سوريا - اقتصاد
بين لقمة العيش وحقنة البوتوكس.. هل أصبح الجمال تجارة رابحة في سوريا؟
من 8 مراكز في إحصاءات سابقة إلى 98 مركزاً مرخصاً حالياً.. استثمارات تصل إلى 700 ألف دولار في منشأة واحدة، وفرص عمل تفتح أسئلة عن العوائد الاقتصادية
ش
شام أمعني
نشر في: ١١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٧:٣٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص

في شوارع دمشق، ولا سيما أبو رمانة والمالكي وأوتوستراد المزة، تبدو ملامح هذا النشاط واضحة في انتشار المراكز والعيادات التجميلية، وتنافسها عبر العروض والإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي. ولم يعد الإقبال مقتصراً على النساء، إذ دخل الرجال أيضاً إلى سوق الإجراءات التجميلية، من الليزر والبلازما للشعر إلى البوتوكس وإبراز عضلة الفك، في ظل تأثير متزايد لمعايير الجمال التي يروج لها المشاهير وصنّاع المحتوى.
لكن خلف الواجهات والإعلانات، تبرز أسئلة تتجاوز الرغبة في تحسين المظهر: ما حجم الأموال التي تتحرك في هذا السوق؟ وكم فرصة عمل يوفر؟ وكيف يستمر الطلب على خدماته في بلد تواجه فيه شرائح واسعة من السكان ضغوطاً معيشية؟
استثمارات متفاوتة.. وسوق عمل تتشكل
لا يقتصر التوسع في قطاع التجميل على عدد المراكز المرخصة، بل يمتد إلى رؤوس الأموال اللازمة لتأسيسها وتشغيلها، والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
وتوضح مديرة المراكز الطبية والعيادات الخاصة في دمشق، الدكتورة راما دغمش، لـ«العين السورية»، أن:
وتعني إمكانية دخول المستثمرين إلى هذا النشاط أن تأسيس المركز التجميلي لا يرتبط بالضرورة بامتلاك الطبيب لرأس المال، بل قد يقوم على استثمار تجاري يتولى فيه الطبيب المسؤولية الفنية، ضمن الضوابط الناظمة للعمل.
وفي محاولة لرصد حجم هذه الاستثمارات، توصل البحث الميداني الذي أجرته «العين السورية» إلى تفاوت لافت في تكاليف إنشاء المراكز.
فقد بلغت تكلفة تأسيس أحد المراكز التجميلية في حمص نحو 700 ألف دولار، مقابل 60 ألف دولار لإنشاء مركز آخر في دير الزور؛ أي بفارق 640 ألف دولار، يجعل تكلفة المركز الأول تعادل نحو 11.7 ضعف تكلفة الثاني.
ولا يمثل الرقمان متوسطاً لتكاليف الاستثمار في القطاع، لكنهما يكشفان اتساع الفجوة بين المنشآت التي شملها الرصد، وما قد يرتبط بذلك من اختلاف في المساحات والتجهيزات وطبيعة الخدمات المقدمة.
ولا تتوقف الكلفة عند مرحلة التأسيس؛ فالمراكز تحتاج إلى كوادر طبية وفنية وإدارية، وأجهزة ومواد تشغيلية، إلى جانب الإنفاق على الإيجارات والصيانة والتسويق.
وفي هذا السياق، أفادت مراكز تواصلت معها «العين السورية» بأن عدد العاملين في المركز الواحد يتراوح بين 10 و20 موظفاً، بحسب حجم المنشأة وطبيعة نشاطها.
وإذا طُبّق هذا النطاق حسابياً على المراكز الـ98 المرخصة، فإن العدد الافتراضي للعاملين قد يتراوح بين 980 و1960 شخصاً. غير أن هذا الرقم لا يمثل إحصاءً فعلياً لفرص العمل في القطاع، لأنه يستند إلى إفادات عينة محدودة من المراكز، وليس إلى بيانات شاملة عن جميع المنشآت المرخصة.

