سوريا - محليات
محاكم الحسكة مغلقة والقضاء غائب.. من يحمي حقوق المواطنين؟
متى تنتهي مرحلة الانتظار؟ حقوق معلّقة في الحسكة.. القضاء غائب ومواطنون ينتظرون بلا موعد
أ
أحمد العجور
نشر في: ٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٢:٥١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
بين تقدم تعلنه الجهات الرسمية في عملية دمج مؤسسات الدولة بمحافظة الحسكة، وانتظار مواطنين لخدمات تمس حقوقهم مباشرة، من القضاء والأحوال المدنية إلى السجلات العقارية، لا تزال المرحلة الانتقالية تفرض أسئلة عملية: أين ينجز المواطن معاملته اليوم؟ وكيف تُحمى حقوقه إلى حين استكمال عمل المؤسسات؟
مواطنون تحدثوا لـ«العين السورية» يقولون إن تأخر تفعيل بعض المؤسسات الأساسية لم يعد بالنسبة إليهم مسألة إدارية مرتبطة بمسار الدمج فحسب، بل بات ينعكس على معاملات يومية، بينها تسجيل الأطفال وتثبيت الزواج وحصر الإرث ونقل ملكية العقارات وتسوية النزاعات المدنية.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن عملية الدمج انتقلت إلى التنفيذ العملي، وأن بعض المؤسسات تحتاج إلى وقت إضافي بسبب حساسية ملفاتها ومتطلبات استعادة الوثائق والسجلات والكوادر، من دون تحديد موعد نهائي لاستكمال عمل جميع المؤسسات.
معاملة عقارية تنتظر القضاء
بالنسبة إلى محمد علي، وهو من أبناء محافظة الحسكة ويعمل في مجال الصناعة، لا يبدو تأخر تفعيل القضاء مسألة نظرية، بل يرتبط مباشرة بملكية عقار اشتراه وينتظر استكمال إجراءات نقله إلى اسمه.
يقول محمد إنه اشترى محلًا ويريد نقل ملكيته من اسم البائع إلى اسمه، لكن إنجاز المعاملة، بحسب قوله، يحتاج إلى إجراءات قضائية تشمل الشهود والتبصيم.
ويخشى أن يؤدي استمرار التأخير إلى تعقيد المعاملة في حال وفاة صاحب العقار ودخول الورثة طرفًا فيها.
ويقول لـ«العين السورية»: «أنا مشتري هالمحل، وإذا صاحب هذا المحل توفى، أدخل بمسألة أخرى هي ورثة وما ورثة».
بالنسبة لمحمد، لا يتعلق الأمر بإنجاز معاملة متأخرة فقط، بل بحماية ملكية اشتراها بالفعل، ولذلك يرى أن حسم ملف القضاء أصبح ضرورة بالنسبة إلى أصحاب الحقوق والمعاملات المعلقة.
ولا تتوقف مطالبته عند القضاء، إذ يضع الأحوال المدنية والنفوس ضمن الأولويات، مشيرًا إلى ما يصفه بوجود أعداد كبيرة من الأطفال غير المسجلين في بعض قرى المحافظة.
ويقدّر محمد، استنادًا إلى معرفته بالمنطقة، نسبة الأطفال غير المسجلين في بعض القرى بنحو 60 إلى 70 بالمئة، إلا أن «العين السورية» لا تتعامل مع هذه النسبة بوصفها رقمًا إحصائيًا مثبتًا في غياب بيانات رسمية تحدد حجم المشكلة.
طفل بلا تسجيل.. والسفر ليس متاحًا للجميع
مازن عساف، مدرس متقاعد من محافظة الحسكة، يربط تأخر عمل الأحوال المدنية بمشكلة يقول إنها امتدت لسنوات، وظهرت بصورة خاصة في ملف تسجيل الأطفال.
ويقول عساف إن المشكلة انعكست سابقًا على عمله في التعليم، مشيرًا إلى وجود أطفال لم تُستكمل إجراءات تسجيلهم في الأحوال المدنية منذ سنوات.
وبحسب عساف، تمكن بعض المواطنين من السفر إلى دمشق لإنجاز معاملات تسجيل أبنائهم أو أوراق أخرى، إلا أن هذا الحل لا يبدو متاحًا للجميع، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف السفر والإقامة.
ويقول: «في ناس سجلت ابنه وراحت، وضعه مقتدر ماديًا شوي، قدر يسافر إلى الشام ويسجل أولاده، بس في ناس ما عندها أجار، ما يقدر يروح إلى الشام حتى يسجل أولاده أو يقضيها ورقياته».
وتكشف هذه الشهادة جانبًا إضافيًا من المشكلة؛ فحين لا تتوفر الخدمة محليًا، يصبح الوصول إليها مرتبطًا أيضًا بالقدرة المادية على الانتقال إلى محافظة أخرى.
