سوريا - اقتصاد
"ثورة التشريعات"... كيف يرسم أول برلمان ملامح اقتصاد سوريا التأسيسي؟
ر
رهام علي
نشر في: ١٧ يوليو ٢٠٢٦، ١٧:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بمنأى عن الرتابة التشريعية السابقة، تتجه الأنظار اليوم إلى مجلس الشعب السوري الجديد مع انعقاد جلسته الافتتاحية الأولى، وسط ترقب واسع من الأوساط الاقتصادية والشعبية التي تضع هذا الاستحقاق في خانة الاختبار المصيري الحاسم. البرلمان الحالي لا يحمل صفة روتينية، بل يُمثل أول مجلس ينعقد للدخول في مرحلة انتقالية وتأسيسية، تفرض إعادة صياغة كاملة وشاملة للهوية الاقتصادية السورية.
وفي تصريحات لـ "العين السورية"، قدم كل من المستشار الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب، وأستاذ التمويل والمصارف بكلية الاقتصاد في جامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد، رؤية تشريحية وميدانية عميقة لخارطة الإنقاذ الاقتصادي والمهمات العاجلة المطروحة على طاولة النواب الجدد.
تفكيك إرث الاستحواذ الاقتصادي
في قراءته الأكاديمية للمرحلة، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن "البلاد تقف اليوم على عتبة عقد اجتماعي واقتصادي جديد كلياً وليس فقط على أطلال مرحلة ماضية". ويؤكد محمد أن "إعادة تعريف الهوية الاقتصادية للمرحلة القادمة هي ضرورة وجودية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وليست مجرد ترف أكاديمي"، مشدداً على وجوب "التأسيس لقطيعة معرفية كاملة مع الإرث الشمولي البائد في إدارة الموارد، والانتقال الجذري من اقتصاد الولاء السياسي والريع الأمني إلى اقتصاد الإنتاج والمواطنة، إذ تُبنى الثروة بالعمل والابتكار لا بالتقرب من دوائر النفوذ والسلطة". ويضيف أستاذ التمويل والمصارف أن مجلس الشعب الجديد يجب أن يتحول سريعاً من مجرد مؤسسة تصدّق على القرارات الحكومية إلى مختبر وطني حقيقي لصياغة السياسات، لافتاً إلى أن الدور الأعمق للمجلس هو بناء الثقة المفقودة، لأنه بدون ثقة المواطن بعملته المحلية، وثقة المستثمر ببيئة الأعمال، وثقة الممول الدولي بنزاهة المؤسسات، ستبقى أي خطة إعمار حبراً على ورق.
استقلالية النقد وإنقاذ الليرة
وحول آليات لجم التضخم المفرط وضبط استقرار سعر الصرف، يطرح الدكتور عبد الرحمن محمد خريطة طريق متكاملة تعتمد على جبهتين متوازيتين، أولاهما جراحية لاستئصال أسباب التدهور، والأخرى تعزيزية لبناء مناعة جديدة للاقتصاد، وذلك بالتنسيق مع مصرف مركزي مستقل فعلياً عبر حزمة تشريعات عاجلة. يأتي في مقدمة هذه الخطوات إصدار قانون يمنح المصرف المركزي استقلالاً كاملاً وينزع عنه تماماً وظيفة ممول العجز الحكومي، بحيث ينص صراحة على تحريم الإقراض المباشر للحكومة، وتحويل إدارة السياسة النقدية إلى لجنة فنية مختصة هدفها الوحيد حماية القوة الشرائية للعملة بعيداً عن الحسابات والمصالح السياسية الضيقة كحجر زاوية للاستقرار. يتبع ذلك ضرورة إقرار تشريع يحرر التعامل بالقطع الأجنبي بشكل كامل ومنظم، ملغياً المراسيم المقيدة السابقة التي تسببت في خلق سوق سوداء مدمرة، مع السماح للمصارف ومؤسسات الصرافة المرخصة بالعمل بحرية، وإنشاء منصة إلكترونية شفافة لتوحيد أسعار الصرف وتوجيه ضربة قاضية للمضاربة، مؤكداً أن "الثقة لا تُستعاد بالأمن بل بالمؤسسات والشفافية". ويكتمل هذا المسار بحسب أستاذ التمويل والمصارف، بقانون عاجل لتحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي كتشريع اقتصاد حرب انتقالي، لا يعتمد على الدعم السلعي المباشر بل على دعم المدخلات، من خلال تقديم إعفاءات جمركية فورية ومؤقتة للمواد الأولية والبذور والأسمدة والآلات، مع إقرار نظام مسرّع لاسترداد ضرائب الصادرات لخلق صدمة عرض إيجابية تخفض الأسعار عبر زيادة الإنتاج لا عبر القمع والرقابة التموينية.
إنهاء مركزية القرار
من جانبه، يركز المستشار الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب على البُعد التنفيذي والميداني للقرارات في الأسواق، معتبراً أن "أولى الخطوات الواجب اتخاذها فوراً للجم التضخم وتحسين القوة الشرائية للمواطنين، تتمثل في إصدار الأنظمة والقوانين التي تلغي مركزية القرار واحتكار القطاع العام للخدمات الأساسية المتعلقة بالمواطن".
