنفيذ المشاريع المخصصة لها، وحدود استخدام العقارات المستملكة في مشاريع استثمارية أو بالشراكة مع القطاع الخاص.
وبينما تؤكد وزارة الأشغال العامة والإسكان قانونية إجراءات الاستملاك، وأن وجود مكونات استثمارية في المشاريع العمرانية لا يلغي صفة المنفعة العامة عنها، يرى خبراء قانونيون وعقاريون تحدثوا لـ«العين السورية» أن جوهر المشكلة يكمن في التطبيق والتعويض وتأخر التنفيذ، مطالبين بإعادة النظر في التشريعات بما يحقق توازناً بين حاجة الدولة إلى تنفيذ مشاريعها وحماية حقوق الملكية.
وتتركز اعتراضات عدد من أصحاب الأراضي المستملكة على عدم تناسب بدلات الاستملاك القديمة مع القيم الحالية للأراضي، إضافة إلى الاعتراض على انتقال بعض العقارات من الغايات التي استُملكت من أجلها إلى مشاريع تضم مكونات استثمارية.
الوزارة: الاستملاك قانوني ولا يسقط بالتأخير
وفي خضم الجدل، أصدرت وزارة الأشغال العامة والإسكان بياناً توضيحياً بشأن ما يُتداول على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي حول الأراضي المستملكة والمشاريع العمرانية الجديدة، وما وصفته بمعلومات مجتزأة وتصوير للوقائع على أنها بيع لأراضي المواطنين أو تخلٍ عن حقوقهم.
وأكدت الوزارة أن الاستملاك أداة قانونية لتنفيذ الطرق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية والمدن والمشاريع السكنية، وأن مشروعيته ترتبط بتحقيق المنفعة العامة وفق القانون ومقابل التعويض المقرر، مع احتفاظ المتضرر بحق الاعتراض والمراجعة.
وبحسب البيان، فإن وجود اعتراض على حالة محددة لا يعني بطلان الاستملاك بوصفه أداة قانونية، ولا يلغي جميع القرارات والإجراءات المتخذة بموجبه.
وأوضحت الوزارة أن غالبية القرارات محل النقاش صدرت قبل عقود، وانتقلت الأراضي بموجبها إلى الجهات العامة، وأودعت بدلات الاستملاك وفق الإجراءات المعتمدة، وصُرف منها ما تثبته السجلات والوثائق الرسمية، فيما استفاد عدد من أصحابها من تخصيصات وأولويات لشراء مقاسم أو حصص طابقية.
وشددت على أنها لا تفترض تماثل جميع الحالات، وأن الادعاء بوجود حق أو خطأ في عقار محدد يجب حسمه استناداً إلى الوثائق والسجلات العقارية وإثبات الإيداع والقبض وانتقال الملكية.
وفيما يتعلق بتأخر تنفيذ بعض المشاريع، أرجعت الوزارة ذلك إلى عوامل من بينها فساد النظام البائد، ثم سنوات الثورة والحرب وعدم الاستقرار، مؤكدة أن التأخير وحده لا يؤدي إلى زوال الاستملاك أو عودة الملكية تلقائياً ما دامت المنفعة العامة قائمة.
كما اعتبرت أنه لا يصح مقارنة قيمة الأرض وقت استملاكها بقيمتها بعد عقود من التنظيم والتخطيط وشق الطرق وتأمين المرافق والخدمات والإنفاق العام، موضحة أن جزءاً أساسياً من الزيادة في القيمة نتج عن التخطيط والتوسع العمراني.
ماذا عن المشاريع الاستثمارية؟
وتوقفت الوزارة عند واحدة من أبرز نقاط الجدل، مؤكدة أن المشاريع الجديدة ليست «بيعاً مجرداً» للأراضي أو استثماراً ربحياً بحتاً أو إسكاناً لفئة واحدة.
وبحسب البيان، فإن إقامة التجمعات العمرانية الجديدة تعد من مشروعات المنفعة العامة، ولا تقتصر بطبيعتها على نمط واحد من السكن، وإنما تشمل أنماطاً متعددة من السكن والمشاريع والخدمات والمرافق، بما فيها المكونات الاستثمارية والتجارية والخدمية اللازمة لتحقيق التكامل العمراني والاستدامة الاقتصادية للمشروع.
وأكدت الوزارة أن المؤسسة العامة للإسكان تملك، وفق القوانين والأنظمة النافذة، صلاحية تنفيذ مشاريعها مباشرة أو بالشراكة مع الغير، بما في ذلك المطورون والمستثمرون، متى جاء ذلك في إطار تحقيق غاياتها المتعلقة بإقامة التجمعات العمرانية والمشاريع السكنية وتطويرها.
