سوريا - رأي
بعد مئة عام من العزلة.. القامشلي تتحدث بلسانها السوري
ا
العين السورية - رياض النزال
نشر في: ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:١٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في العشرين من أغسطس/آب 2026، حلت الذكرى المئوية لتأسيس مدينة القامشلي السورية؛ المدينة التي كانت في بداياتها، كما يُنقل عن ذاكرة الطاعنين في السن من أهلها، مكانًا موحشًا موبوءًا بالمستنقعات والملاريا، إلى حدّ أن الطير إذا شرب من مائها "يحلق في الجو برهة ثم لا يلبث أن يسقط على الأرض ميتًا".
من بضعة بيوت متناثرة على ضفاف نهر الهرماس (الجغجغ)، بدأت قبل قرن محطة جديدة في العمر الطويل لهذه البقعة «الميزوبوتامية»؛ كغيرها من مدن بلاد ما بين النهرين التي صنعتها الجغرافيا قبل أن ترسمها الحدود، وتعاقبت عليها الشعوب والهجرات والأديان واللغات والثقافات، حتى غدا التنوع جزءًا من بنيتها، لا طارئًا على تاريخها.
لكن القامشلي، التي ولدت على تخوم دولة سورية خطّ حدودها سايكس وبيكو، وكانت هي الأخرى في طور التكوين، ستقضي معظم قرنها الأول على مسافة أبعد بكثير من تلك التي تفصلها عن المركز، دمشق. فمن مدينة حدودية صغيرة نشأت في عشرينيات القرن الماضي إلى مركز واحدة من أغنى مناطق سوريا، بقيت القامشلي، ومعها الجزيرة السورية، حاضرة في حسابات الثروة والأمن والحدود، وغائبة في كثير من الأحيان عن حسابات التنمية والقرار. وهنا تبدأ حكاية مئة عام من العزلة.
قطار الشرق يرسم الحدود
من برلين إلى بغداد، مرّ خط سكة الحديد في قلب الجزيرة السورية، عابرًا رأس العين و الدرباسية وعامودا والقامشلي وقبور البيض، فكانت القرى المحاذية له تنمو شيئًا فشيئًا لتصبح نوى لمدن جديدة. وكانت نصيبين، على الطرف الآخر من الخط، جزءًا من هذا المجال الواحد، قبل أن تأتي الحدود فتجعل من السكة التي جمعت هذه الاماكن ذات يوم جزءًا من الخط الذي فصل سوريا عن تركيا.
ومع رسم الحدود عبر كثير من أهل نصيبين إلى القامشلي، وانتقل إليها عدد من وجهائها وتجارها، وكأن المدينة الجديدة كانت تستقبل ما اقتطعته الحدود من المدينة القديمة. وهكذا لم تعد السكة طريقًا للقطار فحسب؛ بل تحولت لاحقًا، حين رسمت فرنسا وتركيا الحدود بينهما، من طريق يصل الناس ببعضهم إلى جدار فولاذي يفصل بينهم.
وفي هذا المكان الذي لم يكن قد تعلّم بعد لغة الحدود، حطّ العرب الرحال بين السريان، وسكن الكرد السهل، واتخذ الآشوريون والأرمن منه موطنًا، وفتح اليهود حوانيتهم. لم تكن هناك بداية يمكن أن ننسبها إلى جماعة، ولا نهاية يمكن أن نمنحها لأخرى، ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يثبت أنه سبق غيره إلى المكان أو أنه أحق به. كانوا يتقاسمون السوق والشارع والعمل والحي، ويتشابهون في الهيئة، وفي كثير من الأحيان حتى في الأسماء، قبل أن تصبح الهويات السياسية أكثر حضورًا من الجغرافيا التي جمعتهم.
لم تولد القامشلي من جماعة واحدة، ولم تكن فسيفساء رُتبت أحجارها لاحقًا؛ بل كانت مدينة تتشكل من اجتماع الناس لا من تفرقهم، جاءت إليها الجماعات كما تأتي روافد النهر، من جهات مختلفة لتصب في مكان واحد.