القضاء.. أين تذهب الخصومات؟
لا يحصر عساف مشكلة القضاء في المعاملات العقارية، بل يطرح تساؤلات حول مصير الدعاوى والنزاعات والقضايا التي تحتاج إلى مسار قضائي.
ويشير إلى معاملات الزواج ودفاتر العائلة وحصر الإرث والعقارات والنزاعات المدنية، باعتبارها ملفات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تسجيلها ومعالجتها.
ويقول: «في خلافات مدنية كثير بالحسكة بسبب العقارات، ما في محكمة تحل بيناتهم، يجون لشو؟ وين يروحون؟».
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: كيف تُدار حقوق المواطنين خلال فترة لم تستعد فيها المؤسسات القضائية والأحوال المدنية كامل قدرتها على تقديم الخدمات؟
وإذا كانت عملية الدمج تحتاج إلى وقت لاستكمال الكوادر والسجلات والمقرات والتجهيزات، فما الآليات المؤقتة التي تضمن عدم ضياع حقوق المواطنين خلال هذه المرحلة؟
الحكومة: الدمج دخل مرحلة التنفيذ
في رد حصلت عليه «العين السورية»، قال أحمد الهلالي، نائب محافظ الحسكة والناطق الإعلامي للفريق الرئاسي المكلف بمتابعة ملف الدمج، إن عملية دمج مؤسسات الدولة في المحافظة قطعت مراحل متقدمة، وانتقلت من التفاهمات العامة إلى التنفيذ العملي على الأرض.

وأوضح أن العمل يتركز حاليًا على إعادة تثبيت مؤسسات الدولة في مختلف القطاعات وتنظيم عملها وفق القوانين والأنظمة النافذة، بالتوازي مع استكمال ترتيبات الموظفين والكوادر والملفات الموجودة في المؤسسات السابقة.
وأكد الهلالي أن مبدأ عودة مؤسسات الدولة لم يعد موضع نقاش، وأن المسار يتمثل في توحيد المرجعية الإدارية والقانونية والخدمية في المحافظة ضمن مؤسسات الجمهورية العربية السورية.
وأشار إلى أن عددًا من المؤسسات والقطاعات عاد إلى العمل أو قطع شوطًا متقدمًا في الدمج، ولا سيما في الإدارة المحلية والخدمات والتربية وبعض المؤسسات الخدمية والأمنية.
في المقابل، أوضح أن بعض المؤسسات ما تزال بحاجة إلى استكمال إجراءاتها الفنية والإدارية، ومن أبرزها ملفات مرتبطة بالقضاء والسجلات العقارية والنقل، إلى جانب ملفات تتطلب نقل الوثائق وأرشفة البيانات وتنظيم أوضاع العاملين وتحديد الصلاحيات والمرجعيات بصورة نهائية.
وبحسب الهلالي، لا يرتبط التأخير في بعض القطاعات بعائق سياسي يتعلق بمبدأ عودة الدولة، وإنما بطبيعة المؤسسات وحساسية الملفات الموجودة فيها، ولا سيما القضاء والشؤون المدنية، لما تتضمنه من وثائق وحقوق قانونية وملكيات وأحكام وملفات تحتاج إلى الحصر والتأمين والتدقيق وإعادة الربط بالجهات المختصة وفق الأصول القانونية.
لا موعد نهائي لكل مؤسسة
وعن الجدول الزمني، قال الهلالي إن هناك خطة تنفيذية مرحلية يجري العمل عليها، لكنه اعتبر أنه من غير المسؤول إعطاء المواطنين تاريخًا محددًا لكل مؤسسة قبل استكمال متطلباتها الفنية والقانونية.
وأوضح أن المبدأ يقوم على تفعيل كل مؤسسة فور استكمال شروط تشغيلها وتأمين سلامة ملفاتها وحقوق المواطنين فيها، مشيرًا إلى أن بعض القطاعات ستكون أسرع من غيرها، فيما تحتاج المؤسسات ذات الطبيعة القضائية والعقارية إلى وقت إضافي بسبب حجم الوثائق وحساسية الحقوق المرتبطة بها.
وفيما يتعلق بالقضاء، أكد الهلالي أن الملف من أكثر الملفات التي يجري التعامل معها بحساسية لارتباطه المباشر بحقوق المواطنين.
وأوضح أن العمل يجري على إعادة تفعيل المنظومة القضائية بصورة نظامية، وتأمين المقرات والكوادر والوثائق والسجلات وربطها بالجهات القضائية المركزية وفق الأصول.
وأضاف أن التشغيل الكامل والنهائي للمحاكم والدوائر القضائية في المحافظة يرتبط باستكمال هذه المتطلبات، ولذلك لا تريد الجهات المعنية إعلان اكتمال الملف قبل أن يصبح قادرًا فعليًا على تقديم الخدمة القضائية بصورة منتظمة.
