سوريا - اقتصاد
هل بدأت سوريا بحصاد ثمار الانفتاح.. فُرص لا تخلو من اختبارات
تحولات جيوسياسية تعيد رسم تموضع سوريا الإقليمي
ن
ناظم عيد
نشر في: ١ يونيو ٢٠٢٦، ٠٩:٣٧
3 دقيقة
11

يجمع الخبراء على أن مشاركة سوريا في قمم مجموعة السبع فرصة حيوية لكسر الجمود الدولي حول الأزمة السورية. وحضورها يعزز مبدأ الحوار المباشر لإيجاد وبلورة آفاق تعاون سلسلة لاستدراك كم هائل من الاستحقاقات المتراكمة.
وربما تفتح المشاركة النوعية بما أن سوريا ستكون ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، المجال لمناقشة قضايا إعادة الإعمار وعودة اللاجئين بآليات دولية شفافة، والاستفادة من الخبرات الاقتصادية لدول المجموعة.
كما أن إشراك سوريا في اجتماعات مجموعة السبع، هو اعتراف بدورها الجيوستراتيجي كركيزة أمن وإقليمي.
ظرف معقد
يأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متزايدة في الممرات البحرية، خاصة مع استمرار تداعيات أزمة مضيق هرمز، ما أعاد الاهتمام بالمواقع الجغرافية البديلة القادرة على دعم حركة التجارة الإقليمية والدولية.
الإمداد والتعافي
يرى الدكتور زياد أيوب عربش.. وهو أكاديمي ومستشار اقتصادي.. أن سوريا ستجلس لأول مرة على طاولة مجموعة السبع بوصفها دولة ضيفة. ستحمل كلمتين رئيسيتين في جعبتها: "مركز الإمداد" والتعافي المستدام". فهل تتحول هذه المشاركة لبداية حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوري وإدماجه دولياً، أم أنها ستبقى مجرد صورة تذكارية تليها سنوات أخرى من الترقب؟
ويعتبر د. عربش في حديثه لـ " العين السورية"، أن كل الاحتمالات مفتوحة.. لكن المؤكد أن التاريخ الجيواقتصادي للمنطقة يُسّطر اليوم فصلاً جديداً عنوانه: دمشق تعود إلى اللعبة الكبرى، وهذه المرة ليس عبر المحاور العسكرية، بل عبر الموانئ والطرق والاقتصاد.
تحول غير مسبوق
ويضيف المستشار عربش، أنه تطور دبلوماسي واقتصادي وصفته مصادر غربية بـ"التاريخي"، أن تتلقى الجمهورية العربية السورية دعوة رسمية للمشاركة بصفتها دولة ضَيفة في أعمال قمة مجموعة السبع (G7) المقررة في فرنسا خلال الفترة من١٥-١٧ حزيران يونيو ٢٠٢٦. فهذه المرة الأولى التي تُدعى فيها لسورية من أربعة عشر عاما، للجلوس على طاولة تضم أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم.
المعلومة أكدتها دعوة سُلّمت باليد لوزير المالية السوري، الذي سيرافق وفد بلاده لكن المفاجأة الأكبر كانت في هوية رئيس الوفد: فسيمثل سورية شخصياً الرئيس في خطوة تُفسَّر بأنها رسالة غربية شرق أوسطية جديدة مفادها أن دمشق لم تعد على هامش النظام العالمي، بل أصبحت جزءاً من الحلول الجيوسياسية الطارئة.
محاور المشاركة السورية
يصف د. عربش بأنه نقله من الإغاثة إلى الجيواستراتيجيا.. وإشعار بنهاية العمل البحري وبداية العمل البري بالنسبة لسوريا..
فالمحور الأساسي الذي ستطرحه الرئاسة السورية في القمة ليس سياسياً بالمعنى التقليدي، بل لوجستي اقتصادي. وبتقديم سورية كـمركز بديل واستراتيجي لسلاسل الإمداد العالمية في ظل أزمة الملاحة البحرية الخانقة التي تتعرض لها المنطقة منذ إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات في البحر الأحمر.
فالموقع الجغرافي الفريد لسورية، المطل على البحر المتوسط عبر ميناء اللاذقية وطرطوس، والمتصل بمناطق الشرق الأوسط والخليج عبر شبكة طرق برية، يُعيد اليوم تعريف أهميته. ففي وقت تتعطل فيه القنوات البحرية التقليدية (قناة السويس وباب المندب)، يمكن أن تتحول سورية إلى بوابة عبور للبضائع بين الشرق والغرب، وهو ما تسعى دمشق لاستغلاله كورقة هامة وفرصة استثمارية ضخمة.
التعافي المستدام
أما على الصعيد الاقتصادي الداخلي، الكلام للدكتور عربش، فسيحضر وزير المالية الجلسات المخصصة لملف "التعافي المستدام لسورية"، والتي تُعقد لأول مرة تحت مظلة G7. وفق ما نقلته رويترز، ستناقش هذه الجلسات آليات إعادة دمج سورية في النظام المالي العالمي بما يشمل:
- إعادة هيكلة الديون السيادية السورية.