في البدء كان الاقتصاد
لم تكن الجزيرة تنتظر أن تأتيها الحياة من المركز؛ كانت الأرض نفسها تفتح أبوابها لمن يعرف كيف يقرأها. وما بدأ إرهاصاته في الثلاثينيات، أخذ في الأربعينيات شكل ثورة زراعية حقيقية، لتدخل بعد الحرب العالمية الثانية طور الطفرة. لم تعد السهول المحيطة بالقامشلي مجرد امتداد أخضر، بل تحولت إلى اقتصاد يصنع المدينة ويجذب إليها الناس والأسواق ورؤوس الأموال. دخلت المكننة إلى الحقول، وتقدمت الجرارات والحصادات في السهول، وتوسعت تجارب الري الحديثة، في واحدة من أكثر مراحل الجزيرة حيوية وتحولًا.
وكانت تلك السهول، على بعدها، مفتوحة على العالم: جاءتها بذار القمح من أميركا، والقطن من الهند، وآلات الري من ألمانيا، ثم خرجت محاصيل سهولها إلى أسواق العالم. وزُرع الأرز وأُنشئت المعامل لتقشيره، وجُرّبت محاولات الاستمطار الصناعي. لم تكن الأرض يومها مجرد مورد، بل ميدانًا للتجربة والاستثمار وكان القمح ذهب الجزيرة الأبيض، يمتد في السهول الخصبة حول القامشلي ويملأ أسواقها ومستودعاتها، قبل أن تكشف الخمسينيات عن ذهب آخر كان ينتظر تحت الأرض. ففي كراتشوك ثم السويدية اكتُشف النفط، واجتمع في جغرافيا واحدة ما ينبت فوق الأرض وما يختبئ تحتها من قمح ونفط وماء وتحولت المدينة من بلدة حدودية ناشئة إلى حاضرة اقتصادية لجزيرة أخذت تكتشف سريعًا حجم ما تختزنه من ثروة.
من قبضة عبد الناصر إلى حزام البعث
لم تكن الجزيرة بعيدة عن حسابات المشاريع القومية التي تنازعت المنطقة، حتى قبل أن تصبح القومية شعارًا للدولة السورية. ففي سبتمبر/أيلول 1941، وصل يوسف فايتس (Joseph Weitz)، أحد أبرز مسؤولي الاستيطان في الصندوق القومي اليهودي، إلى دمشق، ومنها إلى الجزيرة السورية، مستطلعًا أرضها ومياهها وإمكانات إعادة التوطين فيها؛ مثلت إضاءة مبكرة على جغرافيا ستكتشف لاحقًا أنها، بثروتها وحدودها وتركيبتها السكانية، حاضرة دائمًا في خرائط الآخرين ومشاريعهم.
وفي ذروة المد القومي، وصل جمال عبد الناصر إلى القامشلي، في زيارة أراد منها زعيم الجمهورية العربية المتحدة أن يصل صوته إلى الجوار، ولا سيما تركيا والعراق، عضوي حلف بغداد المحتضر. ومن هناك شكر أهل الجزيرة على تمسكهم "بعروبتهم وقومتيهم"، وعلى رفضهم دعاوى الانتداب الفرنسي لسلخ الجزيرة عن الوطن الأم سوريا. كانت القامشلي يومها أقصى نقطة يمكن أن تقف عليها الوحدة العربية لتخاطب خصومها عبر الحدود.
لكن المفارقة أن أقل من عام كان كافيًا لينفصل الإقليم الشمالي، سوريا، عن الإقليم الجنوبي، مصر، وتنتهي أول تجربة وحدوية عربية. وبعدها جاء انقلاب البعث بمشروع قومي آخر كان للجزيرة حصتها منه بحزام ديموغرافي هذه المرة على الحدود الشمالية مع تركيا، فيما حضرت الحدود العراقية جنوبًا في التصورات الأمنية والقومية للمنطقة. وكانت ذريعة البعث حماية هوية وطنية بدا شعورها القومي "مرهفًا"، إلى الحد الذي استدعى إعادة ترتيب البشر والجغرافيا.