واعتبرت أن وجود مكونات استثمارية ضمن المشروع أو تنفيذه بالشراكة لا يغير، بحد ذاته، الغاية العامة للمشروع، ولا يعني التخلي عن دور المؤسسة أو التصرف بالأرض خارج الأهداف التي خُصصت لها.
اتجاه لإعادة فتح باب «البدل العيني»
وفي خطوة قد تعيد فتح أحد مسارات معالجة الملف، كشف المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان تمام الدبل لـ«العين السورية» أن وزارة الأشغال العامة والإسكان تتجه إلى إعادة فتح باب التقديم للحصول على البدل العيني للمواطنين الذين لم يحصلوا على التعويض المستحق عن أراضيهم المستملكة.
وأوضح الدبل أن البدل العيني يتمثل في منح أصحاب الأراضي المستملكة مساحات طابقية، مشيراً إلى أن قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 حدد التعويض النقدي بقيمة العقار قبل صدور مرسوم الاستملاك مباشرة.
وبحسب الدبل، أدى ذلك في حالات الاستملاك القديمة إلى فجوة كبيرة بين قيمة العقارات عند استملاكها وقيمتها الحالية، نتيجة التوسع العمراني وارتفاع أسعار المتر المربع.
وأشار إلى أن المؤسسة العامة للإسكان تمنح، إضافة إلى التعويض، ما يعرف بـ«البدل العيني»، الذي يعادل 10% من مساحة الأرض المستملكة، على ألا تتجاوز المساحة الممنوحة ستة دونمات، أي 6000 متر مربع.
ولفت إلى أن هذا النوع من التعويض لا يطبق لدى الوزارات الأخرى، إذ يحصل صاحب الأرض المستملكة لمصلحة جهة أخرى على بدل نقدي فقط.
وأوضح الدبل أن الجزيرة 12 في ضاحية قدسيا تضم مباني خُصصت بالكامل لأصحاب الأراضي المستملكة كبدل عيني، إلا أن إجراءات منح هذا التعويض لم تستكمل لجميع المستحقين.
ووفقاً له، فُتح باب تقديم طلبات الحصول على البدل العيني بين عامي 1997 و2008، واستقبلت المؤسسة خلال تلك الفترة نحو 3905 طلبات، عولج منها 730 طلباً، وحصل معظم أصحاب الطلبات المعالجة على مساحات طابقية.
وأكد أن عدداً من المواطنين لا يزالون من دون تعويض بالبدل العيني، وأن الوزارة تتجه إلى إعادة فتح باب التقديم لاستكمال تعويض المستحقين.
«المشكلة في التطبيق»
من زاوية قانونية، يقول المحامي وسام كريم الدين، مدير شركة الوفاق للتحكيم والدراسات القانونية، لـ«العين السورية»، إن الحكومة الحالية لم تصدر أي قانون أو مرسوم جديد للاستملاك، وإن الاحتجاجات التي ظهرت أخيراً تركزت إما على المطالبة بإلغاء استملاكات قديمة نُفذت سابقاً، أو الاعتراض على بدء تنفيذ قرارات استملاك قديمة ظلت مهملة.
ويرى كريم الدين أن الجديد في المشهد هو قدرة المواطنين على التعبير عن اعتراضهم على تلك القوانين والإجراءات، معتبراً ذلك مؤشراً إيجابياً.
ويؤكد أن وجود قوانين للاستملاك ضرورة تفرضها حاجة الدولة إلى التوسع العمراني وتنفيذ المشاريع في مدن تعود ملكية معظم أراضيها وعقاراتها إلى أفراد.
لكن المشكلة، بحسب كريم الدين، لا تكمن في وجود الاستملاك بحد ذاته، وإنما في تطبيق التشريعات التي خضعت لتعديلات عديدة خلال القرن الماضي.
ويوضح أن قوانين الاستملاك اشترطت وجود منفعة عامة، بينما قد يحدث في بعض الحالات أن يستخدم العقار المستملك، كلياً أو جزئياً، في مشاريع استثمارية للدولة أو القطاع الخاص، وهو ما يثير أسئلة حول استمرار تحقق شرط المنفعة العامة.
التعويض.. جوهر الاعتراض
ويضع كريم الدين آلية تحديد بدل الاستملاك في قلب المشكلة، موضحاً أن قيمة التعويض لا تحدد في قانون أو مرسوم استملاك العقار، وإنما تترك للجان مختصة.
ويرى أن هذه اللجان اعتمدت في بعض الحالات معايير وصفها بغير الواقعية، من بينها تقديرات مالية قديمة، معتبراً أن التقييم المنطقي والعادل للعقار كان من شأنه تخفيف الاعتراضات ودفع المالك إلى قبول التخلي عن عقاره مقابل تعويض منصف.
ويذهب كريم الدين إلى ضرورة تعديل قوانين الاستملاك الحالية، استناداً إلى المشكلات التي أظهرها التطبيق العملي خلال السنوات الماضية.
