سوريا - اقتصاد
مزارع السمك في سهل الغاب.. الرمق الأخير
ارتفاع كلفة الأعلاف والطاقة، الأمراض، ضعف التسويق والمنافسة مع المستورد، عوامل تدفع المربين إلى حافة إغلاق مزارعهم.
ه
هبة الكل
نشر في: ١١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تنتشر في سهل الغاب مزارع تنتج أنواعاً مختلفة من الأسماك، أشهرها، الكارب والمشط، لكن هذه الصناعة، التي تحتاج إلى الماء ورأس المال، باتت تكافح للبقاء، ويتحدث مربون إن مزارع كانت تنتج نحو طنين من الأسماك لم تعد قادرة على الوصول إلى طن واحد، فيما تراجعت المساحات المستثمرة وتوقفت مزارع أخرى عن العمل.
وبين ارتفاع كلف الإنتاج ودخول الأسماك المستوردة بأسعار أقل، يجد المزارع نفسه عالقاً في معادلة قاسية، كل يوم إضافي يبقى فيه السمك داخل الحوض يعني كلفة جديدة، وكل يوم يتأخر فيه البيع قد يبدد هامش الربح القليل، وهكذا تمتد الأزمة على طول سلسلة تبدأ بالإصبعيات والأعلاف والطاقة، ولا تنتهي عند المرض والتمويل والنقل والتسويق.
حوض مغلق وفاتورة مفتوحة
عبد القادر رموض، أحد مربي الأسماك في المنطقة، يختصر المشهد من موقعه “المهنة صارت مرهقة كتير”، فالأمراض تضرب الأحواض، وأسعار الأدوية ومستلزمات الإنتاج ترتفع، والمازوت يثقل كلفة ضخ المياه، فيما لا توفر الكهرباء الغائبة بديلاً مستقراً، وحتى الطاقة الشمسية، التي لجأ إليها بعض المربين لتقليل اعتمادهم على الوقود، أصبحت استثماراً مكلفاً.
ويتابع في حديثه لموقع العين السورية أن المزارعين وعلى إثر هذه الضغوط، دفعت بعضهم إلى تقليص إنتاجه أو التوقف، فيما باتت مزارع أخرى تعمل بأقل من طاقتها، فالمزرعة التي كانت تنتج نحو طنين من الأسماك قد تجد نفسها عاجزة عن إنتاج طن واحد في المستقبل.
مرض في الماء
في الموسم الحالي، برزت الأمراض بوصفها أحد أكبر مصادر القلق لدى مزارعي الغاب، يتحدث رموض عن إصابات بمرض التهاب الغلاصم، رافقها نفوق واسع في بعض الأحواض، ويقدّر حجم الأضرار، وفق روايته، بما بين 30 و40 في المئة، كما يقدّر رموض نسب الإصابة في بعض الأحواض بين 70 و80 في المئة، ويخبرنا عن فحوصات مخبرية أُجريت للمياه والأسماك أظهرت ارتفاعاً في مستويات الأمونيا، وربط، بحسب ما نُقل إليه، ذلك بتراكم المواد العضوية وتعفن قاع الأحواض، إضافة إلى انخفاض معدلات ضخ المياه العذبة.

وأمام هذه الإصابات، يوضح رموض أن المربين اضطروا إلى التواصل مباشرة مع أطباء بيطريين في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، واستخدموا مواد لتحسين وتعقيم المياه، بينها الفورمالين وبرمنغنات البوتاسيوم ومواد أخرى، لكنه يرى أن هذه الإجراءات لا تمثل علاجاً نوعياً للمرض، وأن المربين لم يصلوا، حتى الآن، إلى حل علاجي فعال يوقف الخسائر.
علف رخيص وكلف باهظة
من قلعة المضيق، ينظر علاء رمضان سعيد إلى أحواضه الترابية التي لا تتجاوز مساحتها بضعة دونمات، ثم إلى كرفان متهالك نصبه قرب آبار يقول إنها ما زالت مسدودة بالحجارة، علاء الذي عاد إلى مهنته العام الماضي، بعد سنوات من النزوح، ليكتشف أن استعادة المزرعة ليست سوى بداية رحلة شاقة مع الكلفة.
يتحدث للعين السورية عن العائدين الذين وجدوا، بحسب شهادته، منشآتهم منهوبة أو متضررة، وشبكة كهرباء ومضخات لا تعمل، فضلاً عن آبار مردومة لا يسمح بترميمها، فيما يحتاج تشغيل المزرعة من جديد إلى آلاف الدولارات لشراء الأعلاف والمازوت وإصلاح التجهيزات، من دون ضمان القدرة على تصريف الإنتاج.
ويتراوح سعر طن العلف، وفق رمضان، ما بين 1200 و1300 دولار محلياً، مقابل نحو 400 إلى 500 دولار في بعض الدول المجاورة، أما المازوت اللازم لتشغيل مضخات المياه، فيقدّر كلفته الشهرية بما بين 2000 و3000 دولار، وهكذا تصبح المزرعة مطالبة بالإنفاق باستمرار، حتى في الفترات التي لا تحقق فيها مبيعات كافية.
