سوريا - رأي
بين الدولة المعصومة والسلطة المسؤولة مساحةٌ تحتاج للتعريف
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ١٨ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٢١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يقف الشارع السوري اليوم أمام واقعٍ خدميٍّ مُتفاوت في التحسن والجودة بين قطاعٍ وآخر، وبين منطقةٍ وأخرى. وهذا بالطبع نتيجة حتمية وطبيعية لعقود من السياسات الهدامة للنظام السابق، ويضاف إليها سنوات الحرب التي خلّفت دماراً هائلاً وممنهجاً في البنى التحتية، أدى ذلك كلّه إلى خللٍ بنيوي في القطاعات كافة.
لن أتطرق الآن إلى المشاكل الخدمية وتحليلها والبحث في أسبابها المباشرة ونتائجها. لكن ما استوقفني فعلاً هو مصطلح "الدولة" الذي يُتَداول على ألسنة الناس وكأنه بديهيّ، وكأنما الدولة بمفهومها السياسي والتاريخي هي المسؤول المباشر عن كل ما يحدث حولنا من أزمات إدارية يومية. وللبحث عن أصل هذا الالتباس كان لا بدَّ من العودة خطوة إلى الوراء لفك التداخل الشديد بين "الدولة" بكونها الثابت الكلّي والجامع، وبين مصطلحات قانونية أخرى تستوجب تحمّل المسؤولية المباشرة والمساءلة؛ كالحكومة والسلطة، تنفيذية كانت أو قضائية أو تشريعية (إذ حتى السلطة التشريعية يجب أن تخضع للمساءلة).
أنسنة الدولة
طوال خمسة عقود ونيف من حكم آل الأسد لسوريا أُنتِج مفهوم الدولة بوصفه السلطة والحكومة والمؤسسات وصولاً إلى كل مسؤول. فبدل أن يكون الموظف العام مهما علت مرتبته، مسؤولاً عن الخدمات العامة، صار هو الدولةَ في هيئة إنسان. هكذا ترسخت وهيمنت رؤية السلطة السياسية لنفسها في عقل أصغر طفلٍ وأكبر شيخ، لتصبح مصلحة السلطة هي المصلحة الوطنية العليا في البلاد.
ومع الوقت ترسخت عند كثير من السوريين قناعةٌ بأن انتقاد الأوضاع الخدمية المتردية نيلٌ من هيبة الدولة، وأن محاسبة المسؤول على تقصيره وهنٌ لعزيمة الأمة، لدرجةٍ بات المواطن الذي ينتقد مسؤولاً وكأنّه خارجٌ عن القطيع، يغرّد خارج السرب. فالصفة تُلصق به قبل أن يُسمع سؤاله، والحُكم يسبق التحقّق: بين مُثيرٍ للفوضى وعميل وخائنٍ للوطن الذي تربى وعاش فيه. وبالتالي يُدان صاحب السؤال بصفته، فيصمت الآخرون خشية الصفة نفسها. هكذا ولّدت سلطة الأسد عمىً شعبياً، في بلدٍ كانت مفخرته الوعي السياسي والحياة حزبية الحرّة لأبنائه قبل حكم آل الأسد.
تحوّل رواية السلطة إلى هوية للمجتمع
نجحت هيمنة السلطة على الوعي الجمعي لأنها تمكنت من التدخل في أدق تفاصيل الحس المشترك وأعادت تنظيمه لتصبح روايتها جزءاً من الهوية. فبات الناس يكررون سرديات السلطة دون أن يكونوا موظفين لديها. وقد فقدوا القدرة على تذكر أنها رؤية تاريخية قابلة للنقد. فأصبحت ضمن هذا السياق معدلات البطالة المرتفعة مرتبطة بتقاعس الناس عن العمل وكسلهم، ليس نتيجة السياسات الاقتصادية، وصار الفقر نتيجة حتمية لهذا الكسل لا حصيلةً لخللٍ بُنيويّ. هكذا انتقل الشعور بالذنب من المسؤول عنه إلى ضحيته، وبات الفقير خجلاً بالحال التي وصل إليها بدل أن يسأل عن حقّه وحصته من مقدرات البلاد.
الفرق بين المصطلحات الغائبة
لتفكيك هذا العماء السياسي والوعي المشوّه، يصبح من الواجب إحياء التمايز الجوهري بين ثلاثة مفاهيم تعمّدت السلطة الأسدية دمجها. فـ"الدولة" هي الكيان القانوني والدستوري الثابت المكون من الأرض، الشعب، والسلطة ذات السيادة؛ وهي الإطار الجامع الذي ينتمي إليه الجميع ولا يزول بزوال الحكام. أما الحكومة، فليست سوى الجهاز التنفيذي الإداري المؤقت، ووكلائها المكلفين بإدارة الشأن العام وتنظيم الخدمات لقاء ضرائب تُدفع من قِبل المواطن. وفي المنتصف تقبع السلطة كأداة لإدارة الحكم وتطبيق القانون عبر مؤسساتها الثلاث (التنفيذية، التشريعية، والقضائية). إن الفارق هنا هو حجر الزاوية في مبدأ المساءلة، وهذا ليس ترف لغوي أو تلاعب مفاهيمي، فالأزمات الخدمية اليومية، من انتشار القمامة إلى انقطاع الكهرباء وتدهور المعيشة، هي أخطاء وحالات تقصير صريحة تُسأل عنها الحكومة بوزاراتها وجهاتها العامة وموظفيها، ولا علاقة لها بذات "الدولة" الثابتة. اختزال هذه الأجهزة الإدارية في مفهوم "الدولة" يمنح الموظف المقصر حصانةً مقدسّة، ويجعل نقد الخدمة السيئة يبدو وكأنه نقدٌ للوطن نفسه.
