سوريا - اقتصاد
المالية تواجه «المستورد الوهمي» وتمهّد لضريبة موحّدة على الدخل
تعمل وزارة المالية على حزمة من الإجراءات الإصلاحية لمكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الامتثال، كان آخرها قرار يستهدف ظاهرة الاستيراد عبر ما يُعرف بـ«المستورد الوهمي».
ن
نورا حربا
نشر في: ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٠٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تواجه وزارة المالية تحديات كبيرة في إطار سعيها لإصلاح المنظومة المالية والضريبية، في ظل إرث ثقيل خلفته سنوات الحرب وما رافقها من تشوهات اقتصادية ومالية، إلى جانب انتشار أشكال متعددة من التهرب الضريبي.
الأمر الذي حرم الخزينة العامة من موارد كان يمكن أن تسهم في تمويل الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية، وزاد من الضغوط على الموازنة العامة.
في هذا السياق، تعمل الوزارة على حزمة من الإجراءات الإصلاحية لمكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الامتثال، كان آخرها قرار يستهدف ظاهرة الاستيراد عبر ما يُعرف بـ«المستورد الوهمي».
مكافحة «المستورد الوهمي»
وفي إطار الحد من الممارسات التي تؤدي إلى الإضرار بالإيرادات العامة، أصدر وزير المالية محمد يسر برنية القرار رقم 2327، بهدف مكافحة التهرب الضريبي المرتبط باستخدام مستوردين وهميين، وتعزيز النزاهة والشفافية في عمليات الاستيراد وحماية المال العام.
ويكشف مصدر خاص في وزارة المالية لـ«العين السورية» أن القرار يأتي استكمالاً لإجراءات اتخذتها الوزارة بالتعاون والتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، لمواجهة ظاهرة المستورد الوهمي وتعزيز الرقابة على عمليات الاستيراد.
وبحسب المصدر، ينص القرار على تحميل المخلصين الجمركيين مسؤولية التحقق من هوية المستورد الحقيقي، وترتيب المسؤولية القانونية بحق كل من يثبت تورطه في تنظيم بيانات جمركية لمستوردين وهميين أو المساهمة في إخفاء هوية المستورد الفعلي.
نحو نظام ضريبي أكثر عدالة
ويرى الخبير الاقتصادي مازن حواصلي، في حديث لـ«العين السورية»، أن سوريا، وبعد سنوات طويلة من الدمار والصراع، تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية على أسس متينة تضمن العدالة والاستقرار، معتبراً أن إصلاح النظام الضريبي يمثل إحدى الركائز الأساسية لإعادة الإعمار وبناء مستقبل أفضل.
ويشير حواصلي إلى أن التهرب الضريبي اتخذ خلال السنوات الماضية أشكالاً متعددة، بدءاً من عدم إصدار الفواتير في المعاملات التجارية، مروراً بالتلاعب بالبيانات المالية والإقرارات الضريبية، وصولاً إلى استغلال الثغرات الموجودة في التشريعات الضريبية، فضلاً عن الفساد الإداري وضعف الرقابة.
موارد مستقرة لإعادة الإعمار
ويؤكد حواصلي أن التهرب الضريبي ينعكس سلباً على قدرة الدولة في تمويل الخدمات العامة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى موارد مالية ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، من طرق ومستشفيات ومدارس ومرافق عامة.
ويرى أن وجود نظام ضريبي عادل وفعال يمكن أن يوفر للدولة تدفقاً مالياً مستقراً ودورياً، ويحد من الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية أو الاقتراض لتمويل احتياجات البلاد.
تبسيط التشريعات وإصلاح نظام التسعير
ويدعو حواصلي إلى إعادة النظر في التشريعات الضريبية وتبسيطها وجعلها أكثر وضوحاً وشفافية، إلى جانب وضع نظام للعقوبات على التهرب الضريبي يكون رادعاً وفعالاً، وتعزيز استقلالية الإدارة الضريبية وتطوير بنيتها التحتية التقنية.
كما يشدد على ضرورة إصلاح نظام تسعير المواد الأساسية والتحويلات، والعمل على تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، خصوصاً أن المواطن السوري تحمل الجزء الأكبر من تبعات الحرب والأزمة الاقتصادية.