ومنذ ذلك الحين، أخذت الجزيرة تعيش مفارقة من نوع آخر منطقة نامية في السجلات الحكومية، ونائية في سجلات الواقع. صار شق الطريق وبناء المدرسة وحفر البئر وإيصال الكهرباء يُدرج في عداد منجزات «الحركة التصحيحية» الأسدية، ثم لم تعد النائية وصفًا للجغرافيا وحدها؛ تحولت الجزيرة شيئًا فشيئًا إلى منفى داخل الوطن. إليها يُبعد الموظف المغضوب عليه، وهكذا أصبحت المسافة إلى القامشلي تُقاس أحيانًا بدرجة الرضا عنك، لا بعدد الكيلومترات التي تفصلك عن دمشق؛ وكأن المدينة التي بدأت طفرة اقتصادية على أطراف البلاد، انتهى بها الأمر منفى لمن يُراد إبعاده عن مركزها.
سوريا الجديدة وهواجس التغيير
على مدى أربعة عشر عامًا من الأزمة السورية، بقيت الجزيرة، إلى حدّ ما، بعيدة عن براميل بشار الأسد ونيران حقده وحربه التي أحرقت ما تبقى من سوريا البعث؛ لكنها لم تكن بعيدة عن مشاريع وظيفية عابرة للحدود، وجدت في الفراغ الذي تركته الدولة أرضًا خصبة، وتغذت على الضجيج القومي والعرقي أكثر مما تغذت على حاجات الناس. تغيرت الرايات والقوى المسيطرة، وكثرت المشاريع والوعود، بينما بقيت المحصلة في الخدمات والتنمية قريبة من الصفر.
ومع تغير الظروف الإقليمية، وانتصار ثورة الشعب السوري التي استدعتها حتمية التاريخ بعد سنوات من الدم والتضحيات والشتات، كانت الجزيرة آخر المنضمين إلى كنف الدولة السورية الجديدة. والمفارقة أن المنطقة التي أمضت عقودًا بعيدة عن مركز القرار، بات كثير من أبنائها اليوم يتقلدون مواقع قيادية و«سيادية» في الحكم الجديد، فيما عادت التنمية إلى الخطاب بوصفها وعدًا مؤجلًا ينتظر أن يتحول هذه المرة إلى واقع.
وبدأت الطائرات الخاصة تحطّ في مطار القامشلي قادمة من دمشق، محملة بالمستثمرين والوفود، لتنطلق مواكبهم نحو حقول النفط، مخفورة بالكاميرات من الأرض والجو. يجسّون الأرض بحثًا عما تختزنه من نفط، من دون أن يجسّوا نبض الناس فوقها وما يحتاجونه؛ ينظرون إلى الآبار والخزانات وخطوط الإنتاج، فيما تمر خلف زجاج سياراتهم قرى ومدن ما تزال أجزاء منها تحمل ملامح تكاد تنتمي إلى العصر الحجري.
وبعد مئة عام من تأسيس القامشلي، لم يعد السؤال من وصل إلى الجزيرة أولًا، ولا من يملك رواية أقدم عن ترابها. لقد أخذت الجزيرة نصيبها كاملًا من ثرواتها، ولكن على هيئة تهميش وأمراض مزمنة خلّفها النفط والتلوث والإهمال، وأصحاب أرض دفعوا من صحتهم ثمن ما استُخرج من باطنها.
لقد آن الأوان أن تأخذ الجزيرة نصيبها من ثروتها على هيئة تطور وتنمية؛ أن تكون الطرق والمدارس والمستشفيات والجامعات والمياه النظيفة وفرص العمل هي ما يصل إلى أهلها، لا أن تمر الثروة من تحت أقدامهم في طريقها إلى مكان آخر.