ومع ذلك، تعطي هذه المؤشرات صورة أولية عن سوق لا تقتصر حركتها على بيع الخدمات التجميلية، بل تمتد إلى تشغيل العاملين والتعامل مع موردي الأجهزة والمواد الطبية، فضلاً عن الخدمات العقارية والإعلانية والمساندة.
وبالتوازي مع انتشار المراكز المستقلة، اتجهت بعض عيادات الجلدية والأسنان إلى تقديم خدمات الليزر والحقن التجميلي، ما وسّع حضور هذه الإجراءات داخل منشآت طبية قائمة.
وفي هذا السياق، يرى أخصائي جراحة الوجه والفم والفكين، الدكتور "خالد العجب"، أن:
وفي المقابل، ينتقد العجب ممارسة الحقن التجميلي من قبل أشخاص غير مؤهلين طبياً، وهو ما يضع مسألة الرقابة المهنية وسلامة الإجراءات في قلب النقاش حول توسع هذا النشاط.
بعد التحرير.. استثمارات جديدة أم مراكز خرجت من الظل؟
شهدت مرحلة ما بعد 8 كانون الأول 2024 ارتفاعاً في أعداد المراكز الحاصلة على تراخيص، بحسب الدكتورة "راما دغمش"، التي تشير إلى أن بعض هذه المنشآت كان يعمل سابقاً بصورة غير قانونية، قبل أن يجري تنظيم أوضاعه وإدخاله ضمن الإطار القانوني والرقابي.
ويكشف هذا التفصيل جانباً مهماً من قراءة الأرقام؛ فزيادة عدد التراخيص لا تعني بالضرورة افتتاح العدد نفسه من المراكز الجديدة، بل قد تعكس أيضاً انتقال منشآت كانت تعمل بالفعل إلى الاقتصاد المنظم.
وفي حين يمكن للمراكز الجديدة أن تضيف استثمارات وفرص تشغيل، فإن ترخيص المنشآت القائمة قد يوسع نطاق الرقابة عليها ويتيح إدراج نشاطها ضمن الالتزامات التنظيمية والمالية. لكن التمييز بين الحالتين يحتاج إلى معرفة عدد المراكز المستحدثة فعلياً، وتلك التي اكتفت بتسوية أوضاعها.
أما من جانب الطلب، فيوضح الجراح التجميلي الدكتور "عاصم بزبوز"، لـ«العين السورية»، أن الإقبال على العمليات التجميلية تراجع خلال الفترة الأولى بعد التحرير، نتيجة الأوضاع التي شهدتها البلاد وارتفاع سعر الدولار آنذاك، إلا أن هذا التراجع لم يستمر طويلاً.
ويشير بزبوز إلى عودة الإقبال ونموه، رابطاً ذلك بانتشار الصيحات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتزايد أعداد المراكز والإعلانات، فضلاً عن توفر مواد أجنبية بعد تخفيف القيود الاقتصادية على سوريا.
وتظهر هذه العوامل أن حركة السوق لا تتأثر بالقدرة الشرائية وحدها، بل تتداخل فيها أيضاً كلفة المواد وتوفرها، وحجم المنافسة، وتأثير الإعلانات في تشكيل الطلب.
بين لقمة العيش وحقنة البوتوكس
في بلد تواجه فيه شرائح واسعة من السكان ضغوطاً معيشية وتراجعاً في القدرة الشرائية، يثير استمرار الإقبال على الخدمات التجميلية مفارقة بين صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية واستعداد بعض الأفراد لإنفاق مبالغ قد تعادل جزءاً مهماً من دخلهم على تحسين المظهر.
وبحسب الأسعار التي رصدتها «العين السورية» من سوق التجميل، تتراوح تكلفة حقن الفيلر بين 50 و100 دولار تبعاً لنوع المادة المستخدمة، فيما تبلغ تكلفة إجراء غمازة تجميلية نحو 100 دولار، وتبدأ عمليات نحت الجسم من 500 دولار تقريباً، بينما تصل تكلفة تجميل الأنف إلى نحو 400 دولار، وترتفع عمليات تكبير الثدي أو تصغيره إلى نحو 2000 دولار.
