سوريا - اقتصاد
عقارات سوريا أمام مرحلة جديدة.. كود الاتصالات يدخل على خط الأسعار والاستثمار
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٤٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

هل تصبح جودة الإنترنت عاملاً جديداً في سعر الشقة؟ وهل يتحول المبنى المجهز بالبنية الرقمية والخدمات الذكية إلى عقار أكثر قيمة في السوق السورية؟
أسئلة تفرض نفسها مع طرح مسودة الكود السوري للاتصالات في المباني للمشاورة العامة، تمهيداً لإدخال البنية التحتية للاتصالات ضمن نظام ضابطة البناء في سوريا.
وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل أعلن أن الكود يهدف إلى ضمان مواكبة الأبنية للسرعات والسعات العالية، وفتح مجال أوسع للعمل والاستثمار والخدمات المرتبطة بهذا القطاع.
لكن أهمية الخطوة لا تتوقف عند تحسين جودة الإنترنت داخل المباني، إذ يمكن أن تمتد آثارها إلى تكلفة البناء وأسعار العقارات وقابليتها للبيع والتأجير، وحتى إلى طبيعة الاستثمارات التي يمكن أن تنشأ حولها.
تكلفة محدودة مقابل جاهزية طويلة الأمد
يرى الخبير العقاري أنور وردة في حديثه لـ"لعين السورية" أن إدراج البنية التحتية للاتصالات ضمن ضابطة البناء خطوة مهمة، لكن حجم الكلفة الإضافية سيعتمد على طبيعة المتطلبات التي ستتضمنها الصيغة النهائية للكود.
ولا تزال التفاصيل النهائية غير محسومة، بما في ذلك مدى شموله للألياف الضوئية، وشبكات الاتصالات الداخلية، والمقاسم الداخلية، وأنظمة المباني الذكية والمراقبة والتحكم، وما إذا كانت المتطلبات ستختلف بين الأبنية السكنية والإدارية والفنادق والمشافي والمراكز التجارية.
وبحسب وردة، فإن المتطلبات الأساسية قد تقتصر على تجهيز المبنى بالتمديدات اللازمة لاستقبال الخدمات الحديثة، وهي أعمال يمكن تنفيذها بتكلفة محدودة نسبياً عندما يتم إدراجها منذ مرحلة البناء.
أما الأبنية ذات الاستخدامات التقنية العالية، فمن الطبيعي أن تحتاج إلى تجهيزات أكثر، وبالتالي إلى كلفة أعلى، لكن هذه الزيادة تصبح أقل أهمية عندما تكون البنية التقنية جزءاً أساسياً من طبيعة استخدام العقار.
هل يرفع «كود الاتصالات» أسعار العقارات؟
وجود بنية اتصالات حديثة داخل العقار قد يتحول إلى ميزة تنافسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ارتفاع الأسعار بصورة مباشرة وكبيرة.
ويرجح وردة أن يكون تأثير كود الاتصالات على أسعار العقارات وإيجاراتها جزئياً وغير مباشر، مع احتمال ظهور أثر أكبر في العقارات المكتبية والتجارية والعقارات ذات الاستخدامات التقنية العالية.
فالعقار المجهز مسبقاً بخطوط الاتصالات الضوئية والبنية اللازمة لخدمات الإنترنت الحديثة يمكن أن يكون أكثر جاذبية للمشتري أو المستأجر، وقد يصبح أسرع في التسويق أو أقل حاجة إلى المساومة على السعر.
وبذلك، قد تنتقل الاتصالات تدريجياً من كونها مجرد خدمة داخل العقار إلى عنصر من عناصر قيمته التنافسية.
العقار الجاهز.. ميزة جديدة
لم يعد تقييم العقار يعتمد فقط على المساحة والموقع والإكساء والطابق والخدمات التقليدية.
ومع توسع العمل عن بعد والخدمات الرقمية والمنازل الذكية وأنظمة المراقبة وإدارة الطاقة، يمكن أن تصبح الجاهزية الرقمية للعقار أحد العناصر التي ينظر إليها المشتري أو المستأجر عند اتخاذ قرار الشراء أو الإيجار.