فبعد قرن كامل من ولادة القامشلي، ربما لم تعد المدينة بحاجة إلى مشروع قومي جديد، ولا إلى خريطة جديدة، ولا إلى من يعيد اكتشاف ما تحت أرضها. إنها بحاجة، ببساطة، إلى أن تنتهي عزلتها؛ وألا يبقى ما تحت الأرض أغلى ممن يعيشون فوقها.
من بضعة بيوت متناثرة على ضفاف نهر الهرماس (الجغجغ)، بدأت قبل قرن محطة جديدة في العمر الطويل لهذه البقعة «الميزوبوتامية»؛ كغيرها من مدن بلاد ما بين النهرين التي صنعتها الجغرافيا قبل أن ترسمها الحدود، وتعاقبت عليها الشعوب والهجرات والأديان واللغات والثقافات، حتى غدا التنوع جزءًا من بنيتها، لا طارئًا على تاريخها.
لكن القامشلي، التي ولدت على تخوم دولة سورية خطّ حدودها سايكس وبيكو، وكانت هي الأخرى في طور التكوين، ستقضي معظم قرنها الأول على مسافة أبعد بكثير من تلك التي تفصلها عن المركز، دمشق. فمن مدينة حدودية صغيرة نشأت في عشرينيات القرن الماضي إلى مركز واحدة من أغنى مناطق سوريا، بقيت القامشلي، ومعها الجزيرة السورية، حاضرة في حسابات الثروة والأمن والحدود، وغائبة في كثير من الأحيان عن حسابات التنمية والقرار. وهنا تبدأ حكاية مئة عام من العزلة.

قطار الشرق يرسم الحدود
من برلين إلى بغداد، مرّ خط سكة الحديد في قلب الجزيرة السورية، عابرًا رأس العين و الدرباسية وعامودا والقامشلي وقبور البيض، فكانت القرى المحاذية له تنمو شيئًا فشيئًا لتصبح نوى لمدن جديدة. وكانت نصيبين، على الطرف الآخر من الخط، جزءًا من هذا المجال الواحد، قبل أن تأتي الحدود فتجعل من السكة التي جمعت هذه الاماكن ذات يوم جزءًا من الخط الذي فصل سوريا عن تركيا.
ومع رسم الحدود عبر كثير من أهل نصيبين إلى القامشلي، وانتقل إليها عدد من وجهائها وتجارها، وكأن المدينة الجديدة كانت تستقبل ما اقتطعته الحدود من المدينة القديمة. وهكذا لم تعد السكة طريقًا للقطار فحسب؛ بل تحولت لاحقًا، حين رسمت فرنسا وتركيا الحدود بينهما، من طريق يصل الناس ببعضهم إلى جدار فولاذي يفصل بينهم.
وفي هذا المكان الذي لم يكن قد تعلّم بعد لغة الحدود، حطّ العرب الرحال بين السريان، وسكن الكرد السهل، واتخذ الآشوريون والأرمن منه موطنًا، وفتح اليهود حوانيتهم. لم تكن هناك بداية يمكن أن ننسبها إلى جماعة، ولا نهاية يمكن أن نمنحها لأخرى، ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يثبت أنه سبق غيره إلى المكان أو أنه أحق به. كانوا يتقاسمون السوق والشارع والعمل والحي، ويتشابهون في الهيئة، وفي كثير من الأحيان حتى في الأسماء، قبل أن تصبح الهويات السياسية أكثر حضورًا من الجغرافيا التي جمعتهم.
لم تولد القامشلي من جماعة واحدة، ولم تكن فسيفساء رُتبت أحجارها لاحقًا؛ بل كانت مدينة تتشكل من اجتماع الناس لا من تفرقهم، جاءت إليها الجماعات كما تأتي روافد النهر، من جهات مختلفة لتصب في مكان واحد.
