سوريا - اقتصاد
" قاطرة التنمية" السورية ترتبك أمام ضربات قادمة من الخارج.. أهل الكار يبوحون بالوجع
ن
نورا حربا
نشر في: ١٨ يوليو ٢٠٢٦، ٠٨:١٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يواجه القطاع الصناعي في سوريا ضغوطاً متزايدة، تهدد استمرارية العديد من المنشآت، وفق ما يجري تداوله في أوساط قطاع الأعمال الصناعي، وقرائن يدفعون بها للدلالة على تراجع الإنتاج وفرص العمل.
أبرز هذه الضغوط يتمثل في ارتفاع أسعار المدخلات المستوردة، من مواد خام إلى معدات إنتاج، بفعل التضخم العالمي وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، ما رفع تكلفة الإنتاج وجعل بعض المصانع غير قادرة على الاستمرار وتحقيق هوامش ربحية مقبولة.
البرزخ المالي
كما تواجه الشركات صعوبات مالية حقيقية بسبب محدودية التمويل المصرفي وتعقيدات التحويلات الدولية، ما يزيد من كلفة الاستيراد ويحد من قدرة المصانع على تجديد خطوط الإنتاج أو شراء مستلزمات الإنتاج الأساسية.
ناهيك عن سياسة حبس السيولة التي يتبعها المركزي والتي أعاقت بشكل كبير كل مكونات قطاع الأعمال.
مؤشر غير مطمئن
يُلفت الصناعي ورئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق، محمد أورفه لي، في حديثه "العين السورية"، إلى أن الصناعة السورية تمر بظرف سيء، ومن يحب الأرقام فليقم بزيارة الغرفة الصناعية ليقرأ مؤشرات التراجع من خلال رصد أعداد الصناعيين الذين لم يجددوا اشتراكهم في الغرفة.
تباين وانعدام تكافؤ
يتطرق أورفه لي للعقبات التي تواجه الصناعة الوطنية، مؤكداً أن أسعار الطاقة المرتفعة، وعدم إيجاد حلول لها كالغاز الطبيعي المنخفض التكلفة عالمياً، والسماح بالمستوردات المدعومة من بلدانها بالطاقة وبتعويضات ومزايا، لتحتل مكان المنتج الوطني.. وخير شاهد، الإعلانات المنتشرة في الشوارع بالكاد تجد منتجاً وطنياً.
انفتاح جيد ولكن
من حيث المبدأ العام، لا توجد تحفظات على الانفتاح الاقتصادي والتحول إلى الاقتصاد الحر في سوريا، إذ يرى أورفه لي، أن الانفتاح جيد ولكن بقواعد و ضوابط. ويقول: حينما نجد من يدعم تصدير منتجاته.. من يرسل بضائعه لسوريا بسعر أقل من سوقه المحلي، ندرك أن هناك الكثير الكثير من الضوابط لكي يستطيع الصناعي الصمود في السوق السوري .
فائص بالميزان التجاري
يرى اورفه لي، أن أي مبادرة تصب في صالح الصناعة، تعتبر مبادرة ترفع لها القبعة. ولكن على من يبادر بهكذا مبادرات أن يضع في الحسبان تحويل المستورد إلى صناعي ، فالمال و رؤوس الأموال بالطبيعة تنساب باتجاه الموضوع الأكثر ربحية و الأقل عملا ، لذا عليهم أن يضعوا جميع المبادرات بما يصب في ذلك الصالح لتنجح صناعتنا وصادراتنا، ونحقق فائضاً في الميزان التجاري لصالح الصادرات لا الواردات للأسف كحالنا اليوم.
أثر خجول
وعما إذا ساهمت التعرفة الجمركية الجديدة في دعم الصناعة ...والكلام لأورفه لي ..ساهمت بشكل خجول لأنها تحتاج لرفع أكبر دوماً. ويقول: أعطي مثالاً على ذلك .. حينما حاولت تصدير السيراميك لتركيا وضعت تعرفة على الطن مرتفعة جداً بما يعادل على كل متر في الجمارك التركية ١٥$ الأمر الذي جعل السيراميك ولو بعناه مجاناً غير قادر على الصمود في السوق التركي.
قطاع ضعيف أمام الصدمات
يشير خبراء اقتصاديون، إلى أن هذه العوامل مجتمعة تجعل القطاع الصناعي ضعيفاً أمام الصدمات الاقتصادية العالمية، وتحد من القدرة على التوسع أو جذب الاستثمارات.