- شروط عودة المصارف السورية إلى نظام سويفت (SWIFT).
- إنشاء آليات ضمان للاستثمارات الأجنبية في البنية التحتية.
- استئناف عمل بعثات صندوق النقد والبنك الدوليين في دمشق.
هذه النقاط كانت حتى وقت قريب مجرد طموحات بعيدة المنال، لكن الانفتاح الدبلوماسي العربي والأوروبي، إلى جانب التطورات الإقليمية، هيأ الأرضية لهذه الخطوة.
مكاسب
الآن ماذا تحصد دمشق فعلًا؟
يرى المستشار الاقتصادي أن سوريا حققت خلال الفترة الممتدة بين أواخر 2025 ومنتصف 2026 مجموعة من المكاسب الملموسة في مجالات متعددة.
في المجال التجاري، تم فتح خطوط ائتمان تجارية مع أربع دول أوروبية هي إيطاليا وفرنسا واليونان ومالطا، خصصت بشكل أساسي لاستيراد الحبوب والأدوية والمواد الأساسية.
أما في قطاع الاستثمار، فقد جرى توقيع ثلاث مذكرات تفاهم مع ائتلافات استثمارية تجمع شركات خليجية وأوروبية، تستهدف إعادة تأهيل ميناء طرطوس ومطار دمشق الدولي، إلى جانب إنشاء منطقة لوجستية حرة قرب الحدود مع لبنان.
وفي القطاع المالي، شهدت الأشهر الأخيرة عودة خمسة مصارف سورية (خاصة ومختلطة) إلى نظام المراسلة المصرفية مع بنوك فرنسية وإيطالية، وإن كان ذلك بشكل تجريبي ومحدود.
على الصعيد السياسي، تمكنت سورية من حصول اعتراف بحكم الأمر الواقع من ثلاث دول أعضاء في مجموعة السبع (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، تجلى في فتح قنوات دبلوماسية شبه علنية وتبادل زيارات لمسؤولين اقتصاديين.
لكن على الجانب الآخر، لا تزال التحديات قائمة، وأبرزها .. بطء وتيرة الاستثمارات المباشرة وتردّد المؤسسات المالية العالمية الكبرى بسبب غياب تسوية سياسية شاملة وما يرتبط بها من مخاطر تقييمية.
التحديات المطروحة على G7
يتوقع الخبير عربش أن تطرح الدول الغربية الأعضاء في المجموعة (الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، اليابان) ثلاثة شروط رئيسية لأي اندماج اقتصادي كامل لسورية:
1.آليات الشفافية والمساءلة في إعادة الإعمار، لمنع أي فساد أو استخدام أموال دولية في غير أغراضها.
2.التزام سوري قابل للقياس بالإصلاحات النقدية والمالية، بما في ذلك استقلالية مصرف سورية المركزي ونشر بيانات دقيقة عن الاحتياطيات.
3.ضمانات بعدم عودة التصعيد عسكرياً أو استخدام الأراضي السورية لتهديد جيرانها.
أما سورية، فستطلب في المقابل:
-جدول زمني واضح لتفعيل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى.
وبدء فوري لمشاريع البنية التحتية بتمويل من صندوق "G7 للتعافي السوري" (مقترح فرنسي – ألماني لم يُعلن رسميًا بعد).
-دعم دولي لخطة الربط البري البحري بين الخليج والبحر المتوسط عبر سورية.
فرصة أم اختبار صعب؟
تعتبر المشاركة السورية في قمة G7 ليست مجرد تتويج رمزي للانفتاح الدولي، برأي عربش، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الجديد في دمشق على التحول من "دولة محاصرة وتنفتح" إلى "شريك اقتصادي فاعل". المكاسب التي حققتها سورية خلال الأشهر الماضية، فتح خطوط الائتمان، عودة المراسلة المصرفية، الاهتمام بمشاريع البنية التحتية تعكس تغيراً في النظرة الغربية من عزل سورية إلى إشراكها كعنصر استقرار إقليمي.
لكن التحدي الأكبر يكمن في السرعة والمصداقية. فيعيش العالم اليوم أزمة سلاسل إمداد غير مسبوقة، وفراغاً جيوسياسياً تتنافس عليه قوى كبرى. إذا نجحت سورية في إقناع قادة السبع بأنها جاهزة لأن تكون جزءاً من الحل، لا المشكلة، فإن النافذة الحالية قد تتحول إلى تحول هيكلي دائم.
آمال
أمام مثل هذه القراءة، تبقى أبواب الآمال الكبيرة مُشرعة، لأن القيادة الجديدة في سوريا أثبتت قدرتها على التقاط اللحظة، واستثمار الفرص الكثيرة التي طالما أضاعها النظام البائد، الذي أدخل البلاد في أكبر نموذج لفوات المنفعة الناتجة عن الإدارة السلبية للموارد والعلاقات مع الدول.


