سوريا - اقتصاد
شرايين الطاقة الإقليمية مرّت من هنا..هل تستعيد سوريا "سطوة الجغرافيا"؟
ر
رهام علي
نشر في: ٦ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٧:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتجدد النقاشات الاستراتيجية في أروقة صنع القرار الإقليمي والدولي حول قدرة الأراضي السورية على استعادة دورها التاريخي كشريان أساسي لنقل النفط والغاز نحو الأسواق الأوروبية والعالمية.
وفي ظل الاختناقات المستمرة والتهديدات الجيوسياسية التي تواجه طرق التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، تبرز سوريا مجدداً كخيار طارئ ومحوري يفرض إعادة قراءة الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
ممر تاريخي نشط
ممر تاريخي نشط
استناداً إلى السجلات التاريخية وموسوعات التوثيق الجغرافي مثل موقع المعرفة، لم تكن سوريا فيمنتصف القرن العشرين مجرد بقعة عابرة على الخريطة، بل شكلت الرئة الاستراتيجية التي تتنفس منها أسواق الطاقة الغربية. ففي عام 1950، وفقاً لبيانات وزارة الطاقة والمياه اللبنانية ومصادر أرامكو التاريخية، اكتمل إنجاز أطول خط أنابيب في العالم آنذاك وهو خط "التابلاين" التابع لشركة "أرامكو" السعودية. وقد قطع هذا الخط مسافة بلغت 1648 كيلومتراً محْملاً بالنفط السعودي انطلاقاً من الظهران ليصب في ميناء صيدا اللبناني، عابراً الأراضي السورية ومحافظة القنيطرة في الجولان.
وبالتوازي مع هذا الشريان الضخم، تشير الوثائق والمؤرخات النفطية إلى أن خطوط "شركة نفط العراق"كانت تضخ الخام العراقي بغزارة من حقول كركوك الهائلة لتنقسم نحو مصبّي بانياس السورية وطرابلس اللبنانية. وتؤكد هذه الخلاصة السردية التاريخية أن سقوط هذه الخطوط لاحقاً - بفعل حروب المنطقة، والتوترات المستمرة، والقرارات السياسية الحادة في السبعينيات والثمانينيات - يحكي قصة موثقة عن كيفية تضحية المنطقة بميزاتها الاقتصادية الهائلة لحساب الصراعات السياسية والجيوسياسية.
تنازع مصالح وسياسات
في حديثه مع "العين السورية" يوضح الخبير في شؤون الطاقة رياض النزال أن "تدفق النفط الخام عبر الأراضي السورية ارتبط دائماً بالتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، وهي تحولات اتسمت في كثير من المراحل بالحدة والعنف، وأدت إلى تعطيل وصول النفط العربي إلى أوروبا والأسواق المطلة على البحر المتوسط. وفي هذه المعادلة بقيت الجغرافيا ثابتة، بينما تغيرت المصالح والتحالفات السياسية باستمرار".
ويشير النزال إلى أن "سوريا، بحكم موقعها، كانت ولا تزال تمثل أقصر بوابة برية تربط موارد الطاقة في العراق والخليج بشرق المتوسط وصولا للأسواق الأوروبية والعالمية. إلا أن الصراعات الإقليمية، والخلافات بين الحكومات، والحروب والعقوبات، عطّلت هذه الميزة الجغرافية وحولتها من شريان لنقل الطاقة إلى ساحة تنافس وصراع".
وحول عودتها اليوم إلى الواجهة كممر حيوي للطاقة، يرى النزال أنها تعكس مرة أخرى انتصار المصالح الاقتصادية على الخلافات السياسية، ولا سيما مع تزايد المخاطر التي تواجه طرق التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر. ويؤكد أن سوريا لا تتؤسس لدور جديد، بل تستعيد دورها الطبيعي الذي فرضته الجغرافيا، بعد أن عطلته السياسة لعقود طويلة.
جدوى فنية وحسابات إقليمية
وفي تقييمه للجدوى الفنية والتقنية للمشروع، يرى الخبير في شؤون الطاقة أنه لا يمكن فصل هذا التوجه عن التوجه الأميركي المتزايد نحو بناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد مع العراق، ولا سيما في قطاعي النفط والغاز، بالتوازي مع الانسحاب العسكري الأميركي المجدول. فالانتقال من الحضور العسكري إلى الحضور الاقتصادي وفقاً لـ النزال قد يمهد لشراكة استراتيجية جديدة، تقوم على الاستثمار في البنية التحتية للطاقة وربطها بالأسواق العالمية.
ويلفت النزال إلى أن "هذا يتزامن مع عودة الاهتمام الأميركي والدولي بالاستثمار في قطاع النفط والغاز السوري وشرق المتوسط".ومن هنا تبرز أهمية مشاركة شركات عالمية كبرى، تمتلك القدرة المالية والتقنية على إنشاء بنية تحتية لوجستية عابرة للحدود، تشمل خطوط الأنابيب ومحطات الضخ والتخزين ومرافق التصدير، وليس مجرد إعادة تشغيل الخط التاريخي بصورته القديمة.