ويعتبر أن أصحاب الدخول المرتفعة والثروات الأكبر يجب أن يتحملوا حصة أكبر من أعباء إعادة الإعمار، من خلال نظام ضريبي تصاعدي، مقابل تخفيف الأعباء عن أصحاب الدخل المحدود والطبقة المتوسطة.
الضرائب كأداة لتحفيز الاستثمار ومكافحة الفساد
ويرى حواصلي أن النظام الضريبي المدروس لا ينبغي أن يقتصر دوره على تحصيل الإيرادات، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، عبر تقديم حوافز وإعفاءات مدروسة للأنشطة ذات الأولوية الاقتصادية.
ويؤكد في الوقت ذاته أن مكافحة الفساد تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح ضريبي، موضحاً أن نظاماً يقوم على الشفافية والوضوح والمساءلة يمكن أن يسهم في الحد من الاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي، ويقلل من فرص الفساد.
ضريبة موحدة على الدخل قريباً
وفي مؤشر على توجه الحكومة نحو إعادة صياغة السياسة الضريبية، يؤكد حواصلي قرب إصدار حزمة من القوانين الجديدة التي تصب في إطار الإصلاح الضريبي، مشيراً إلى أن البلاد باتت مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من السياسات الضريبية التي يفترض أن تكون أكثر عدالة وشفافية.
ويلفت إلى أن وزارة المالية ستطرح خلال الفترة المقبلة مشروع «الضريبة الموحدة على الدخل»، تمهيداً لفتح حوار عام بشأنه مع الجهات المعنية والجمهور، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إعداد القانون الجديد.
من «الجباية» إلى الشراكة الاقتصادية
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماني، في حديث لـ«العين السورية»، أن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمكن أن يشكل أحد المسارات المهمة في المرحلة المقبلة، لما قد توفره هذه الشراكة من فوائد، أبرزها الحد من الهدر في القطاع العام والاستفادة من الخبرات الإدارية التي يمتلكها القطاع الخاص.
ويشدد قضيماني على ضرورة الحفاظ على الدور الرقابي للدولة، ولا سيما في ما يتعلق بضبط الأسعار وضمان توافر المنتجات الأساسية في الأسواق، معتبراً أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمكن أن تساعد الدولة على تجاوز نموذج «الجباية» التقليدي، وحماية القطاع العام من الخسائر التي كانت سمة بارزة في المرحلة السابقة.
ويقترح أن تأخذ هذه الشراكة مستقبلاً شكل شركات قابضة يديرها القطاع الخاص، مع مساهمة رمزية للدولة، مقابل تقديم التسهيلات والحصول على نسب من الأرباح.
إنهاء ثقافة الرشوة والمحسوبيات
وفي ما يتعلق بإمكانية زيادة الإيرادات الحكومية بالتوازي مع تخفيف العبء الضريبي عن المواطنين، يرى قضيماني أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب توافر مجموعة من الشروط، وفي مقدمتها، بحسب تعبيره، «انتهاء ثقافة الرشوة والمحسوبيات».
ويضيف أن ضبط النشاط الاقتصادي من شأنه أن يعزز قدرة الدولة على تأمين مواردها، مشيراً إلى امتلاك سوريا ثروات باطنية يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء المالية، إلى جانب إمكانية الاستفادة من الشراكات الاقتصادية مع دول أخرى، بما في ذلك المشاريع المرتبطة بخطوط الغاز والنفط وعائداتها.
ويخلص قضيماني إلى أن الحكومة مطالبة بالبحث عن مصادر متنوعة لزيادة الإيرادات، وعدم حصرها ضمن الإيرادات الضريبية أو الرسوم التقليدية.
نظام ضريبي جديد.. حاجة وضرورة
إن بناء نظام ضريبي عادل في سوريا بعد التحرير لا يمثل خياراً اقتصادياً فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصبح حاجة سياسية واجتماعية وضرورة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
فالنظام الضريبي العادل والشامل يمكن أن يشكل أحد أعمدة العقد الاجتماعي الجديد، القائم على المواطنة الفاعلة والعدالة في توزيع الأعباء والثروات، والشفافية في إدارة المال العام.
