سوريا - اقتصاد
مكافحة غسل الأموال في سوريا.. الاختبار الأصعب لاستعادة ثقة البنوك العالمية
من الاقتصاد النقدي والحوالات غير الرسمية إلى المصارف والدفع الرقمي.. لماذا أصبحت قدرة سوريا على تتبع الأموال واكتشاف مصادرها شرطاً لتعزيز الثقة واستعادة المراسلات المصرفية الدولية؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ٠٩:٤٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا مجرد ملف رقابي أو قانوني، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع لاستعادة الثقة بالنظام المالي السوري وإعادة ربطه بالاقتصاد العالمي.
ففي اقتصاد توسع فيه التعامل النقدي، واتسع نطاق النشاط غير الرسمي، وتعددت قنوات تحويل الأموال، تصبح مهمة تتبع مصادر الأموال وحركتها أكثر تعقيداً، بينما تزداد الحاجة إلى منظومة قادرة على التمييز بين النشاط الاقتصادي غير المسجل لأسباب معيشية أو تنظيمية، وبين الأموال التي يجري إخفاء مصدرها وإعادة إدماجها في الاقتصاد الرسمي.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديثه مع "العين السورية" أن واقع مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا لا يزال هشاً، وأن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب التشريعات بقدر ما ترتبط بضعف تطبيقها، نتيجة تراجع البنية المؤسسية واتساع الاقتصاد غير الرسمي خلال سنوات الحرب.
الاقتصاد النقدي يضاعف المخاطر
يضع الزعبي التعامل النقدي خارج الجهاز المصرفي في مقدمة مصادر المخاطر، إلى جانب شبكات التهريب وتداخل الأموال المشروعة مع أموال يصعب التحقق من مصدرها، فضلاً عن ضعف الشفافية في قطاعات مثل العقارات والتجارة. كما أن الاعتماد على النقد يحد من أدوات التتبع الإلكتروني ويفتح المجال أمام قنوات غير رسمية لتحويل الأموال.
ويتفق الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين مع أهمية هذه النقطة، لكنه يوسع دائرة المخاطر لتشمل المنظومة المالية والاقتصادية المحيطة بالمصارف، بما فيها تعدد قنوات التحويل، والاقتصاد غير الرسمي، وضعف بعض البيانات والسجلات التجارية والضريبية، وصعوبة التحقق من المستفيد الحقيقي لبعض الشركات والهياكل المعقدة.
وبحسب محي الدين، يصبح الخطر الأكبر عندما تجتمع أموال غير واضحة المصدر، وهوية اقتصادية غير شفافة، وقدرة محدودة على تتبع الحركة المالية.
اقرأ أيضاً: سوريا والنظام المالي العالمي.. تفعيل هيئة مكافحة غسل الأموال ضرورة لبناء الثقة المالية
الحوالات والصرافة في دائرة الخطر
تكتسب شركات الصرافة والحوالات أهمية خاصة في سوريا، نظراً إلى دورها في حركة الأموال والتحويلات.
ويعتبر الزعبي أن هذه الشركات تمثل مصدراً مرتفعاً للمخاطر، مشيراً إلى وقائع دفعت المصرف المركزي إلى التحذير من التعامل مع الجهات غير المرخصة.
أما محي الدين فيعتبر شركات الصرافة والحوالات ومقدمي خدمات الدفع الإلكتروني خط دفاع أساسياً في منظومة مكافحة غسل الأموال، مشدداً على ضرورة معرفة العميل والمرسل والمستفيد، ومراقبة الأنماط غير الطبيعية، وحفظ السجلات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
وفي المقابل، لا يعني الاقتصاد غير الرسمي بالضرورة وجود نشاط إجرامي. فالزعبي يميز بين نشاط غير مسجل نتيجة ظروف اقتصادية قاهرة، ونشاط يستهدف إخفاء المصدر الحقيقي للأموال وإعادة إدماجها في الاقتصاد الرسمي.
وهنا يحذر محي الدين من التشدد غير المدروس؛ إذ إن رفض كل عميل مرتفع المخاطر قد يدفع الأموال إلى السوق والقنوات غير الرسمية والوسطاء، ما يؤدي في النهاية إلى خسارة القدرة على مراقبتها. والحل، برأيه، هو إدارة المخاطر وفق مستوياتها، وليس رفض العملاء بصورة آلية.