أما بخصوص نقل النفط بالصهاريج، فيعتبره النزال حلاً إسعافياً ومؤقتاً يثبت إمكانية تشغيل الممر السوري، لكنه لا يمثل خياراً اقتصادياً أو فنياً مستداماً. كما أنه ينطوي على مخاطر أمنية وبيئية مرتفعة على جانبي الحدود، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل، واحتمالات الحوادث والتسرب، وصعوبة تأمين الطرق بصورة دائمة.
الممر السوري والتكامل الإقليمي
وحول ما إذا كان خط بانياس سيصبح بديلاً رئيسياً يغيّر خريطة التصدير أم أن دول الخليج ستواصل الاعتماد على مسارات البحر الأحمر والأردن، يوضح النزال أنه "لا ينبغي النظر إلى المشروع باعتباره مجرد تحويل لمسار النفط أو الغاز من موانئ الخليج والبحر الأحمر نحو البحر المتوسط، فالفكرة الأوسع هي بناء شبكة إقليمية متكاملة من استثمارات الطاقة، تربط حقول الإنتاج في دول المنطقة بمنشآت المعالجة والتكرير والتخزين والتغويز، ثم بموانئ التصدير والأسواق الخارجية".
ومن هذا المنظور، يؤكد الخبير أن "الممر السوري لا يأتي ليحل محل المسارات القائمة عبر الخليج أو البحر الأحمر أو الأردن، بل ليضيف محوراً جديداً إلى شبكة متعددة المسارات، بما يمنح الدول المنتجة والناقلة مرونة أكبر في إدارة الإمدادات ومواجهة الأزمات والاختناقات الجيوسياسية".
ويضيف: "إن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تُقاس فقط بعدد البراميل التي تمر عبر خط الأنابيب، وإنما بحجم الاستثمارات التي يمكن أن تنشأ على امتداده، من مصافٍ وخزانات ومحطات ضخ ومنشآت غاز وبتروكيماويات ومناطق صناعية وخدمات لوجستية. وبذلك يتحول الخط من وسيلة عبور إلى محور تنموي يولد مصالح اقتصادية مستدامة في دول الإنتاج والعبور والتصدير". وعليه، فإن الحديث عن طاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً يعني بناء منظومة جديدة ومتكاملة، تستفيد من المسار التاريخي حيثما كان ذلك ممكناً، لكنها تتجاوزه إلى شبكة حديثة من البنية التحتية والاستثمارات الإقليمية طويلة الأجل.
ضبابية وغموض
بالتوازي، يحذر النزال من أن البنية التحتية لقطاع النفط والغاز السوري تعاني من تهالك واسع، وأن إعادة تأهيلها تتطلب خطة متكاملة تشمل خطوط الأنابيب ومحطات الضخ والتخزين والمصافي والمرافئ، إضافة إلى أنظمة الحماية والمراقبة. لكنه يشدد على أن المشكلة لا تقتصر على حجم الدمار أو التكلفة الفنية، بل تمتد إلى غياب الوضوح المؤسسي والقانوني المحيط بالمشروعات المعلنة.
ويبيّن أنه حتى الآن، نرى سلسلة من مراسم توقيع مذكرات التفاهم والتعاون، إلى جانب الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة السوري، من دون تقديم معلومات شفافة وكافية حول طبيعة العقود، ومصادر التمويل، والجدول الزمني، وآليات التنفيذ، وتوزيع المخاطر والعوائد بين الدولة والشركات المستثمرة.
وفي السياق ذاته، يتابع النزال بالقول: "إن سوريا تستمر في استيراد المشتقات النفطية من دون الإعلان بوضوح عن أولويات قطاع الطاقة: هل الأولوية لتأهيل المصافي، أم لإعادة تشغيل الحقول، أم لبناء منظومة تخزين ونقل، أم لتطوير ممرات التصدير؟ ما يجعل من الصعب تقييم الجدوى الاقتصادية للمشروعات أو قياس أثرها الفعلي على أمن الطاقة".
كما يؤكد أن البيئة التشريعية والقانونية ما زالت بحاجة إلى تطوير حقيقي يضمن حقوق الدولة والمستثمرين، وينظم التعاقد والرقابة والشفافية وتسوية النزاعات. ومن دون هذه الأرضية، قد تبقى الوعود الاستثمارية رهينة التفاهمات السياسية، بدلاً من أن تتحول إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ والاستمرار.
ويختتم الخبير النفطي بالإشارة إلى أن "الزخم الإعلامي المصاحب لبعض الإنجازات التشغيلية، مثل الإعلان عن رفع القدرة التفريغية لساحة صهاريج حمص إلى ألف صهريج يومياً، يجب التعامل معه بمهنية أكبر؛ فهذا الإجراء قد تحسن الكفاءة اللوجستية مؤقتاً، لكنه لا يمثل بحد ذاته حلاً استراتيجياً لأزمة الطاقة، بل يؤكد استمرار الاعتماد على النقل البري بالصهاريج، بما يحمله من تكاليف مرتفعة ومخاطر أمنية وبيئية".وعليه، فإن العقبة الأساسية لا تتمثل فقط في إعادة بناء ما دُمر، وإنما في الانتقال من إدارة الأزمة وإعلانات الإنجاز الجزئي إلى سياسة طاقة واضحة، تقوم على التشريع والشفافية وتحديد الأولويات وربط كل مشروع بجدول تنفيذي وتمويل معلن ومؤشرات قابلة للقياس.