ويشير وردة إلى أن العقار الذي تتوافر فيه بنى تحتية متطورة، مثل الطاقة البديلة والخزانات الأرضية وخطوط الاتصالات الضوئية وخدمات الإنترنت القوية، يكون أكثر رواجاً من عقار يفتقر إلى هذه التجهيزات.
لكن القيمة المضافة لا تعني بالضرورة زيادة مباشرة في السعر، فقد تظهر في صورة سرعة أكبر في البيع أو التأجير، وزيادة قابلية التسويق، وتقليل الخصم الذي يطلبه المشتري.
الكود لا يجلب الإنترنت إلى المبنى
رغم أهمية تجهيز الأبنية من الداخل، فإن الكود وحده لن يحل مشكلة ضعف البنية التحتية الخارجية للاتصالات.
ويضع وردة هنا نقطة جوهرية :الكود لا يصنع شبكة اتصالات خارج المبنى، لكنه يمنع المبنى نفسه من أن يكون عائقاً أمام وصول الشبكة إليه.
فيمكن أن يكون البناء مجهزاً لاستقبال الألياف الضوئية، لكن الاستفادة الفعلية من هذه التجهيزات ستبقى مرتبطة بقدرة شبكات الاتصالات الخارجية ومزودي الخدمة على إيصال الخدمة إلى الحي والبناء.
وبالتالي، فإن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على التمديدات داخل الأبنية، بل أيضاً على تطوير الشبكات الخارجية بالتوازي معها.
الأبنية القديمة.. التحدي الأصعب
ولا يتوقف النقاش عند الأبنية الجديدة، إذ يبرز سؤال حول إمكانية تطبيق متطلبات الكود على الأبنية القائمة ومشاريع إعادة التأهيل والترميم.
ويرى وردة أن ذلك ممكن في العديد من الأبنية القديمة، خصوصاً أن تمديدات الاتصالات تشبه من حيث المبدأ التمديدات الكهربائية والصحية التي تدخل في تجهيز المباني.
لكن الوضع يختلف في الأبنية التاريخية والتراثية أو الموجودة ضمن أحياء ذات نسيج عمراني حساس، حيث قد تتطلب عملية التمديد تكسير الجدران أو الواجهات أو المساحات المشتركة.
لذلك، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الأبنية القديمة القابلة للتأهيل والأبنية ذات القيمة التاريخية التي تحتاج إلى حلول خاصة تحافظ على طابعها المعماري.
من «كود إنترنت» إلى مبنى ذكي
الدكتور عمار دلول، المتخصص في التحول الرقمي والحكومات الذكية، يطرح رؤية أوسع لمفهوم البنية التحتية الرقمية داخل المباني، معتبراً أن أهمية الكود لا ينبغي أن تقتصر على مسارات كابلات الهاتف والإنترنت أو إيصال الألياف الضوئية إلى الشقق والمكاتب.
فالهدف، وفق هذه الرؤية، هو تجهيز المبنى ليكون قادراً على استيعاب مجموعة متزايدة من الخدمات الرقمية والذكية، مثل العدادات الذكية للكهرباء والمياه والغاز، وأنظمة المراقبة والتحكم بالدخول، وحساسات الدخان والحرارة وتسرب الغاز والمياه، وأنظمة الإنذار والإخلاء، وإدارة الطاقة والمصاعد والتكييف والإضاءة، إضافة إلى تجهيزات المنازل والمكاتب الذكية وإنترنت الأشياء ومحطات شحن السيارات الكهربائية.
وبذلك ينتقل النقاش من تمديد الإنترنت داخل البناء إلى تجهيز المبنى ليكون جزءاً من البنية الرقمية للمدينة.
غرفة الاتصالات.. أكثر من موزع إنترنت
وفق هذا التصور، فإن غرفة الاتصالات في المبنى الحديث لا ينبغي أن تكون مجرد مساحة لموزع الإنترنت أو الهاتف، بل نقطة مركزية يمكن أن ترتبط بها الأنظمة الحالية والمستقبلية.