الدفع الإلكتروني.. فرصة ومخاطر
مع توسع المحافظ الإلكترونية والدفع الرقمي، يمكن أن تتحول الرقمنة إلى أداة مهمة لمراقبة حركة الأموال.
ويعتبر الزعبي أن الدفع الإلكتروني يوفر فرصة حقيقية لتعزيز التتبع، لكنه يخلق في المقابل مخاطر جديدة تتعلق بالأمن السيبراني وإمكانية استخدام المحافظ في تحويلات سريعة يصعب رصدها.
ويرى محي الدين أن القيمة الأساسية للرقمنة ليست في سرعة الدفع فقط، وإنما في قابلية التتبع، من خلال بيانات تشمل هوية صاحب الحساب والمرسل والمستفيد وقيمة العملية وتوقيتها وتكرارها، إضافة إلى نمط الحركة التاريخي. لكن جمع البيانات لا يكفي، إذ يجب تحليلها لاكتشاف العمليات غير المتسقة مع الملف الاقتصادي للعميل.
لذلك، لا يرى محي الدين أن التحول الرقمي يعني ببساطة القضاء على النقد، بل زيادة الحوافز للانتقال إلى قنوات مالية رسمية قابلة للتتبع، مع التعامل في الوقت نفسه مع مخاطر الاحتيال الإلكتروني وسرقة الهوية واختراق الحسابات وإساءة استخدام المحافظ.
الحوالات والصرافة في دائرة الخطر
تكتسب شركات الصرافة والحوالات أهمية خاصة في سوريا، نظراً إلى دورها في حركة الأموال والتحويلات.
ويعتبر الزعبي أن هذه الشركات تمثل مصدراً مرتفعاً للمخاطر، مشيراً إلى وقائع دفعت المصرف المركزي إلى التحذير من التعامل مع الجهات غير المرخصة.
أما محي الدين فيعتبر شركات الصرافة والحوالات ومقدمي خدمات الدفع الإلكتروني خط دفاع أساسياً في منظومة مكافحة غسل الأموال، مشدداً على ضرورة معرفة العميل والمرسل والمستفيد، ومراقبة الأنماط غير الطبيعية، وحفظ السجلات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة.
وفي المقابل، لا يعني الاقتصاد غير الرسمي بالضرورة وجود نشاط إجرامي. فالزعبي يميز بين نشاط غير مسجل نتيجة ظروف اقتصادية قاهرة، ونشاط يستهدف إخفاء المصدر الحقيقي للأموال وإعادة إدماجها في الاقتصاد الرسمي.
وهنا يحذر محي الدين من التشدد غير المدروس؛ إذ إن رفض كل عميل مرتفع المخاطر قد يدفع الأموال إلى السوق والقنوات غير الرسمية والوسطاء، ما يؤدي في النهاية إلى خسارة القدرة على مراقبتها. والحل، برأيه، هو إدارة المخاطر وفق مستوياتها، وليس رفض العملاء بصورة آلية.
الدفع الإلكتروني.. فرصة ومخاطر
مع توسع المحافظ الإلكترونية والدفع الرقمي، يمكن أن تتحول الرقمنة إلى أداة مهمة لمراقبة حركة الأموال.
ويعتبر الزعبي أن الدفع الإلكتروني يوفر فرصة حقيقية لتعزيز التتبع، لكنه يخلق في المقابل مخاطر جديدة تتعلق بالأمن السيبراني وإمكانية استخدام المحافظ في تحويلات سريعة يصعب رصدها.
ويرى محي الدين أن القيمة الأساسية للرقمنة ليست في سرعة الدفع فقط، وإنما في قابلية التتبع، من خلال بيانات تشمل هوية صاحب الحساب والمرسل والمستفيد وقيمة العملية وتوقيتها وتكرارها، إضافة إلى نمط الحركة التاريخي. لكن جمع البيانات لا يكفي، إذ يجب تحليلها لاكتشاف العمليات غير المتسقة مع الملف الاقتصادي للعميل.
