سوريا - اقتصاد
من يحمي حقول النفط.. يحمي شريان الاقتصاد السوري
من البئر إلى المصفاة والسوق.. لماذا أصبحت حماية النفط قضية تمس حياة كل مواطن سوري؟
ا
العين السورية
نشر في: ٦ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

قد يبدو حقل النفط البعيد عن المدن مجرد مساحة إنتاج في البادية أو شمال شرق سوريا، لكن أثره لا يبقى هناك. فالبرميل الذي يخرج من البئر لا يصل إلى السوق مباشرة، بل يمر عبر شبكة تبدأ بالآبار ومحطات الضخ، وتمتد عبر خطوط النقل والخزانات والمصافي، قبل أن يتحول إلى بنزين ومازوت وكيروسين وغاز وغيرها من المشتقات التي يعتمد عليها النقل والإنتاج والخدمات.
لهذا، فإن حماية الحقول النفطية وخطوط نقل الخام ليست قضية تخص قطاع الطاقة وحده، بل ترتبط مباشرة بأمن الإمدادات واستقرار السوق وقدرة الاقتصاد على العمل. وتظهر خطط وزارة الطاقة الحالية أن استعادة البنية التحتية النفطية وتأهيل الحقول والمنشآت تمثل جزءاً أساسياً من مسار زيادة الإنتاج وتقليص الاعتماد على الاستيراد.
112 ألف برميل يومياً.. وفجوة ما زالت كبيرة
تملك سوريا 78 حقلاً نفطياً، فيما يبلغ إنتاجها المحلي حالياً نحو 112 ألف برميل يومياً، بحسب وزير الطاقة محمد البشير. لكن هذا الإنتاج لا يغطي احتياجات البلاد، إذ تبلغ الفجوة نحو 200 ألف برميل يومياً يجري تأمينها من الخارج، بينما تبلغ قدرة التكرير نحو 150 ألف برميل يومياً، وتستورد سوريا مشتقات نفطية بمعدل يقارب 150 ألف برميل يومياً.
وتكشف هذه الأرقام أن معركة النفط السورية لا تتعلق فقط بزيادة عدد البراميل المستخرجة، بل باستعادة سلسلة متكاملة تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند المصفاة. ولهذا تستهدف وزارة الطاقة الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من النفط خلال عام 2028، بالتوازي مع استعادة الحقول وتأهيل البنية التحتية وزيادة الإنتاج.
الإنتاج يعود.. لكن الطريق يحتاج إلى إعادة بناء
خلال النصف الأول من عام 2026، أنتجت سوريا 14.8 مليون برميل من النفط الخام، فيما جرى تشغيل 152 بئراً وإدخال 10 آبار جديدة إلى الإنتاج وإصلاح 21 بئراً، إلى جانب تنفيذ أعمال حفر وإعادة تأهيل للحفارات. كما أنتجت البلاد خلال الفترة نفسها 3.5 ملايين طن من المشتقات النفطية.
لكن استعادة الإنتاج لا تعني أن القطاع استعاد كامل قدرته التشغيلية. فالوزارة تعمل بالتوازي على إعادة تأهيل البنية التحتية والمنشآت ومحطات النقل، في وقت ما تزال فيه أجزاء من هذه الشبكة بحاجة إلى إصلاح بعد سنوات من الأضرار والتوقف. ويظهر ذلك بوضوح في أعمال إعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات النفطية.
المعادلة هنا واضحة: لا يمكن رفع الإنتاج بصورة مستدامة من دون إعادة تأهيل الآبار والمنشآت وشبكات النقل ومحطات الضخ، لأن استخراج الخام وحده لا يكفي إذا تعذر نقله إلى المصافي أو تخزينه أو تكريره وتحويله إلى مشتقات تصل إلى المستهلك.
من الرميلان إلى حمص.. النفط يحتاج إلى طريق آمن
لا تقل خطوط نقل النفط أهمية عن الحقول نفسها. ويجري العمل على إعادة تأهيل خط الرميلان–حمص والمحطات المرتبطة به بهدف استعادة قدرته على نقل الخام من مناطق الإنتاج إلى المصافي والموانئ. وأوضحت الشركة السورية لنقل النفط أن أجزاء من الخط ومحطاته تعرضت للتخريب والدمار، قبل أن تبدأ أعمال الإصلاح والتأهيل وإعادة تشغيل المحطات.
وفي آذار 2026، أعيد تشغيل محطة الضخ الرئيسية في حمص باستطاعة 600 متر مكعب في الساعة بعد توقف دام 12 عاماً، في خطوة قالت الشركة إنها تستهدف تعزيز قدرات نقل النفط وتحسين استدامة تزويد السوق المحلية بالمشتقات النفطية.
وهنا تظهر أهمية حماية خطوط النفط باعتبارها جزءاً من أمن الإمدادات. فأي اعتداء أو تخريب يوقف محطة ضخ أو يعطل خط نقل يمكن أن يعرقل وصول الخام إلى المصافي، حتى لو بقيت الآبار قادرة على الإنتاج.
رميلان.. زيادة الإنتاج تبدأ من إعادة البناء
وفي أحد أبرز مشاريع تطوير الإنتاج، عرضت الشركة السورية للبترول وشركة HKN Energy الأمريكية في 4 آب 2026 خطة لتطوير حقول الرميلان في الحسكة باستخدام تقنيات حديثة، مع برنامج يستهدف رفع إنتاج الحقول تدريجياً إلى نحو 200 ألف برميل يومياً، بالتوازي مع مشاريع لإعادة التأهيل وتحسين كفاءة العمليات.