ويعد وضع سياسات حمائية، مثل الرسوم الجمركية والتحفيزات الإنتاجية للمنتجات ذات المثيل المحلي، كالإعفاءات الضريبية والقروض الميسرة، من الوسائل المهمة لدعم الصناعات المحلية، وتحسين القدرة التنافسية، والحفاظ على العمالة الوطنية.
خسائر ضخمة
وتشير تقديرات مختلفة إلى أن القطاع الصناعي السوري تكبد خسائر واسعة خلال سنوات الحرب (2011-2024)، وتراجع عدد المنشآت الصناعية من حوالي 130 ألف منشأة قبل عام 2011 إلى ما يقارب 70 ألف منشأة فقط، فيما أكدت تقارير دولية أن 70% من الصناعات السورية تعرضت للتدمير أو التوقف خلال هذه السنوات.
عدوى الصادرات
غير أن التحديات التي تواجه الصناعيين لا تقتصر على كلف الإنتاج وصعوبة المنافسة في السوق المحلية، إنما تمتد إلى قطاع الصادرات السورية الذي يعاني كذلك من عقبات وتحديات جمة.
يؤكد الخبير في الشؤون الصناعية صهيب الرومي في حديثه لـ"العين السورية"، أن قطاع التصدير في سوريا ينحصر بشكل أساسي بالمنتجات الغذائية والزراعية، وبعض أصناف المنتجات النسيجية التي باتت تصل اليوم إلى الأسواق الأوروبية.
ويضيف الرومي، أن الفترة الماضية شهدت أيضاً تصدير شحنة نفطية ضخمة من 600 ألف برميل، إضافة إلى تصدير مادة الفوسفات إلى مصر.
ويرى الخبير، أن القطاع الصناعي يواجه تحديات جدية من ناحية حركة التصدير، تبدأ بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتمر بالرسوم الجمركية المرتفعة التي تتطلب مراجعة عاجلة، ولا تنتهي عند تقلبات سعر الصرف التي تربك الصناعي في تحديد الكلفة الفعلية لمنتجاته.
تعافٍ تدريجي
من جانبه يؤكد الصناعي ورجل الأعمال محمد الشاعر في حديثه لـ"العين السورية"، أن الصناعة السورية بدأت تتعافى رويداً رويداً مع عودة العديد من الصناعيين المهاجرين، بالإضافة للجهود المبذولة لتحسين بيئة العمل الصناعي.
لكن هناك العديد من العقبات.. والكلام للشاعر...ربما من المفيد أن نذكر منها ارتفاع التكاليف الناجمة عن مجموعة من المعطيات، وغياب القطاع المصرفي من حيث التمويل و المعاملات المالية مع الخارج، إضافة إلى المنافسة غير العادلة مع تدفق المستوردات.
حلحلة ممكنة
يُشير الشاعر إلى مجموعة من الحلول الممكنة، لتجاوز واقع الصناعة السورية الصعب. منها تعزيز قدرات الصناعيين وتمكينهم، وايجاد قنوات لتسويق منتجاتهم، وتفعيل القطاع المصرفي والرقابة على المستوردات وضبط الممارسات الضارة بالاقتصاد وحماية الصناعات الناشئة .
رؤية أوسع
يعتبر الشاعر، أن الاقتصاد الحر الذي تنتجهه الجهات المعنية في الدولة جيد، من حيث توفير السلع و تنويع الخيارات أمام جمهور المستهلكين. ولكن الاقتصاد لا يدار من رؤية بزاوية واحدة، بل الاقتصاد يدار بحيث يحقق جميع المصالح و يوازن بينها، فالاقتصاد ليس توفير السلع فقط .. بل أيضاً توفير فرص العمل وتعزيز الدخل .
مطلوبة وضرورية
وفيما يتعلق بالمبادرات التي نشهدها حالياً لدعم الصناعة الوطنية بعيداً عن رسوم الحماية ومنع الاستيراد، يرى الشاعر أنه من الممكن أن تكون مبادرات الدعم غير المباشر مفيدة وهي مطلوبة و ضرورية.
لكن الصناعي لا يحتاج إلى حماية، بل إلى رعاية وتمكين ضمن منظومة واضحة ورؤية استراتيجية تشجع الصناعة، وتفتح لها آفاق الوصول إلى الأسواق.
تدخل حكومي مطلوب
في المحصلة، القطاع الصناعي السوري يواجه تحديات متعددة مترابطة بين ارتفاع التكاليف، ضعف التمويل، الانقطاع في الخدمات الأساسية، وضغوط الإغراق الدولي، ما يستدعي تدخلاً حكومياً منسقاً لضمان استمرارية الإنتاج وحماية الاقتصاد الوطني.