في البدء كان الاقتصاد
لم تكن الجزيرة تنتظر أن تأتيها الحياة من المركز؛ كانت الأرض نفسها تفتح أبوابها لمن يعرف كيف يقرأها. وما بدأ إرهاصاته في الثلاثينيات، أخذ في الأربعينيات شكل ثورة زراعية حقيقية، لتدخل بعد الحرب العالمية الثانية طور الطفرة. لم تعد السهول المحيطة بالقامشلي مجرد امتداد أخضر، بل تحولت إلى اقتصاد يصنع المدينة ويجذب إليها الناس والأسواق ورؤوس الأموال. دخلت المكننة إلى الحقول، وتقدمت الجرارات والحصادات في السهول، وتوسعت تجارب الري الحديثة، في واحدة من أكثر مراحل الجزيرة حيوية وتحولًا.
وكانت تلك السهول، على بعدها، مفتوحة على العالم: جاءتها بذار القمح من أميركا، والقطن من الهند، وآلات الري من ألمانيا، ثم خرجت محاصيل سهولها إلى أسواق العالم. وزُرع الأرز وأُنشئت المعامل لتقشيره، وجُرّبت محاولات الاستمطار الصناعي. لم تكن الأرض يومها مجرد مورد، بل ميدانًا للتجربة والاستثمار وكان القمح ذهب الجزيرة الأبيض، يمتد في السهول الخصبة حول القامشلي ويملأ أسواقها ومستودعاتها، قبل أن تكشف الخمسينيات عن ذهب آخر كان ينتظر تحت الأرض. ففي كراتشوك ثم السويدية اكتُشف النفط، واجتمع في جغرافيا واحدة ما ينبت فوق الأرض وما يختبئ تحتها من قمح ونفط وماء وتحولت المدينة من بلدة حدودية ناشئة إلى حاضرة اقتصادية لجزيرة أخذت تكتشف سريعًا حجم ما تختزنه من ثروة.

من قبضة عبد الناصر إلى حزام البعث
لم تكن الجزيرة بعيدة عن حسابات المشاريع القومية التي تنازعت المنطقة، حتى قبل أن تصبح القومية شعارًا للدولة السورية. ففي سبتمبر/أيلول 1941، وصل يوسف فايتس (Joseph Weitz)، أحد أبرز مسؤولي الاستيطان في الصندوق القومي اليهودي، إلى دمشق، ومنها إلى الجزيرة السورية، مستطلعًا أرضها ومياهها وإمكانات إعادة التوطين فيها؛ مثلت إضاءة مبكرة على جغرافيا ستكتشف لاحقًا أنها، بثروتها وحدودها وتركيبتها السكانية، حاضرة دائمًا في خرائط الآخرين ومشاريعهم.
وفي ذروة المد القومي، وصل جمال عبد الناصر إلى القامشلي، في زيارة أراد منها زعيم الجمهورية العربية المتحدة أن يصل صوته إلى الجوار، ولا سيما تركيا والعراق، عضوي حلف بغداد المحتضر. ومن هناك شكر أهل الجزيرة على تمسكهم "بعروبتهم وقومتيهم"، وعلى رفضهم دعاوى الانتداب الفرنسي لسلخ الجزيرة عن الوطن الأم سوريا. كانت القامشلي يومها أقصى نقطة يمكن أن تقف عليها الوحدة العربية لتخاطب خصومها عبر الحدود.
لكن المفارقة أن أقل من عام كان كافيًا لينفصل الإقليم الشمالي، سوريا، عن الإقليم الجنوبي، مصر، وتنتهي أول تجربة وحدوية عربية. وبعدها جاء انقلاب البعث بمشروع قومي آخر كان للجزيرة حصتها منه بحزام ديموغرافي هذه المرة على الحدود الشمالية مع تركيا، فيما حضرت الحدود العراقية جنوبًا في التصورات الأمنية والقومية للمنطقة. وكانت ذريعة البعث حماية هوية وطنية بدا شعورها القومي "مرهفًا"، إلى الحد الذي استدعى إعادة ترتيب البشر والجغرافيا.