تحديات مالية
وتأسيساً على ما سبق، يطرح الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي رؤية تفصيلية وميدانية للتعامل مع التحديات المالية المحلية وضغوط تأمين المشتقات النفطية، موضحاً لـِ "العين السورية" أن "سوريا تمر حالياً بمرحلة انتقال اقتصادي دقيقة تتحول خلالها من اقتصاد مشوه إلى اقتصاد حرب، ومن الطبيعي جداً أن تظهر تحديات ضاغطة تؤثر على الاقتصاد ومعيشة المواطن". ويشير قضيماتي إلى أن "أزمة المشتقات النفطية تمثل مشكلة هيكلية عالمية لا تقتصر على سوريا وحدها، غير أن تداعياتها تبدو أشد قسوة ووضوحاً في الداخل السوري بفعل عوامل ضعف البنية التحتية وتصدع خطوط الإمداد وتراجع القدرة الإنتاجية نتيجة الممارسات السابقة وحالة الصراع الطويلة، لاسيما في ظل التوتر الإقليمي المحيط بالبلاد".
ضمانات
وفيما يتعلق بالضمانات الاقتصادية المطلوبة لأرباح مشاريع الترانزيت وعابرات النفط وتأثيرها المباشر على الناتج المحلي الإجمالي، يوضح قضيماتي أن "طبيعة المرحلة الانتقالية تستوجب مرونة مالية عالية، بحيث يتم إقرار وتعديل الإنفاق سنوياً وفق مستجدات الواقع، مع وجود إنفاقات طارئة قد لا تظهر في الميزانية التقديرية عند إقرارها مع بداية العام المالي بل تبرز في نهايته". ويضرب مثالاً على ذلك بإمكانية الاضطرار إلى إقرار تدابير ومعالجات محددة في منتصف العام عبر ترتيبات قانونية تتخذها وزارة المالية وتصادق عليها الجهات التشريعية، وهو ما يؤكد وجود مرونة حتمية في إعادة توجيه الإنفاق طوال المرحلة الانتقالية التي تمتد لسنوات خمس قادمة.
أما بشأن الممرات الحيوية المرتبطة بالتصدير، فيرى قضيماتي أن "هناك تغيراً ملحوظاً ورغبة إقليمية حقيقية في إعادة هندسة المسارات التقليدية للطاقة، وهو ما قد يجعل من سوريا ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية، رغم استمرار الضغوط الآنية خلال العام الحالي والعام القادم حتى يتم إبرام الاتفاقيات وترتيب الصيغ القانونية والتعاقدية الناظمة لتكون سوريا مركزاً فاعلاً لإمداد الطاقة والاستفادة من عائداتها". ويؤكد أن "بقاء هذه التحديات أمر واقع لمدة تتراوح بين سنة إلى سنتين على أقل تقدير ريثما تكتمل مسارات التنفيذ الفعلي".
وعلى صعيد انفتاح المصرف المركزي السوري وتوسيع قنوات التحويل المالي الخارجي، يشير قضيماتي إلى أن التعاون المصرفي لم ينفتح بالكامل بعد مع بقية المصارف والدول، مع غلبة التعامل الثنائي المنفصل لكل دولة على حدة، إذ تنشط الدبلوماسية الخارجية السورية عبر استثناءات محددة، مثل الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إلى دمشق وما أعلن عنها من بدء تفعيل قنوات التعاون بين المصرفين المركزيين السوري والفرنسي. ويعود ذلك إلى وجود تركة ثقيلة من التعقيدات القانونية والمؤسسية التي تتطلب وقتاً طويلاً لحلها واستعادة تدفق شريان السيولة النقدية صعوداً وهبوطاً، في ظل عقوبات اقتصادية امتدت جذورها منذ سبعينات القرن الماضي وتضاعفت حدتها بشكل غير معتاد خلال العقد الماضي.
مواءمة وتكيف
ويختتم قضيماتي بالتأكيد على أن "رفع تلك العقوبات وإعادة إحياء خطوط الربط المالي واللوجستي يستوجب تحديثاً شاملاً وجذرياً للأنظمة الداخلية والخارجية لتتواءم مع المعايير المصرفية العالمية الحديثة، لا سيما أن قسماً كبيراً من القوانين السورية الناظمة للقطاع المصرفي تعود إلى حقبة القرن الماضي. ووسط هذه المؤشرات التي تتبدل صعوداً أو هبوطاً من فترة لأخرى، تبرز الحاجة الملحة لصدور بيانات دورية وشفافة عن المصرف المركزي السوري -كل ربع سنة على سبيل المثال- تفصح بوضوح عن الارتفاع الفعلي في مؤشرات وعائدات الترانزيت، باعتبارها مرآة حقيقية تعكس تقدم الشأن الداخلي ونجاح مسارات التعافي الاقتصادي".