حتى السلطة التشريعية تُسأل
وتمتد مساحة المساءلة لتطال السلطة التشريعية نفسها؛ ذلك الكيان الذي يفوضه الشعب بالأساس ليكون وكيلاً عنه، وحارساً لصالحه العام، ومُراقِباً على أداء الحكومة. ففي النظم الحديثة والتجارب الدولية الواعية، أصبحت الممارسة البرلمانية مرئية للمواطن وخاضعة لمساءلته، وذلك عن طريق نشوء منظمات مدنية مستقلة لمراقبة عمل البرلمان. تقوم هذه المنظمات بمتابعة حضور الأعضاء والجلسات، وتوثيق مشاركاتهم ونوعية مداخلاتهم الملموسة، ثم تنشر تقارير دورية تضع أداء "ممثل الشعب" تحت مجهر الشفافية والمساءلة الشعبية المباشرة.
الدولة غطاءٌ لا درع
إن المحصلة الحقيقية لأي عقدٍ اجتماعيّ مُعافى تتلخص في أن الجميع خاضع للمساءلة والمحاسبة، كلٌّ حسب دائرة صلاحياته ومسؤوليته، فالموظف يُسأل عن خدمته، والوزير عن خطته، وعضو مجلس الشعب عن تمثيله وتشريعه. أما "الدولة"، فهي ذلك الشيء الكلي والثابت الذي يجمعنا جميعاً، والغطاء الجامع للجميع الذي لا ينبغي تحويله إلى درعٍ تُحتمى خلفه تقصيرات الأفراد والمؤسسات.
الوعي الشعبي والاتكالية المغشوشة
هذا التشوه المفاهيمي انعكس مباشرة على الوعي الجمعي، إذ حوّل المواطن من صاحِب حقّ ومُسائل صريح إلى استجدائيّ ينتظر الفضل والمكرمة. فحين يتوجه الناس بالرجاء والنداء لـ "الدولة" كي تُعبّد طريقاً ما أو تؤمّن خدمةً معيشية، فإنهم يمارسون، عن غير قصد، فعل تنازلٍ عن مواطنتهم، ويعيدون إنتاج المفهوم الأبويّ السائد ذاته، الذي يرى في السلطة أباً راعياً لا يخطئ بدلاً من كونه مكلّفاً بخدمةٍ عامة يُحاسَب. إن الوعي الشعبي المعافى هو الذي يدرك تماماً أن النقد ليس تطاولاً، وأن المطالبة بالخدمات ليست شحذه، إنما هي جزءٌ من عقدٍ اجتماعيٍّ أصيل، مُشتمل على ضرائب وتفويض مدني مقابل خدمات وحقوق مصونة. وبدون الاستعادة الواعية لهذا الفهم، سيبقى الشارع يراوح بين الخوف من الاتهام بالخيانة وبين العجز عن ممارسة أبسط حقوقه الرقابية.
دور منظمات المجتمع المدني والإعلام
وهنا تماماً يبرز دور منظمات المجتمع المدني والإعلام الصحفي المستقل، كركيزة أساسية لإعادة بناء هذا الوعي المستلب. فعندما نختزل دور المجتمع المدني بتقديم المساعدات الإغاثية أو الترقيع الخدمي، نكون قد أفرغناه من وظيفته الفكرية والحقوقية الأكثر أهمية: تثقيف الشارع بحقوقه المواطنية وتفكيك هيمنة الخطاب السلطوي. إن على هذه المنظمات والإعلام خوض معركة "تفكيك المفاهيم"، عبر تعليم الناس كيفية تقديم العرائض، والمساءلة الإدارية، وتسمية الأشياء بمسمياتها؛ فيُقال "تقصير البلدية" بدل "غياب الدولة"، و"فشل الوزارة" بدل "إنهاك الوطن". إن إعادة العافية للوعي السياسي السوري تبدأ من تحرير اللغة والوعي من إرث عقودٍ من الترهيب، لتصبح مؤسسات المجتمع المدني جسراً يُعيد للمواطن فاعليته، وللصحافة دورها في كشف الخلل دون خوفٍ من تهم المروق والشيطنة.
إن شجرة الوعي السياسي التي غرستها سنوات من الحرية والتنوير في سوريا قبل حكم آل الأسد، لا تزال جذورها قائمة تحت ركام الهيمنة الخطابية. وتفكيك شلل المصطلحات هو الخطوة الأولى والضرورية نحو سوريا التي نشتهي؛ فتحسين الواقع المعيشي وجودة الخدمات العامة ليس مكرمة تُطلب من "الدولة"، بل واجبٌ إداري يُحاسب عليه الموظف والمسؤول. وعندما يُدرك الشارع الفرق بين الوطن المعصوم في وجداننا وبين الحكومة المُطالبة بالعمل تحت عين الرقابة الشعبية، حينها فقط نكون قد خطونا أول خطوة حقيقية نحو المواطنة الكاملة ودولة الحق والقانون.