وتختلف هذه الأسعار من طبيب إلى آخر، بحسب نوع الإجراء والمواد المستخدمة وطبيعة الحالة، وهي متوسطات تقريبية رصدتها الصحيفة، وليست تسعيرة موحدة أو ملزمة للمراكز والعيادات.
لكن المفارقة لا تكمن في الأسعار وحدها، بل في الطريقة التي يوفر بها بعض الزبائن تكلفتها. فقد كشفت شهادات سيدات استطلعت «العين السورية» آراءهن أن اثنتين قالتا:
وتضع هذه الشهادات الإنفاق التجميلي في مواجهة مباشرة مع أولويات المعيشة لدى بعض الأفراد؛ فالحصول على إجراء تجميلي لا يأتي دائماً من فائض الدخل، بل قد يكون نتيجة ادخار طويل أو إعادة توزيع ميزانية محدودة، على حساب احتياجات أخرى.
ومن منظور اقتصادي، يعكس هذا السلوك استعداد بعض المستهلكين لتحمل تكلفة بديلة مقابل الحصول على خدمة تجميلية، في سوق لا يبدو أن الطلب فيها يقتصر بالضرورة على أصحاب الدخول المرتفعة.
غير أن هذه الحالات الفردية لا تسمح بالتعميم على السوريين، أو الجزم بأن أصحاب الدخل المحدود يشكلون الشريحة الأكبر من زبائن مراكز التجميل. لكنها تطرح سؤالاً عن أثر الإعلانات ومعايير الجمال والرغبات الشخصية في ترتيب الأولويات الاستهلاكية، وعن قدرة هذا الطلب على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية.
وبين أسعار تبدأ بعشرات الدولارات لإجراءات غير جراحية وتصل إلى آلاف الدولارات لبعض العمليات، وشهادات عن تقليص نفقات المعيشة لتوفير ثمن التجميل، تتجلى مفارقة سوق تتوسع خدماتها واستثماراتها، بينما تتفاوت قدرة زبائنها على تحمل تكلفتها.
السياحة التجميلية.. أموال تأتي من الخارج
لا يقتصر الطلب على الخدمات التجميلية على المقيمين داخل سوريا، إذ تشير شهادات من العاملين في القطاع إلى إقبال سوريات مغتربات وزائرات من جنسيات أخرى على الاستفادة من فروقات الأسعار.
وتقول أخصائية الليزر "هبة"، لـ«العين السورية»:
ويفتح هذا النوع من الطلب الباب أمام أثر اقتصادي قد يتجاوز إيرادات المراكز نفسها. فالزائرة التي تقصد سوريا خصيصاً لإجراء تجميلي قد تنفق أيضاً على الإقامة والمواصلات والمطاعم وغيرها من الخدمات، ما يتيح استفادة قطاعات أخرى من الأموال التي تجذبها الخدمات التجميلية.
وفي غياب إحصاءات عن أعداد الزوار القادمين خصيصاً لهذا الغرض، ومتوسط إنفاقهم ومدة إقامتهم، يصعب تقدير مساهمة السياحة التجميلية في الاقتصاد، وإن كانت شهادات العاملين تشير إلى وجود طلب خارجي يستحق الرصد.
من دخل المراكز إلى الخزينة.. ما الذي يكسبه الاقتصاد؟
مع توسع نشاط التجميل، لا تتوقف الحركة المالية عند المبالغ التي يدفعها الزبائن، بل تمتد إلى أجور العاملين وتكاليف التشغيل وشراء المواد والأجهزة، إلى جانب الإيجارات والتسويق والخدمات المساندة.
ويمكن أن ينعكس جزء من هذا الإنفاق على قطاعات محلية مرتبطة بالمراكز، فيما يذهب جزء آخر إلى استيراد التجهيزات والمستلزمات الطبية، ما يجعل حجم الإيرادات وحده غير كافٍ لقياس مساهمة القطاع في الاقتصاد السوري.
كما أن ارتفاع عدد المراكز المرخصة يثير سؤالاً حول الإيرادات التي تحصل عليها الخزينة العامة من الرسوم والضرائب، ولا سيما مع انتقال بعض المنشآت التي كانت تعمل دون ترخيص إلى الإطار القانوني.