لكن الرقم المستهدف ليس إنتاجاً حالياً، بل هدفاً تدريجياً مرتبطاً ببرنامج التطوير والتأهيل. وهذا التفريق مهم عند قراءة مستقبل الإنتاج النفطي السوري، إذ إن الطريق من مستويات الإنتاج الحالية إلى مستويات أعلى يمر أولاً عبر إعادة بناء القدرة التشغيلية للحقول والمنشآت وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار والعمل.
المصفاة.. الحلقة التي تحول الخام إلى وقود
حتى وصول النفط إلى المصافي لا يعني انتهاء التحدي. فالمصفاة هي الحلقة التي تحول الخام إلى منتجات يحتاجها الاقتصاد يومياً، من البنزين والمازوت إلى الكيروسين والغاز المسال.
وفي مصفاة بانياس، تتواصل أعمال العمرة والصيانة وإعادة التأهيل بهدف رفع الطاقة التشغيلية من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى نحو 130 ألفاً، بزيادة تقارب 50 ألف برميل يومياً. وتشمل الأعمال استبدال المفاعل وإعادة تأهيل وحدة التقطير ومحطة القوى، إلى جانب تأهيل منشآت ومرافق وأنظمة السلامة.
وتكتسب هذه الأعمال أهمية خاصة لأن سنوات التشغيل الطويلة من دون عمرة شاملة تركت عدداً من الوحدات والمعدات بحاجة إلى إعادة تأهيل، وفق الشركة السورية للبترول. كما أن رفع قدرة المصفاة يستهدف تعزيز قدرتها على تأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية.
وخلال النصف الأول من 2026، استوردت سوريا 1.5 مليون طن من النفط الخام، إضافة إلى 598 ألف طن من المازوت و283 ألف طن من البنزين و196 ألف طن من الغاز المنزلي المسال و32 ألف طن من الفيول، بينما أمنت السوق المحلية 3.5 ملايين طن من المشتقات النفطية. وتوضح هذه الأرقام أن امتلاك الخام والإنتاج المحلي لا يعنيان وحدهما القدرة على تلبية احتياجات السوق.
حماية الحقول.. مسؤولية تتجاوز قطاع النفط
إذا كان النفط يمثل مورداً اقتصادياً للدولة، فإن حماية هذا المورد لا يمكن أن تبقى مسؤولية فنية تقع على عاتق العاملين في الحقول والمنشآت وحدهم.
فأي تخريب يطال بئراً أو محطة ضخ أو خط نقل لا يتوقف أثره عند المنشأة المتضررة. تعطيل الإنتاج أو النقل يمكن أن يعني كميات أقل من الخام تصل إلى المصافي، وحاجة أكبر إلى الاستيراد، وضغطاً إضافياً على فاتورة تأمين الوقود، وانعكاسات تمتد في النهاية إلى النقل والإنتاج والخدمات وحياة المواطنين.
وهنا تبرز ضرورة التعاون بين المؤسسات الحكومية والجهات المحلية والمجتمعات الموجودة في مناطق الإنتاج لحماية الحقول والمنشآت وخطوط النقل، والإبلاغ عن أي أعمال تخريب أو اعتداء تستهدفها، لأن هذه المنشآت ليست ملكاً لمنطقة أو جهة بعينها، بل جزء من البنية الاقتصادية التي يعتمد عليها السوريون في مختلف المحافظات.
ولا يعني ذلك تحميل المواطنين مسؤولية أمن المنشآت، وإنما التأكيد على أن حماية مورد اقتصادي بهذا الحجم تحتاج إلى تعاون واسع بين الجهات المختصة والمجتمع المحلي، إلى جانب الإجراءات الأمنية والفنية التي تتخذها الدولة.
من البئر إلى المواطن.. سلسلة واحدة
أمام سوريا اليوم قطاع نفطي يملك قاعدة إنتاجية مهمة، لكنه يحتاج إلى استثمارات وتأهيل وإعادة تشغيل واستعادة للبنية التحتية حتى يتمكن من تقليص الاعتماد على الاستيراد. وفي المقابل، بدأت بالفعل عمليات إعادة تشغيل للآبار وتأهيل لخطوط النقل ومحطات الضخ وتطوير للمصافي، بالتوازي مع مشاريع تستهدف رفع الإنتاج في الحقول.
والرهان لا يتعلق فقط بعدد البراميل المستخرجة، بل بقدرة الدولة على حماية الآبار، وتأهيل خطوط النقل ومحطات الضخ، ورفع كفاءة المصافي، وتحسين التخزين، وضمان وصول الخام والمشتقات إلى السوق بصورة منتظمة.
فالنفط يبدأ من الحقل، لكن قيمته الاقتصادية لا تتحقق إلا عندما يقطع الطريق كاملاً من البئر إلى المصفاة ثم إلى السوق.
وفي بلد ما زال يسد فجوة نفطية تبلغ نحو 200 ألف برميل يومياً عبر الاستيراد، تصبح حماية كل حلقة من هذه السلسلة جزءاً من معركة أوسع لاستعادة أمن الطاقة وتقليص فاتورة الاستيراد ودعم التعافي الاقتصادي. وقدر وزير الطاقة كلفة شراء النفط الخام والمشتقات بنحو 831 مليون دولار شهرياً، فيما تستهدف الحكومة الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من النفط عام 2028.
لذلك، فإن حماية حقول النفط وخطوط نقله ليست حماية لمنشآت إنتاجية فحسب؛ إنها حماية للوقود الذي يحرك السيارات، والطاقة التي تدعم الإنتاج، والسلع التي تصل إلى الأسواق، والدخل الذي تحتاجه الدولة لتمويل خدماتها. وبقدر ما تتسع دائرة التعاون لحماية هذه الموارد من التخريب، تتعزز قدرة الاقتصاد السوري على استعادة إنتاجه وتقليل اعتماده على الخارج.