وبحسب رؤيته، ينبغي لأي تشريع جديد أن يضع ضوابط واضحة لتقدير قيمة التعويض، وأن يشدد على صفة النفع العام للمشاريع المقامة على العقارات المستملكة، ويلزم الجهات العامة بمدة محددة لتنفيذ المشروع الذي جرى الاستملاك من أجله.
ويضرب مثالاً بعقارات استُملكت منذ عقود لإنشاء مشاريع خدمية، مثل المدارس أو المستشفيات، من دون تنفيذها حتى اليوم، معتبراً أن النتيجة في مثل هذه الحالات هي عدم استفادة الصالح العام من الاستملاك، بالتوازي مع حرمان المالك من الاستفادة من عقاره.
كما يدعو إلى تفعيل دور القضاء الإداري في الرقابة على قانونية مراسيم الاستملاك وتنفيذها وفق ما تنص عليه القوانين، إلى جانب معالجة آثار الملفات القديمة، سواء من ناحية عدالة التعويض أو طبيعة الغاية من الاستملاك.
التشاركية.. أين حقوق المالك؟
وفي ملف التشاركية بين القطاعين العام والخاص، يرى كريم الدين أن هذا النموذج يمكن أن يكون مقبولاً في المشاريع التي تحقق، إلى جانب النفع العام، عوائد مالية واقتصادية.
ويقترح أن تقوم صيغة التشاركية على إشراك الجهات الحكومية للمالكين في مشاريع تقام على أراضيهم وتحقق منفعة عامة وعائداً لأصحاب العقارات.
لكنه يرى أن تطبيق هذا التصور يحتاج إلى تشريع يسمح به وينظم تفاصيله، مع ضرورة عدم تعارضه مع المبادئ القانونية المرتبطة بحق الملكية وحرية المالك في التصرف بملكه.
ويتساءل كريم الدين عن مدى جواز إجبار المالك على الدخول في شراكة من دون وجود مبرر يتعلق بالنفع العام، معتبراً أن صيغة أكثر عدالة قد تتمثل في حفظ ملكية العقار لصاحبه وإقامة التشاركية على استغلاله والانتفاع به لمدة محددة.
جوبر والقابون.. ملف مختلف
وفيما يتعلق بالمناطق المدمرة بالكامل، مثل جوبر والقابون، يوضح كريم الدين أن معالجة هذه المناطق لا تدخل أساساً في نطاق قوانين الاستملاك، وإنما ترتبط بأنظمة وقوانين إعمار المدن والمخططات التنظيمية التي تصدرها الوحدات الإدارية لتحديد شكل وطبيعة البناء.
ويشير، في الوقت نفسه، إلى أن بعض المناطق التي لم تكن منظمة بصورة جيدة قد تحتاج إلى عمليات استملاك محددة بهدف توفير خدمات أفضل لسكانها.
التأخر في التنفيذ فاقم المشكلة
من جانبه، يرى الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف، في حديثه لـ«العين السورية»، أن ملف الاستملاك في سوريا يمثل قضية معقدة وممتدة منذ عقود، وأن المشكلة لا تكمن في مبدأ الاستملاك بحد ذاته، وإنما في آلية تطبيقه وقيمة التعويضات وعدم استثمار كثير من الأراضي التي جرى استملاكها.
ويوضح يوسف أن الاستملاك كان ضرورياً في بعض الحالات لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام، لكن المشكلة ظهرت مع استملاك مساحات واسعة، ولا سيما في منطقة غرب دمشق من قدسيا وصولاً إلى الزبداني، بأسعار وصفها بالزهيدة جداً، ثم بقاء مساحات كبيرة منها من دون استثمار لعقود.
ويعتبر أن هذا الواقع خلق لدى أصحاب الأراضي شعوراً بالظلم، إذ استُملكت أراضيهم بأسعار منخفضة، فيما لم تستخدم في الوقت نفسه للغاية التي جرى الاستملاك من أجلها.
قانون جديد وتعويض «حقيقي»
ويقارن يوسف التجربة السورية بما يجري في دول أخرى تلجأ بدورها إلى الاستملاك لتنفيذ المشاريع العامة، لكنها تعمل، بحسب قوله، على جبر الضرر الواقع على أصحاب العقارات عبر تعويضات حقيقية وعادلة تعكس القيمة الفعلية للأرض.
ويرى أن هذا الأمر لم يتحقق بالشكل المطلوب في حالات كثيرة في سوريا.
ويؤكد يوسف أن الحاجة اليوم تتمثل في وضع قانون جديد للاستملاك يضمن عدالة التعويض، مشيراً إلى وجود محاولات سابقة لإعداد مسودة قانون بهذا الخصوص، وأنه شارك في إحدى اللجان التي أعدت مسودة وأحالتها إلى الحكومة، إلا أنها لم تُفعّل لاحقاً.