ويدعو ديب إلى تعميق التشاركية الحقيقية مع القطاع الخاص وإصدار تشريعات جمركية واستثمارية تعطيه مرونة العمل بشكل منظم تحت مراقبة وتنظيم الدولة، مع ترك هذا القطاع يعمل وفق رؤيته الاقتصادية بما يتناسب مع مصلحة المواطن والدولة معاً.
ويشير المستشار الاقتصادي إلى أن "القوانين والأنظمة القديمة كبّلت القطاع الخاص بالكامل وتقيد اليوم جهود الانتقال نحو السوق الحر، مطالباً بتغيير سريع لهذه القوانين وسن تشريعات جديدة حاسمة لأن المواطن بات لا يتحمل الوضع الاقتصادي الصعب الحالي، ومن واجب نواب الشعب التحرك السريع بهذا الاتجاه دون أي تباطؤ".
نسف بيروقراطية التراخيص
وفي ملف الصناعة والاستثمار المحلي، يوضح عامر ديب أن "دول العالم اليوم تتدخل في جودة الصناعة ومواصفاتها ومقاييسها لحماية أسواقها، ولذلك يجب على الدولة السورية أن تتدخل وفق هيئة المواصفات والمقاييس عبر تشريعات صارمة تضبط مواصفة السلع المحلية والمصدرة لتعيد الثقة بالمنتج السوري". ويبيّن ديب أن المشكلة الحقيقية في سوريا ليست في نقص قوانين الصناعة بل في الروتين والبيروقراطية والضرائب والرسوم المرتفعة للغاية والتعقيدات التي تواجه أي مستثمر عند رغبته في ترخيص معمل جديد.
مطالباً مجلس الشعب الجديد باتخاذ قرارات شجاعة تخفف هذا العبء عن كاهل الصناعيين وتدعم المواد الأولية المستوردة والمحلية، مما يؤدي لزيادة الإنتاج وامتصاص البطالة المتزايدة التي تترك أثراً سلبياً بليغاً على بنية المجتمع الاقتصادية. كما ينتقد المستشار الاقتصادي أداء هيئة الاستثمار الحالية، موضحاً أن "أيّ استثمارات لا يمكن أن تنجح دون نظام مرن وربط حقيقي مع بقية المؤسسات والوزارات، لدرجة أن بعض المستثمرين أكدوا غياب أي صدى للهيئة في وزارات كثيرة لا تجيب أصلاً على مراسلاتها واستفساراتها".
كسر احتكار ملف الطاقة
كسر احتكار ملف الطاقة
ولتجاوز هذه العقبة الخانقة، يقترح ديب عبر "العين السورية" أن يسن مجلس الشعب قانوناً حازماً يلزم أي جهة حكومية بالرد على كتاب هيئة الاستثمار، المتعلق بأسباب تأخر أو عدم منح ترخيص لشركة خاصة، خلال مدة أقصاها شهر واحد، وفي حال عدم الرد يحق لهيئة الاستثمار منح الترخيص للمستثمر تلقائياً بقوة القانون، لافتاً إلى أن المراسيم الرئاسية منحت هذه الحرية، إلا أن الهيئة تسعى اليوم للتحول من محرك لقطاع الأعمال والاستثمار إلى مجرد قطاع للتطوير العقاري فقط. وفي سياق متصل، يحثّ المستشار الاقتصادي البرلمان الجديد على وضع تشريعات واضحة للتراخيص والمسموحات، وخصوصاً في ملف استيراد المشتقات النفطية وتوزيعها ونقلها، معتبراً أن إصدار قرار يسمح للقطاع الخاص بامتلاك هذه الصلاحية يجب أن يكون ضمن أولويات المجلس القصوى لحل أزمة الطاقة الحالية، منتقداً رداءة نوعية المشتقات النفطية الحالية التي تؤذي الآليات والمنشآت الصناعية. ويختم ديب تصريحه بالتأكيد على ضرورة أن يتحرر مجلس الشعب من كل القيود السابقة ويقوم بثورة حقيقية على القوانين الاقتصادية والاستثمارية المقيدة للنمو والاستثمار الداخلي والخارجي، ما ينعكس سلباً على التضخم وسعر الصرف.