لذلك، لا يرى محي الدين أن التحول الرقمي يعني ببساطة القضاء على النقد، بل زيادة الحوافز للانتقال إلى قنوات مالية رسمية قابلة للتتبع، مع التعامل في الوقت نفسه مع مخاطر الاحتيال الإلكتروني وسرقة الهوية واختراق الحسابات وإساءة استخدام المحافظ.
اقرأ أيضاً: مع الانفتاح الاقتصادي والتدفق الاستثماري.. هل تواجه سوريا خطر غسل الأموال؟
المصارف أمام اختبار "اعرف عميلك"
لا يكفي امتلاك المصارف أنظمة تحمل اسم اعرف عميلك KYC، وفق محي الدين، إذ تختلف المصارف في البنية التقنية والخبرات ونضج وظائف الامتثال وإدارة المخاطر.
وتحتاج المنظومة الفعالة إلى التحقق من هوية العميل، وتحديد المستفيد الحقيقي، وتصنيف المخاطر، ومراقبة التنبيهات والتحقيق فيها، وحفظ السجلات، وإعداد تقارير الاشتباه، إلى جانب كوادر امتثال مستقلة وقادرة على أداء دورها.
كما أن التحقق من مصدر الأموال لا يعني انتظار مستند واحد أو «فاتورة مثالية»، خصوصاً في اقتصاد غير رسمي، بل بناء صورة اقتصادية متكاملة عن العميل، من خلال مقارنة حجم الأموال بطبيعة النشاط والدخل المتوقع وحركة الحسابات والتراخيص والعقود والفواتير والتجارة ونمط التحويلات.
المراسلة المصرفية.. الاختبار الحقيقي
قد تكون عودة المصارف السورية إلى علاقات المراسلة المصرفية الدولية أهم اختبار لمنظومة مكافحة غسل الأموال.
فالزعبي يعتبر قدرة سوريا على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب شرطاً أساسياً لاستعادة علاقات المراسلة الدولية وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.
ويشير محي الدين إلى أن مخاطر عدم الامتثال لا تقتصر على الغرامات، بل تشمل مخاطر قانونية ورقابية وسمعة وسيولة واستراتيجية، فيما يمثل خطر المراسلة المصرفية تحدياً رئيسياً للبنوك الراغبة في العودة إلى التعامل الدولي.
فالمصرف المراسل لا ينظر فقط إلى رأس مال البنك السوري وأرباحه، وإنما يريد معرفة عملائه، ومصادر أمواله، وكيفية مراقبتها، ومن يملك الشركات، وكيف تتم إدارة المخاطر، وقدرة الجهات الرقابية على اكتشاف المخالفات والتعامل معها.
من النصوص إلى النتائج
يرى الزعبي أن الأولويات الأكثر إلحاحاً تتمثل في تحديث التشريعات بما يتوافق مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، وتمكين الأجهزة الرقابية، وتعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات.
أما محي الدين فيرى أن النجاح لا يقاس بعدد تقارير الاشتباه وحده، بل بقدرة النظام على تحويل المعلومات إلى اكتشاف وتحقيق ونتيجة قانونية. ويشمل ذلك جودة التحقق من المستفيد الحقيقي، وسرعة معالجة التنبيهات، وعدد التحقيقات التي أسفرت عن إجراءات فعلية، والأموال التي جرى تجميدها أو مصادرتها عند ثبوت الجريمة، وتحسن قدرة المصارف على بناء علاقات المراسلة الدولية.
مكافحة غسل الأموال.. بوابة للانفتاح
لا تقتصر أهمية المنظومة على المصارف، بل تمتد إلى الاستثمار والتجارة والتحويلات.
فالزعبي يرى أن وجود منظومة فعالة لمكافحة غسل الأموال يدعم ثقة المستثمرين بسلامة البيئة الاستثمارية وإمكانية تحويل الأرباح.
أما محي الدين فيعتبر أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمكن أن تتحول من تكلفة امتثال إلى أصل استراتيجي للثقة المالية الدولية، بشرط ألا تتحول إلى بيروقراطية تغلق الحسابات وترفض العملاء بلا تحليل حقيقي للمخاطر.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في إصدار القوانين، وإنما في بناء منظومة تعمل فعلياً: بيانات موثوقة، رقابة فعالة، كوادر متخصصة، أنظمة تقنية قادرة على التحليل، وتعاون بين الجهات المالية والقضائية.