وقد يسهم هذا الانتقال في تحسين حصر النشاط الاقتصادي وتوسيع نطاق الرقابة المالية، إلا أن أثره الفعلي على الإيرادات العامة لا يمكن تحديده دون بيانات عن المراكز المسجلة ضريبياً، وحجم أعمالها، والمبالغ المحصلة منها.
المثل الشعبي «تاجر المي ما بيخسر» يبدو حاضراً في سوق التجميل السوري، الذي يشهد انتشاراً للمراكز والعيادات المتخصصة، وسط إقبال على خدمات لم تعد تقتصر على تحسين المظهر، بل باتت تشكّل نشاطاً استثمارياً تتقاطع فيه المصالح الطبية والتجارية، وتمتد آثاره المحتملة إلى قطاعات السياحة والخدمات والإيرادات العامة.
فبحسب أحدث الأرقام التي حصلت عليها «العين السورية» من وزارة الصحة، يبلغ عدد مراكز التجميل المرخصة حالياً 98 مركزاً موزعة على عدد من المحافظات، مقابل ثمانية مراكز وردت في تصريحات سابقة لمدير المشافي في الوزارة عام 2019، عن التراخيص الممنوحة خلال الفترة الممتدة من 2005 حتى 2017، توزعت بين أربعة مراكز في دمشق وثلاثة في حمص ومركز واحد في طرطوس.
ورغم أن العدد الحالي يعادل أكثر من 12 ضعف الرقم الوارد في الإحصاء السابق، فإن اختلاف الفترات التي تغطيها البيانات، إلى جانب تسوية أوضاع بعض المنشآت التي كانت تعمل دون ترخيص، لا يسمح باعتبار هذا الفارق معدل نمو فعلياً للسوق.
فبحسب أحدث الأرقام التي حصلت عليها «العين السورية» من وزارة الصحة، يبلغ عدد مراكز التجميل المرخصة حالياً 98 مركزاً موزعة على عدد من المحافظات، مقابل ثمانية مراكز وردت في تصريحات سابقة لمدير المشافي في الوزارة عام 2019، عن التراخيص الممنوحة خلال الفترة الممتدة من 2005 حتى 2017، توزعت بين أربعة مراكز في دمشق وثلاثة في حمص ومركز واحد في طرطوس.
ورغم أن العدد الحالي يعادل أكثر من 12 ضعف الرقم الوارد في الإحصاء السابق، فإن اختلاف الفترات التي تغطيها البيانات، إلى جانب تسوية أوضاع بعض المنشآت التي كانت تعمل دون ترخيص، لا يسمح باعتبار هذا الفارق معدل نمو فعلياً للسوق.

في شوارع دمشق، ولا سيما أبو رمانة والمالكي وأوتوستراد المزة، تبدو ملامح هذا النشاط واضحة في انتشار المراكز والعيادات التجميلية، وتنافسها عبر العروض والإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي. ولم يعد الإقبال مقتصراً على النساء، إذ دخل الرجال أيضاً إلى سوق الإجراءات التجميلية، من الليزر والبلازما للشعر إلى البوتوكس وإبراز عضلة الفك، في ظل تأثير متزايد لمعايير الجمال التي يروج لها المشاهير وصنّاع المحتوى.
لكن خلف الواجهات والإعلانات، تبرز أسئلة تتجاوز الرغبة في تحسين المظهر: ما حجم الأموال التي تتحرك في هذا السوق؟ وكم فرصة عمل يوفر؟ وكيف يستمر الطلب على خدماته في بلد تواجه فيه شرائح واسعة من السكان ضغوطاً معيشية؟
استثمارات متفاوتة.. وسوق عمل تتشكل
لا يقتصر التوسع في قطاع التجميل على عدد المراكز المرخصة، بل يمتد إلى رؤوس الأموال اللازمة لتأسيسها وتشغيلها، والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
وتوضح مديرة المراكز الطبية والعيادات الخاصة في دمشق، الدكتورة راما دغمش، لـ«العين السورية»، أن:
❝الترخيص متاح لأي مستثمر شريطة استيفاء المعايير المطلوبة❞وأبرزها تعيين طبيب بشري مديراً فنياً مسؤولاً عن الجانبين الطبي والفني، لضمان تقديم الخدمات وفق الشروط الصحية والطبية.