ويحدد يوسف نقطتين أساسيتين ينبغي أن يتضمنهما أي قانون جديد: أن يكون التعويض فعلياً وحقيقياً ويعادل القيمة الحقيقية للعقار المستملك، وأن ينفذ المشروع الذي جرى الاستملاك من أجله خلال فترة زمنية محددة.
ويضرب مثالاً بالأرض التي تُستملك لإقامة مدرسة أو طريق أو مشروع سياحي أو سكني، إذ يرى ضرورة تنفيذ المشروع خلال مهلة محددة، وأن يكون أصحاب الأرض الأصليون جزءاً من المستفيدين منه بما يحقق قدراً من العدالة الاجتماعية ويخفف شعورهم بالظلم.
التشاركية.. آلية لم تتضح بعد
وفيما يتعلق بالتشاركية بين الحكومة وأصحاب الأراضي، يقول يوسف إن الحديث عنها قائم حالياً، لكن آليتها لا تزال غير واضحة، ولا توجد معالم محددة لكيفية استثمار الأراضي أو إشراك أصحاب الحقوق فيها.
وتزداد المشكلة تعقيداً، وفق يوسف، في الأراضي التي استُملكت قبل أربعين أو خمسين أو حتى ستين عاماً وانتقلت ملكيتها إلى الدولة، إذ توفي عدد من أصحابها الأصليين وانتقلت الحقوق إلى الورثة، ثم إلى أجيال لاحقة من الورثة، ما أدى في بعض الحالات إلى وجود أعداد كبيرة من أصحاب الحقوق.
ويشير إلى مثال أراضي مطار المزة بوصفه نموذجاً على حجم التعقيد الذي يمكن أن تصل إليه ملفات الاستملاك القديمة، متسائلاً عن الآلية التي يمكن من خلالها معالجة حقوق أصحاب الأراضي الأصليين بعد مرور عقود طويلة.
ويرى يوسف أن الاعتماد خلال الفترة الماضية كان بصورة أساسية على أراضٍ مستملكة سابقاً، ما يجعل معالجة الملفات القديمة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً أمام الحكومة.
المناطق المدمرة تحتاج معالجة مختلفة
ويميز يوسف بين ملفات الاستملاك القديمة وبين المناطق التي تعرضت للدمار خلال الحرب، مثل جوبر والقابون والمخيم وغيرها، معتبراً أنها تحتاج إلى آلية معالجة مختلفة تراعي خصوصية أصحاب العقارات الذين فقدوا أراضيهم أو تضررت ممتلكاتهم.
وينتقد معالجة هذه المناطق بالآلية ذاتها المستخدمة في بعض ملفات الاستملاك القديمة، ولا سيما توزيع الأسهم على أصحاب الحقوق، ويرى أن المناطق المتضررة حديثاً تحتاج إلى آلية جديدة وواضحة تحقق العدالة لأصحابها.
ويشير إلى وجود تجارب سابقة في معالجة بعض المناطق عبر توزيع الأسهم، لكنها خلقت، بحسب قوله، شعوراً بعدم الإنصاف لدى مواطنين نتيجة آليات التعويض المتبعة.
بين حق الدولة وحق المالك
تكشف المواقف المتباينة أن الخلاف حول الاستملاك لا يدور على مبدأ حاجة الدولة إليه لتنفيذ مشاريع المنفعة العامة بقدر ما يتركز على ثلاثة أسئلة أساسية: كيف يُحدد التعويض العادل؟ وما المدة المقبولة لبقاء الأرض مستملكة من دون تنفيذ المشروع؟ وإلى أي حد يمكن إدخال الاستثمار والتشاركية في أرض انتقلت إلى الدولة أساساً تحت عنوان المنفعة العامة؟
فالوزارة تتمسك بقانونية الإجراءات السابقة، وترى أن التأخر في التنفيذ لا يبطل الاستملاك تلقائياً، وأن المكونات الاستثمارية يمكن أن تكون جزءاً من مشروع عمراني ذي منفعة عامة. وفي المقابل، يدعو الخبراء إلى مراجعة الإطار التشريعي وآليات التطبيق بما يضع حدوداً زمنية واضحة للتنفيذ، ويعيد النظر في معايير التعويض، ويحدد بصورة أدق العلاقة بين المنفعة العامة والاستثمار.
وبين الموقفين، يبقى ملف الاستملاك في سوريا بحاجة إلى معالجة قانونية واضحة وشاملة تميز بين الحالات القديمة والمناطق المتضررة حديثاً، وتوازن بين قدرة الدولة على التخطيط والتوسع وتنفيذ المشاريع من جهة، وحماية حقوق الملكية وضمان تعويض منصف لأصحابها من جهة أخرى.