فإذا كانت سوريا تريد استعادة علاقاتها المالية الدولية، فإن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد لا تكون مجرد التزام رقابي، بل إحدى بوابات العودة إلى النظام المالي العالمي.
المصارف أمام اختبار "اعرف عميلك"
لا يكفي امتلاك المصارف أنظمة تحمل اسم اعرف عميلك KYC، وفق محي الدين، إذ تختلف المصارف في البنية التقنية والخبرات ونضج وظائف الامتثال وإدارة المخاطر.
وتحتاج المنظومة الفعالة إلى التحقق من هوية العميل، وتحديد المستفيد الحقيقي، وتصنيف المخاطر، ومراقبة التنبيهات والتحقيق فيها، وحفظ السجلات، وإعداد تقارير الاشتباه، إلى جانب كوادر امتثال مستقلة وقادرة على أداء دورها.
كما أن التحقق من مصدر الأموال لا يعني انتظار مستند واحد أو «فاتورة مثالية»، خصوصاً في اقتصاد غير رسمي، بل بناء صورة اقتصادية متكاملة عن العميل، من خلال مقارنة حجم الأموال بطبيعة النشاط والدخل المتوقع وحركة الحسابات والتراخيص والعقود والفواتير والتجارة ونمط التحويلات.
المراسلة المصرفية.. الاختبار الحقيقي
قد تكون عودة المصارف السورية إلى علاقات المراسلة المصرفية الدولية أهم اختبار لمنظومة مكافحة غسل الأموال.
فالزعبي يعتبر قدرة سوريا على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب شرطاً أساسياً لاستعادة علاقات المراسلة الدولية وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.
ويشير محي الدين إلى أن مخاطر عدم الامتثال لا تقتصر على الغرامات، بل تشمل مخاطر قانونية ورقابية وسمعة وسيولة واستراتيجية، فيما يمثل خطر المراسلة المصرفية تحدياً رئيسياً للبنوك الراغبة في العودة إلى التعامل الدولي.
فالمصرف المراسل لا ينظر فقط إلى رأس مال البنك السوري وأرباحه، وإنما يريد معرفة عملائه، ومصادر أمواله، وكيفية مراقبتها، ومن يملك الشركات، وكيف تتم إدارة المخاطر، وقدرة الجهات الرقابية على اكتشاف المخالفات والتعامل معها.
من النصوص إلى النتائج
يرى الزعبي أن الأولويات الأكثر إلحاحاً تتمثل في تحديث التشريعات بما يتوافق مع توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)، وتمكين الأجهزة الرقابية، وتعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات.
أما محي الدين فيرى أن النجاح لا يقاس بعدد تقارير الاشتباه وحده، بل بقدرة النظام على تحويل المعلومات إلى اكتشاف وتحقيق ونتيجة قانونية. ويشمل ذلك جودة التحقق من المستفيد الحقيقي، وسرعة معالجة التنبيهات، وعدد التحقيقات التي أسفرت عن إجراءات فعلية، والأموال التي جرى تجميدها أو مصادرتها عند ثبوت الجريمة، وتحسن قدرة المصارف على بناء علاقات المراسلة الدولية.
مكافحة غسل الأموال.. بوابة للانفتاح
لا تقتصر أهمية المنظومة على المصارف، بل تمتد إلى الاستثمار والتجارة والتحويلات.
فالزعبي يرى أن وجود منظومة فعالة لمكافحة غسل الأموال يدعم ثقة المستثمرين بسلامة البيئة الاستثمارية وإمكانية تحويل الأرباح.
أما محي الدين فيعتبر أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمكن أن تتحول من تكلفة امتثال إلى أصل استراتيجي للثقة المالية الدولية، بشرط ألا تتحول إلى بيروقراطية تغلق الحسابات وترفض العملاء بلا تحليل حقيقي للمخاطر.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في إصدار القوانين، وإنما في بناء منظومة تعمل فعلياً: بيانات موثوقة، رقابة فعالة، كوادر متخصصة، أنظمة تقنية قادرة على التحليل، وتعاون بين الجهات المالية والقضائية.
فإذا كانت سوريا تريد استعادة علاقاتها المالية الدولية، فإن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد لا تكون مجرد التزام رقابي، بل إحدى بوابات العودة إلى النظام المالي العالمي.