وتعني إمكانية دخول المستثمرين إلى هذا النشاط أن تأسيس المركز التجميلي لا يرتبط بالضرورة بامتلاك الطبيب لرأس المال، بل قد يقوم على استثمار تجاري يتولى فيه الطبيب المسؤولية الفنية، ضمن الضوابط الناظمة للعمل.
وفي محاولة لرصد حجم هذه الاستثمارات، توصل البحث الميداني الذي أجرته «العين السورية» إلى تفاوت لافت في تكاليف إنشاء المراكز.
فقد بلغت تكلفة تأسيس أحد المراكز التجميلية في حمص نحو 700 ألف دولار، مقابل 60 ألف دولار لإنشاء مركز آخر في دير الزور؛ أي بفارق 640 ألف دولار، يجعل تكلفة المركز الأول تعادل نحو 11.7 ضعف تكلفة الثاني.ولا يمثل الرقمان متوسطاً لتكاليف الاستثمار في القطاع، لكنهما يكشفان اتساع الفجوة بين المنشآت التي شملها الرصد، وما قد يرتبط بذلك من اختلاف في المساحات والتجهيزات وطبيعة الخدمات المقدمة.
ولا تتوقف الكلفة عند مرحلة التأسيس؛ فالمراكز تحتاج إلى كوادر طبية وفنية وإدارية، وأجهزة ومواد تشغيلية، إلى جانب الإنفاق على الإيجارات والصيانة والتسويق.
وفي هذا السياق، أفادت مراكز تواصلت معها «العين السورية» بأن عدد العاملين في المركز الواحد يتراوح بين 10 و20 موظفاً، بحسب حجم المنشأة وطبيعة نشاطها.
وإذا طُبّق هذا النطاق حسابياً على المراكز الـ98 المرخصة، فإن العدد الافتراضي للعاملين قد يتراوح بين 980 و1960 شخصاً. غير أن هذا الرقم لا يمثل إحصاءً فعلياً لفرص العمل في القطاع، لأنه يستند إلى إفادات عينة محدودة من المراكز، وليس إلى بيانات شاملة عن جميع المنشآت المرخصة.

ومع ذلك، تعطي هذه المؤشرات صورة أولية عن سوق لا تقتصر حركتها على بيع الخدمات التجميلية، بل تمتد إلى تشغيل العاملين والتعامل مع موردي الأجهزة والمواد الطبية، فضلاً عن الخدمات العقارية والإعلانية والمساندة.
وبالتوازي مع انتشار المراكز المستقلة، اتجهت بعض عيادات الجلدية والأسنان إلى تقديم خدمات الليزر والحقن التجميلي، ما وسّع حضور هذه الإجراءات داخل منشآت طبية قائمة.
وفي هذا السياق، يرى أخصائي جراحة الوجه والفم والفكين، الدكتور "خالد العجب"، أن:
❝طب الأسنان يرتبط بطبيعته بالجانب التجميلي لمنطقة الوجه❞، مبرراً ممارسة بعض أطباء الأسنان لحقن الفيلر والبوتوكس شريطة التأهيل الجراحي أو الخضوع لدورات تدريبية معتمدة في المواد المالئة، وفق رأيه.
وفي المقابل، ينتقد العجب ممارسة الحقن التجميلي من قبل أشخاص غير مؤهلين طبياً، وهو ما يضع مسألة الرقابة المهنية وسلامة الإجراءات في قلب النقاش حول توسع هذا النشاط.
بعد التحرير.. استثمارات جديدة أم مراكز خرجت من الظل؟
شهدت مرحلة ما بعد 8 كانون الأول 2024 ارتفاعاً في أعداد المراكز الحاصلة على تراخيص، بحسب الدكتورة "راما دغمش"، التي تشير إلى أن بعض هذه المنشآت كان يعمل سابقاً بصورة غير قانونية، قبل أن يجري تنظيم أوضاعه وإدخاله ضمن الإطار القانوني والرقابي.