استدراك الثغرات الاستثمارية
بالعودة إلى الجانب الهيكلي والتشريعي، يفكك الدكتور عبد الرحمن محمد الثغرات البنيوية والفلسفية في قوانين الاستثمار السورية السابقة مثل القانون رقم 8، واصفاً إياها بأنها عانت من وهم النص البراق؛ إذ كانت النصوص مغرية على الورق ولكن التطبيق في الواقع كان قاتلاً لأي مشروع. وحدد أستاذ التمويل ثلاث ثغرات أساسية يجب معالجتها فوراً، أولها غياب ضمانة مخاطر السياسة، إذ تتمثل الثغرة الأعمق في عدم وجود تحكيم دولي فعال وإخضاع النزاعات دوماً للقضاء المحلي غير الكافي للمستثمر الأجنبي، والتعديل الفوري يتطلب إقرار بند إلزامي للتحكيم التجاري الدولي وفق قواعد غرفة التجارة الدولية كآلية وحيدة لتسوية النزاعات، وهو الضمان الوحيد لجذب رؤوس الأموال المغتربة. أما الثغرة الثانية فهي عقلية الدولة الشريك والمنافس والحَكَم، إذ كان الاقتصاد القديم قائماً على شراكة قسرية وغير عادلة بين رجل الأعمال والجهات الأمنية أو الحكومية، والتعديل الجذري يتطلب قانوناً يمنع بشكل مطلق أي جهة عامة أو جهاز أمني من ممارسة أي نشاط تجاري استثماري، واقتصار دور الدولة على التنظيم والرقابة وتقديم الخدمات كالبنية التحتية والكهرباء مع تغريمها قانونياً إن لم تلتزم بالوقت المحدد. وتتمثل الثغرة الثالثة في الاقتصاد الوهمي، إذ يرى محمد أنه لا يمكن الحديث عن استثمار حقيقي دون قانون عصري للإفلاس والتسوية المالية، وقانون شركات يتيح التأسيس الرقمي خلال ساعة واحدة عبر نافذة موحدة، مُطالباً بإقرار قانون تبسيط بيئة الأعمال الذي يلغي الموافقات الأمنية المتسلسلة والتوقيعات، ويستبدلها بسجل تجاري موحد لتكون المعاملة الاقتصادية الشفافة هي الفيصل لا ولاء المستثمر أو هويته الشخصية.
تشريعات مانعة لتسرب الثروات للفساد
وفيما يخص التدفقات المالية وصناديق إعمار سوريا المنتظرة، يشدد الدكتور عبد الرحمن محمد، على ضرورة تحول البرلمان إلى حارس شفاف وصارم للتعاقدات عبر بنية تشريعية مانعة للفساد. وتبدأ هذه البنية بإقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص كإطار يفرض الشفافية بطرح أي مشروع إعمار تتجاوز قيمته حداً معيناً عبر منصة وطنية مفتوحة للجميع، ونشر دراسات الجدوى والعقود كاملة، مع إنشاء مفوضية عليا للشراكة مستقلة تضم خبراء مستقلين من القطاع الخاص والمجتمع المدني لتقييم العروض فنياً ومالياً قبل الإحالة.
ويلي ذلك إقرار قانون "من أين لك هذا" المالي العام، وهو تشريع خاص بالإفصاح المالي يلزم كل مسؤول حكومي، بدءاً من رئيس الوزراء وصولاً إلى أصغر مدير دائرة، بالإفصاح عن ذمته المالية وذمة أقاربه من الدرجة الأولى قبل وبعد تولي المنصب بشكل دوري، وتدقيقها من جهة رقابية مستقلة تماماً لقطع الطريق على تضخم الثروات غير المشروع جراء مشاريع الإعمار. ويختم محمد هذه البنية بالمطالبة بإنشاء محكمة وطنية للقيمة والنزاهة، وهي محكمة اقتصادية متخصصة بقضايا الفساد الكبرى وغسل الأموال، تمتلك صلاحيات استثنائية لتتبع وتجميد الأموال وحماية المبلغين والشهود، مع إلزامية ربط عقود الإعمار بمنظومة البنّاء المستفيد الرقمية الوطنية لكشف المستفيد الحقيقي النهائي ومنع تسرب الأموال للشركات الوهمية وواجهات الفساد.
قواعد اللعبة الاقتصادية القادمة
قواعد اللعبة الاقتصادية القادمة
تتقاطع رؤية الخبيرين حول حتمية وجود إرادة سياسية صارمة تتجاوز مجرد صياغة النصوص القانونية. إذ يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن "التحدي الأكبر الذي يواجهه هذا المجلس الجديد ليس تشريعياً بحتاً بل هو تحدٍ وجودي، لأن أفضل النصوص القانونية في العالم ستبقى مجرد حبر على ورق إن لم تُغرس في تربة صلبة من الإرادة السياسية لبناء مؤسسات حقيقية لا لتعزيز مكانة أشخاص"، معقباً بأن الاقتصاد السوري اليوم لا يحتاج إلى بطل منقذ، بل يحتاج إلى قواعد لعبة واضحة، ثابتة، وعادلة للجميع. ويشير محمد إلى أن جوهر الهوية الاقتصادية الجديدة يكمن في إعادة اكتشاف الإنتاجية،
فسوريا ليست بلداً فقيراً بالموارد بل كانت فريسة لنموذج اقتصادي مشوه حول المواطن إلى مستجدٍ والاقتصاد إلى مجرد غنيّمة للمتنفذين، لافتاً في نهاية حديثه إلى أن الفشل في بناء أعمدة المؤسسية الرشيدة بسرعة وبمصداقية تامة سيعني إجهاض فرصة تاريخية نادرة لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي السوري على أساس الكرامة والعمل، وتسليم مستقبل البلاد لدورات لا نهائية من التبعية والفوضى، وهو ثمن باهظ لن يدفعه السوريون مرة أخرى بصبر.