وهذا يتطلب، بحسب دلول، مراعاة وجود غرف ومسارات اتصالات مناسبة، وقنوات احتياطية للتوسع، ومصادر تغذية كهربائية وحماية وتأريض وتهوية واشتراطات سلامة ومقاومة للحريق، إلى جانب ضمان سهولة الصيانة والوصول إلى التجهيزات.
كما تبرز أهمية أن تكون البنية التحتية محايدة، بحيث لا يرتبط تجهيز المبنى بمشغل واحد، ويستطيع المستخدم اختيار مزود الخدمة دون الحاجة إلى أعمال تكسير وتمديد جديدة.
التكامل الحكومي.. الاختبار الحقيقي
التحدي لا يتعلق بالجانب الفني وحده، بل بكيفية تحويل الكود من وثيقة فنية إلى متطلبات فعلية تدخل في دورة البناء والترخيص والتنفيذ.
ويرى دلول أن نجاح المشروع يحتاج إلى تكامل بين الجهات المعنية، بحيث تحدد وزارة الاتصالات المتطلبات الرقمية والفنية، بالتوازي مع مشاركة الجهات المسؤولة عن ضابطة البناء ونقابة المهندسين والوحدات الإدارية والدفاع المدني والجهات المرتبطة بالطاقة والمياه وغيرها.
وتبرز أهمية إدخال متطلبات الاتصالات في تصميم المبنى منذ البداية، بدلاً من إضافتها بعد انتهاء البناء، لأن تأخيرها يعني تكاليف أعلى وأعمال تكسير وحلولاً عشوائية قد تؤثر في كفاءة الشبكة وسهولة صيانتها.
سوق جديدة للاستثمار
إدخال البنية التحتية للاتصالات ضمن ضابطة البناء يمكن أن يتحول أيضاً إلى فرصة اقتصادية، وليس مجرد متطلب تنظيمي.
فالحاجة إلى تنفيذ الشبكات الداخلية، وتجهيز غرف الاتصالات، وتمديد الألياف الضوئية، وتركيب أنظمة المراقبة والتحكم وإدارة الطاقة والمباني الذكية، يمكن أن تفتح مجالات أمام شركات الاتصالات والمقاولين المتخصصين ومهندسي الاتصالات والمعلوماتية وموردي التجهيزات وشركات الصيانة والاختبار.
وبالنسبة إلى المطور العقاري، يمكن أن تتحول هذه المتطلبات من كلفة إضافية محدودة في مرحلة البناء إلى ميزة تسويقية تساعده على تقديم عقار أكثر جاهزية للخدمات الرقمية المستقبلية.
من كود الاتصالات إلى عقار جاهز للمستقبل
مسودة الكود السوري للاتصالات في المباني تفتح الباب أمام تغيير تدريجي في طريقة النظر إلى العقار في سوريا.
فالمبنى الحديث لم يعد مجرد جدران وشبكات كهرباء ومياه وصرف صحي، بل أصبح بيئة تتداخل فيها الاتصالات والطاقة والأمن والسلامة وإدارة المرافق والخدمات الرقمية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار الكود، وإنما في ضمان أن يكون قابلاً للتطبيق، ومناسباً لاختلاف أنواع الأبنية، وقابلاً للتحديث مع تطور التكنولوجيا، وأن يترافق مع تطوير الشبكات الخارجية التي ستغذي هذه الأبنية بالخدمات.
وفي سوق عقارية تبحث عن عوامل جديدة للتميّز، قد تصبح الجاهزية الرقمية للعقار خلال السنوات المقبلة عاملاً لا يقل أهمية عن الإكساء والخدمات التقليدية.
فالعقار الذي يُبنى اليوم سيبقى لعقود، بينما تتغير التكنولوجيا خلال سنوات قليلة. وتجهيز المبنى مسبقاً لاستقبال الألياف الضوئية والأنظمة الذكية والخدمات الرقمية قد لا يكون مجرد استجابة لتطور تقني راهن، بل استثماراً في عمر العقار وقدرته على مواكبة المستقبل.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: كم سيكلف "كود الاتصالات"؟ بل: كم ستكلفنا الأبنية التي لا نجهزها اليوم لعصر رقمي يتوسع بسرعة؟