ويكشف هذا التفصيل جانباً مهماً من قراءة الأرقام؛ فزيادة عدد التراخيص لا تعني بالضرورة افتتاح العدد نفسه من المراكز الجديدة، بل قد تعكس أيضاً انتقال منشآت كانت تعمل بالفعل إلى الاقتصاد المنظم.
وفي حين يمكن للمراكز الجديدة أن تضيف استثمارات وفرص تشغيل، فإن ترخيص المنشآت القائمة قد يوسع نطاق الرقابة عليها ويتيح إدراج نشاطها ضمن الالتزامات التنظيمية والمالية. لكن التمييز بين الحالتين يحتاج إلى معرفة عدد المراكز المستحدثة فعلياً، وتلك التي اكتفت بتسوية أوضاعها.
أما من جانب الطلب، فيوضح الجراح التجميلي الدكتور "عاصم بزبوز"، لـ«العين السورية»، أن الإقبال على العمليات التجميلية تراجع خلال الفترة الأولى بعد التحرير، نتيجة الأوضاع التي شهدتها البلاد وارتفاع سعر الدولار آنذاك، إلا أن هذا التراجع لم يستمر طويلاً.
ويشير بزبوز إلى عودة الإقبال ونموه، رابطاً ذلك بانتشار الصيحات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتزايد أعداد المراكز والإعلانات، فضلاً عن توفر مواد أجنبية بعد تخفيف القيود الاقتصادية على سوريا.
وتظهر هذه العوامل أن حركة السوق لا تتأثر بالقدرة الشرائية وحدها، بل تتداخل فيها أيضاً كلفة المواد وتوفرها، وحجم المنافسة، وتأثير الإعلانات في تشكيل الطلب.
بين لقمة العيش وحقنة البوتوكس
في بلد تواجه فيه شرائح واسعة من السكان ضغوطاً معيشية وتراجعاً في القدرة الشرائية، يثير استمرار الإقبال على الخدمات التجميلية مفارقة بين صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية واستعداد بعض الأفراد لإنفاق مبالغ قد تعادل جزءاً مهماً من دخلهم على تحسين المظهر.
وبحسب الأسعار التي رصدتها «العين السورية» من سوق التجميل، تتراوح تكلفة حقن الفيلر بين 50 و100 دولار تبعاً لنوع المادة المستخدمة، فيما تبلغ تكلفة إجراء غمازة تجميلية نحو 100 دولار، وتبدأ عمليات نحت الجسم من 500 دولار تقريباً، بينما تصل تكلفة تجميل الأنف إلى نحو 400 دولار، وترتفع عمليات تكبير الثدي أو تصغيره إلى نحو 2000 دولار.
وتختلف هذه الأسعار من طبيب إلى آخر، بحسب نوع الإجراء والمواد المستخدمة وطبيعة الحالة، وهي متوسطات تقريبية رصدتها الصحيفة، وليست تسعيرة موحدة أو ملزمة للمراكز والعيادات.
لكن المفارقة لا تكمن في الأسعار وحدها، بل في الطريقة التي يوفر بها بعض الزبائن تكلفتها. فقد كشفت شهادات سيدات استطلعت «العين السورية» آراءهن أن اثنتين قالتا:
❝ادخرنا ثمن إجراءات التجميل عبر تقليص نفقات الطعام والشراب❞
وتضع هذه الشهادات الإنفاق التجميلي في مواجهة مباشرة مع أولويات المعيشة لدى بعض الأفراد؛ فالحصول على إجراء تجميلي لا يأتي دائماً من فائض الدخل، بل قد يكون نتيجة ادخار طويل أو إعادة توزيع ميزانية محدودة، على حساب احتياجات أخرى.