وفي حال اقترن الإصلاح الضريبي بمكافحة الفساد، وتطوير الإدارة المالية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين الرقابة، فإن الإيرادات العامة يمكن أن تتحول من مجرد أداة للجباية إلى رافعة لتمويل إعادة الإعمار وتحفيز الاستثمار وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
في هذا السياق، تعمل الوزارة على حزمة من الإجراءات الإصلاحية لمكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الامتثال، كان آخرها قرار يستهدف ظاهرة الاستيراد عبر ما يُعرف بـ«المستورد الوهمي».
مكافحة «المستورد الوهمي»
وفي إطار الحد من الممارسات التي تؤدي إلى الإضرار بالإيرادات العامة، أصدر وزير المالية محمد يسر برنية القرار رقم 2327، بهدف مكافحة التهرب الضريبي المرتبط باستخدام مستوردين وهميين، وتعزيز النزاهة والشفافية في عمليات الاستيراد وحماية المال العام.
ويكشف مصدر خاص في وزارة المالية لـ«العين السورية» أن القرار يأتي استكمالاً لإجراءات اتخذتها الوزارة بالتعاون والتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، لمواجهة ظاهرة المستورد الوهمي وتعزيز الرقابة على عمليات الاستيراد.
وبحسب المصدر، ينص القرار على تحميل المخلصين الجمركيين مسؤولية التحقق من هوية المستورد الحقيقي، وترتيب المسؤولية القانونية بحق كل من يثبت تورطه في تنظيم بيانات جمركية لمستوردين وهميين أو المساهمة في إخفاء هوية المستورد الفعلي.
نحو نظام ضريبي أكثر عدالة
ويرى الخبير الاقتصادي مازن حواصلي، في حديث لـ«العين السورية»، أن سوريا، وبعد سنوات طويلة من الدمار والصراع، تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية على أسس متينة تضمن العدالة والاستقرار، معتبراً أن إصلاح النظام الضريبي يمثل إحدى الركائز الأساسية لإعادة الإعمار وبناء مستقبل أفضل.
ويشير حواصلي إلى أن التهرب الضريبي اتخذ خلال السنوات الماضية أشكالاً متعددة، بدءاً من عدم إصدار الفواتير في المعاملات التجارية، مروراً بالتلاعب بالبيانات المالية والإقرارات الضريبية، وصولاً إلى استغلال الثغرات الموجودة في التشريعات الضريبية، فضلاً عن الفساد الإداري وضعف الرقابة.
موارد مستقرة لإعادة الإعمار
ويؤكد حواصلي أن التهرب الضريبي ينعكس سلباً على قدرة الدولة في تمويل الخدمات العامة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى موارد مالية ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، من طرق ومستشفيات ومدارس ومرافق عامة.

ويرى أن وجود نظام ضريبي عادل وفعال يمكن أن يوفر للدولة تدفقاً مالياً مستقراً ودورياً، ويحد من الاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية أو الاقتراض لتمويل احتياجات البلاد.
تبسيط التشريعات وإصلاح نظام التسعير
ويدعو حواصلي إلى إعادة النظر في التشريعات الضريبية وتبسيطها وجعلها أكثر وضوحاً وشفافية، إلى جانب وضع نظام للعقوبات على التهرب الضريبي يكون رادعاً وفعالاً، وتعزيز استقلالية الإدارة الضريبية وتطوير بنيتها التحتية التقنية.
كما يشدد على ضرورة إصلاح نظام تسعير المواد الأساسية والتحويلات، والعمل على تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، خصوصاً أن المواطن السوري تحمل الجزء الأكبر من تبعات الحرب والأزمة الاقتصادية.
ويعتبر أن أصحاب الدخول المرتفعة والثروات الأكبر يجب أن يتحملوا حصة أكبر من أعباء إعادة الإعمار، من خلال نظام ضريبي تصاعدي، مقابل تخفيف الأعباء عن أصحاب الدخل المحدود والطبقة المتوسطة.