ويتذكر رمضان فترة كانت فيها الأعلاف متاحة بأسعار أفضل، وكانت الأسواق تمتد إلى محافظات عدة، قبل أن تؤدي سنوات الحرب والنزوح إلى توقف النشاط في عدد من المزارع، وعندما عاد بعض المربين إلى مزارعهم لإعادة بناء ما يمكن بناؤه من نقطة بداية شديدة القسوة، يتساءل رمضان: إذا كان المزارع لا يملك مسكناً آمناً أو رأس مال كافياً، فكيف يستطيع تمويل إعادة تشغيل مزرعته، وشراء الأعلاف والمضخات والمحركات، ودفع ثمن الوقود والعمال؟
وحول التعاطي الرسمي مع الأزمة، يتكلم مربون عن استجابة ليست بمستوى الخسائر التي يواجهونها، ويشيرون إلى أن عينات أُرسلت إلى المختبرات وأظهرت، بحسب ما أفادوا، ارتفاعاً في مستويات الأمونيا، وربطوا ذلك باستخدام أعلاف رخيصة مصنوعة من مخلفات المسالخ والدواجن، فيما اقتصرت المبادرة الحكومية في ملاحقة بعض سيارات نقل هذه الأعلاف وصادرتها ومنعت تداولها، لكنهم يرون أن وقف استخدامها لا يكفي من دون توفير بدائل بأسعار يمكن للمزارعين تحملها.
سمك ينتظر
في بعض الأحواض، بحسب المربين، توجد أطنان من الأسماك الجاهزة للبيع، لكن التجار لا يشترون منها سوى كميات محدودة، ويقدّر رمضان أن التاجر قد يشتري في المرة الواحدة نحو 700 أو 800 كيلوغرام، قبل أن يتوقف عدة أيام، ومع ذلك لا يعني توقف البيع بالنسبة للمربي توقف الكلفة، فالأسماك التي تبقى في الحوض تحتاج إلى العلف، والمضخات إلى الوقود، والعمال إلى أجورهم، ولا يستطيع المزارع وقف التغذية من دون أن يخسر السمك وزنه وقيمته السوقية.
الكمية التي قد يشتريها التاجر في المرة الواحدة بنحو 700 أو 800 كيلوغرام، قبل أن يتوقف عدة أيام، حتى يجد المربي نفسه، كما يوضح رموض، أمام خيارين كلاهما مكلف، إما أن يواصل إطعام سمك لا يعرف متى سيبيعه، أو أن يبيعه بكميات صغيرة في سوق ضعيفة الحركة.

اقتصاد مفقود
يعتقد الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي أن اختزال المشكلة في غياب الدعم لا يصف الصورة كاملة، مشيراً إلى جهود رسمية في تأهيل بعض المزارع والمفاقس وتقديم الدعم الفني والإصبعيات، لكنه يجد أن حجم هذا الدعم لا يزال أقل من احتياجات القطاع، وبالنسبة إلى الحمدي، لا تبدأ أزمة القطاع عند الحوض ولا تنتهي عند بوابة المزرعة، بل تمتد على طول سلسلة الإنتاج، من الإصبعيات والأعلاف والتمويل، إلى إدارة المياه والطاقة والرعاية البيطرية والمختبرات، ثم الحصاد والتبريد والنقل والتسويق وحماية المنتج المحلي.
وبحسب أرقام رسمية يستند إليها الحمدي، يضم سهل الغاب نحو 291 مزرعة خاصة وثلاث مزارع حكومية، على مساحة تقارب 800 هكتار، فيما يدور إنتاج حماة السمكي حول 2000 طن، ويعادل ذلك، وفق حساباته، نحو 2.5 طن من الأسماك للهكتار الواحد، غير أن السؤال الاقتصادي الأهم، برأيه، لا يتعلق بعدد المزارع أو مساحة الأحواض فقط، وإنما بما ينتجه كل هكتار، وكلفة إنتاج الكيلوغرام، والهامش الذي يبقى للمربي بعد البيع.
في المقابل، يقدم بعض المربين صورة أشد قتامة للموسم الحالي، مقدّرين إنتاج الكارب والمشط في المنطقة بأقل من 200 إلى 250 طناً، ويعكس التفاوت بين هذه التقديرات والبيانات الرسمية صعوبة الوصول إلى حصيلة نهائية قبل انتهاء موسم استخراج الأسماك وبيعها.
بين السمك المستورد والسمك المحلي
في السوق، يباع الكارب المحلي من المزرعة بنحو خمسة دولارات للكيلوغرام، وفق المربين، بينما قد يصل إلى المستهلك إلى نحو ستة دولارات بعد إضافة تكاليف النقل وهوامش التداول، وفي المطاعم، قد يتراوح سعره بين ثمانية و12 دولاراً.
في المقابل، يواجه المنتج المحلي منافسة من الأسماك المستوردة والمجمدة التي تدخل الأسواق بأسعار أقل، بحسب المزارعين، ما يزيد الضغط على قطاع يعاني أصلاً ارتفاع كلف الإنتاج وضعف التصريف، لكن الحمدي لا يرى أن منع الاستيراد وحده يمكن أن يحل الأزمة، ويقترح حماية تجارية مؤقتة ومدروسة، بالتوازي مع خفض كلفة الأعلاف، وتوفير تمويل موسمي، ودعم الطاقة، وتحسين الصحة السمكية والإنتاجية، وتنظيم الاستيراد وفق حجم الطلب والإنتاج المحلي.
لهذا تبدو مطالب المربين بسيطة في ظاهرها، علف بسعر محتمل، وطاقة يمكن الاعتماد عليها، ومكافحة فعالة للأمراض، وإصبعيات محسنة، وتمويل، وسوق لا ينافسهم فيه المستورد قبل أن يستعيدوا قدرتهم على الإنتاج، فبالنسبة إلى رموض ورمضان، لا يحتاج المربون اليوم إلى كثير من الخطابات والوعود؛ وإنما إلى اهتمام رسمي أكثر يمكنه إنقاذ ما دمرته سنوات القصف والتدمير.