ومن منظور اقتصادي، يعكس هذا السلوك استعداد بعض المستهلكين لتحمل تكلفة بديلة مقابل الحصول على خدمة تجميلية، في سوق لا يبدو أن الطلب فيها يقتصر بالضرورة على أصحاب الدخول المرتفعة.
غير أن هذه الحالات الفردية لا تسمح بالتعميم على السوريين، أو الجزم بأن أصحاب الدخل المحدود يشكلون الشريحة الأكبر من زبائن مراكز التجميل. لكنها تطرح سؤالاً عن أثر الإعلانات ومعايير الجمال والرغبات الشخصية في ترتيب الأولويات الاستهلاكية، وعن قدرة هذا الطلب على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية.
وبين أسعار تبدأ بعشرات الدولارات لإجراءات غير جراحية وتصل إلى آلاف الدولارات لبعض العمليات، وشهادات عن تقليص نفقات المعيشة لتوفير ثمن التجميل، تتجلى مفارقة سوق تتوسع خدماتها واستثماراتها، بينما تتفاوت قدرة زبائنها على تحمل تكلفتها.
السياحة التجميلية.. أموال تأتي من الخارج
لا يقتصر الطلب على الخدمات التجميلية على المقيمين داخل سوريا، إذ تشير شهادات من العاملين في القطاع إلى إقبال سوريات مغتربات وزائرات من جنسيات أخرى على الاستفادة من فروقات الأسعار.
وتقول أخصائية الليزر "هبة"، لـ«العين السورية»:
❝إن جزءاً من مراجعات المركز الذي تعمل فيه سوريات مقيمات خارج البلاد أو زائرات من جنسيات أخرى، يقصدن المراكز للاستفادة من انخفاض التكاليف مقارنة بأوروبا.❞وترى "هبة"، استناداً إلى ما تنقله المراجعات من تجارب، أن أسعار خدمات التجميل في سوريا أقل من مثيلاتها في عدد من دول الجوار، وهو تقدير يستند إلى شهادات الزبائن، وليس إلى مقارنة سعرية شاملة.
ويفتح هذا النوع من الطلب الباب أمام أثر اقتصادي قد يتجاوز إيرادات المراكز نفسها. فالزائرة التي تقصد سوريا خصيصاً لإجراء تجميلي قد تنفق أيضاً على الإقامة والمواصلات والمطاعم وغيرها من الخدمات، ما يتيح استفادة قطاعات أخرى من الأموال التي تجذبها الخدمات التجميلية.
وفي غياب إحصاءات عن أعداد الزوار القادمين خصيصاً لهذا الغرض، ومتوسط إنفاقهم ومدة إقامتهم، يصعب تقدير مساهمة السياحة التجميلية في الاقتصاد، وإن كانت شهادات العاملين تشير إلى وجود طلب خارجي يستحق الرصد.
من دخل المراكز إلى الخزينة.. ما الذي يكسبه الاقتصاد؟
مع توسع نشاط التجميل، لا تتوقف الحركة المالية عند المبالغ التي يدفعها الزبائن، بل تمتد إلى أجور العاملين وتكاليف التشغيل وشراء المواد والأجهزة، إلى جانب الإيجارات والتسويق والخدمات المساندة.
ويمكن أن ينعكس جزء من هذا الإنفاق على قطاعات محلية مرتبطة بالمراكز، فيما يذهب جزء آخر إلى استيراد التجهيزات والمستلزمات الطبية، ما يجعل حجم الإيرادات وحده غير كافٍ لقياس مساهمة القطاع في الاقتصاد السوري.
كما أن ارتفاع عدد المراكز المرخصة يثير سؤالاً حول الإيرادات التي تحصل عليها الخزينة العامة من الرسوم والضرائب، ولا سيما مع انتقال بعض المنشآت التي كانت تعمل دون ترخيص إلى الإطار القانوني.
وقد يسهم هذا الانتقال في تحسين حصر النشاط الاقتصادي وتوسيع نطاق الرقابة المالية، إلا أن أثره الفعلي على الإيرادات العامة لا يمكن تحديده دون بيانات عن المراكز المسجلة ضريبياً، وحجم أعمالها، والمبالغ المحصلة منها.