الضرائب كأداة لتحفيز الاستثمار ومكافحة الفساد
ويرى حواصلي أن النظام الضريبي المدروس لا ينبغي أن يقتصر دوره على تحصيل الإيرادات، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، عبر تقديم حوافز وإعفاءات مدروسة للأنشطة ذات الأولوية الاقتصادية.
ويؤكد في الوقت ذاته أن مكافحة الفساد تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح ضريبي، موضحاً أن نظاماً يقوم على الشفافية والوضوح والمساءلة يمكن أن يسهم في الحد من الاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي، ويقلل من فرص الفساد.
ضريبة موحدة على الدخل قريباً
وفي مؤشر على توجه الحكومة نحو إعادة صياغة السياسة الضريبية، يؤكد حواصلي قرب إصدار حزمة من القوانين الجديدة التي تصب في إطار الإصلاح الضريبي، مشيراً إلى أن البلاد باتت مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من السياسات الضريبية التي يفترض أن تكون أكثر عدالة وشفافية.
ويلفت إلى أن وزارة المالية ستطرح خلال الفترة المقبلة مشروع «الضريبة الموحدة على الدخل»، تمهيداً لفتح حوار عام بشأنه مع الجهات المعنية والجمهور، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إعداد القانون الجديد.
من «الجباية» إلى الشراكة الاقتصادية
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماني، في حديث لـ«العين السورية»، أن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمكن أن يشكل أحد المسارات المهمة في المرحلة المقبلة، لما قد توفره هذه الشراكة من فوائد، أبرزها الحد من الهدر في القطاع العام والاستفادة من الخبرات الإدارية التي يمتلكها القطاع الخاص.
ويشدد قضيماني على ضرورة الحفاظ على الدور الرقابي للدولة، ولا سيما في ما يتعلق بضبط الأسعار وضمان توافر المنتجات الأساسية في الأسواق، معتبراً أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمكن أن تساعد الدولة على تجاوز نموذج «الجباية» التقليدي، وحماية القطاع العام من الخسائر التي كانت سمة بارزة في المرحلة السابقة.
ويقترح أن تأخذ هذه الشراكة مستقبلاً شكل شركات قابضة يديرها القطاع الخاص، مع مساهمة رمزية للدولة، مقابل تقديم التسهيلات والحصول على نسب من الأرباح.
إنهاء ثقافة الرشوة والمحسوبيات
وفي ما يتعلق بإمكانية زيادة الإيرادات الحكومية بالتوازي مع تخفيف العبء الضريبي عن المواطنين، يرى قضيماني أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب توافر مجموعة من الشروط، وفي مقدمتها، بحسب تعبيره، «انتهاء ثقافة الرشوة والمحسوبيات».
ويضيف أن ضبط النشاط الاقتصادي من شأنه أن يعزز قدرة الدولة على تأمين مواردها، مشيراً إلى امتلاك سوريا ثروات باطنية يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء المالية، إلى جانب إمكانية الاستفادة من الشراكات الاقتصادية مع دول أخرى، بما في ذلك المشاريع المرتبطة بخطوط الغاز والنفط وعائداتها.
ويخلص قضيماني إلى أن الحكومة مطالبة بالبحث عن مصادر متنوعة لزيادة الإيرادات، وعدم حصرها ضمن الإيرادات الضريبية أو الرسوم التقليدية.
نظام ضريبي جديد.. حاجة وضرورة
إن بناء نظام ضريبي عادل في سوريا بعد التحرير لا يمثل خياراً اقتصادياً فحسب، بل يتجاوز ذلك ليصبح حاجة سياسية واجتماعية وضرورة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
فالنظام الضريبي العادل والشامل يمكن أن يشكل أحد أعمدة العقد الاجتماعي الجديد، القائم على المواطنة الفاعلة والعدالة في توزيع الأعباء والثروات، والشفافية في إدارة المال العام.
وفي حال اقترن الإصلاح الضريبي بمكافحة الفساد، وتطوير الإدارة المالية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين الرقابة، فإن الإيرادات العامة يمكن أن تتحول من مجرد أداة للجباية إلى رافعة لتمويل إعادة الإعمار وتحفيز الاستثمار وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.