ومنذ ذلك الحين، أخذت الجزيرة تعيش مفارقة من نوع آخر منطقة نامية في السجلات الحكومية، ونائية في سجلات الواقع. صار شق الطريق وبناء المدرسة وحفر البئر وإيصال الكهرباء يُدرج في عداد منجزات «الحركة التصحيحية» الأسدية، ثم لم تعد النائية وصفًا للجغرافيا وحدها؛ تحولت الجزيرة شيئًا فشيئًا إلى منفى داخل الوطن. إليها يُبعد الموظف المغضوب عليه، وهكذا أصبحت المسافة إلى القامشلي تُقاس أحيانًا بدرجة الرضا عنك، لا بعدد الكيلومترات التي تفصلك عن دمشق؛ وكأن المدينة التي بدأت طفرة اقتصادية على أطراف البلاد، انتهى بها الأمر منفى لمن يُراد إبعاده عن مركزها.

سوريا الجديدة وهواجس التغيير
على مدى أربعة عشر عامًا من الأزمة السورية، بقيت الجزيرة، إلى حدّ ما، بعيدة عن براميل بشار الأسد ونيران حقده وحربه التي أحرقت ما تبقى من سوريا البعث؛ لكنها لم تكن بعيدة عن مشاريع وظيفية عابرة للحدود، وجدت في الفراغ الذي تركته الدولة أرضًا خصبة، وتغذت على الضجيج القومي والعرقي أكثر مما تغذت على حاجات الناس. تغيرت الرايات والقوى المسيطرة، وكثرت المشاريع والوعود، بينما بقيت المحصلة في الخدمات والتنمية قريبة من الصفر.
ومع تغير الظروف الإقليمية، وانتصار ثورة الشعب السوري التي استدعتها حتمية التاريخ بعد سنوات من الدم والتضحيات والشتات، كانت الجزيرة آخر المنضمين إلى كنف الدولة السورية الجديدة. والمفارقة أن المنطقة التي أمضت عقودًا بعيدة عن مركز القرار، بات كثير من أبنائها اليوم يتقلدون مواقع قيادية و«سيادية» في الحكم الجديد، فيما عادت التنمية إلى الخطاب بوصفها وعدًا مؤجلًا ينتظر أن يتحول هذه المرة إلى واقع.
وبدأت الطائرات الخاصة تحطّ في مطار القامشلي قادمة من دمشق، محملة بالمستثمرين والوفود، لتنطلق مواكبهم نحو حقول النفط، مخفورة بالكاميرات من الأرض والجو. يجسّون الأرض بحثًا عما تختزنه من نفط، من دون أن يجسّوا نبض الناس فوقها وما يحتاجونه؛ ينظرون إلى الآبار والخزانات وخطوط الإنتاج، فيما تمر خلف زجاج سياراتهم قرى ومدن ما تزال أجزاء منها تحمل ملامح تكاد تنتمي إلى العصر الحجري.
وبعد مئة عام من تأسيس القامشلي، لم يعد السؤال من وصل إلى الجزيرة أولًا، ولا من يملك رواية أقدم عن ترابها. لقد أخذت الجزيرة نصيبها كاملًا من ثرواتها، ولكن على هيئة تهميش وأمراض مزمنة خلّفها النفط والتلوث والإهمال، وأصحاب أرض دفعوا من صحتهم ثمن ما استُخرج من باطنها.

لقد آن الأوان أن تأخذ الجزيرة نصيبها من ثروتها على هيئة تطور وتنمية؛ أن تكون الطرق والمدارس والمستشفيات والجامعات والمياه النظيفة وفرص العمل هي ما يصل إلى أهلها، لا أن تمر الثروة من تحت أقدامهم في طريقها إلى مكان آخر.
فبعد قرن كامل من ولادة القامشلي، ربما لم تعد المدينة بحاجة إلى مشروع قومي جديد، ولا إلى خريطة جديدة، ولا إلى من يعيد اكتشاف ما تحت أرضها. إنها بحاجة، ببساطة، إلى أن تنتهي عزلتها؛ وألا يبقى ما تحت الأرض أغلى ممن يعيشون فوقها.