السجلات العقارية.. حماية الوثائق أولاً
وفي ملف السجلات العقارية، أكد الهلالي أن العمل يتركز على حصر الوثائق والسجلات وتأمينها والحفاظ عليها، والتأكد من عدم ضياع أي وثيقة يمكن أن تمس حقاً من حقوق المواطنين.
وأشار إلى أن دائرة المصالح العقارية بدأت تقديم خدماتها جزئيًا، بالتوازي مع تنظيم البيانات وأرشفتها وربطها بالمؤسسات المختصة، وإجراء عمليات التدقيق والمطابقة عند الحاجة.
وأكد أن الوثائق المتعلقة بهذه الملفات تُعامل باعتبارها ملكاً للدولة ومرتبطة بحقوق المواطنين، وليست ملكًا لأي جهة سياسية أو إدارية سابقة.
وبحسب الرد الحكومي، فإن الملفات السابقة التي تتضمن حقوقاً أو التزامات قانونية لا تُلغى لمجرد انتقال الإدارة أو إعادة تنظيم المؤسسة، وإنما يجري التعامل معها وفق القواعد القانونية بعد التحقق من سلامتها ومطابقتها، على أن تكون المرجعية النهائية للجهات القضائية والإدارية المختصة في الدولة.
كيف تُحمى الحقوق خلال الانتقال؟
وفيما يتعلق بالملفات التي تحتاج إلى قضاء أو تنفيذ قرارات قضائية، قال الهلالي إن المبدأ الأساسي هو ألا يُترك المواطن بلا مرجعية قانونية، وألا يُنفذ أي إجراء خارج الأطر القانونية للدولة.
وأوضح أن العمل يجري على تنظيم هذه الملفات وحصرها وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة فور استكمال عملها، مع الحفاظ على الوثائق والقرارات السابقة وعدم السماح بضياع حقوق أصحابها نتيجة المرحلة الانتقالية.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من العمل الحالي إداري وفني، ويتعلق بالموظفين والبيانات والوثائق والصلاحيات وآليات الربط بين المؤسسات.
وأكد أن المرجعية النهائية هي مؤسسات الدولة والقانون السوري، وأن العمل الجاري يستهدف معالجة تفاصيل الانتقال من واقع إداري سابق إلى مؤسسات الدولة، بما يضمن عدم حدوث فراغ إداري أو خدمي، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الموظفين والمواطنين.
ويرى الهلالي أن المرحلة الانتقالية لا تُقاس بتاريخ واحد يُعلن فيه انتهاء كل شيء، وإنما بما يتحقق على الأرض، معتبرًا أن قدرة المواطن على مراجعة القضاء واستخراج وثيقته العقارية وتسجيل مركبته والحصول على خدماته ومراجعة مؤسسات الدولة المختلفة من دون وجود مرجعية موازية، تمثل جوهر عملية الدمج.
إعلام الحسكة: الجاهزية تختلف بين المؤسسات
بدوره، قال نوار رهاوي، مدير مديرية إعلام الحسكة، ردًا على أسئلة «العين السورية»، إن عملية توحيد المؤسسات وإعادة تفعيلها تشهد تقدمًا، لكن درجة التفعيل تختلف بين مؤسسة وأخرى.
وأوضح أن بعض الجهات ما تزال بحاجة إلى استكمال إجراءات تتعلق بالكوادر والسجلات والمقرات والتجهيزات والجوانب القانونية والإدارية، مشيرًا إلى أن التأخير في بعض الملفات يرتبط بتعدد الإجراءات والحاجة إلى التنسيق بين الجهات المحلية والوزارات المركزية واللجان المختصة.

وبالنسبة إلى القضاء، قال رهاوي إن ملف الوثائق والسجلات القضائية حساس، وإن الجهات المختصة تعمل على دراسة السجلات الموجودة وتحديد ما فُقد منها أو تعرض للتلف، بالتوازي مع العمل على إعادة بناء الملفات بالاستناد إلى النسخ والقيود الموجودة لدى الجهات الرسمية أو الأطراف ذات الصلة.
وأوضح أن المديرية لا ترغب في الإعلان عن مواعيد غير نهائية، وأن تحديد موعد عودة أي مؤسسة يرتبط بالجهة الوزارية أو القضائية المختصة ومدى جاهزية الكادر والمقر والتجهيزات والسجلات.
وأكد أن مديرية الإعلام ليست جهة تنفيذية مسؤولة عن تحديد الوضع الإداري لكل مؤسسة، وإنما تنقل المعلومات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة.
أرشيف قيد إعادة البناء
حديث رهاوي عن وجود سجلات قضائية فُقدت أو تعرضت للتلف يفتح جانبًا آخر من الملف، يتعلق بكيفية إعادة بناء الأرشيف وحماية الحقوق المرتبطة به.
فإعادة بناء الملفات بالاستناد إلى النسخ والقيود المتوفرة تطرح أسئلة حول حجم الملفات التي تحتاج إلى هذه العملية، وأماكن وجود النسخ البديلة، وآليات التحقق من مطابقة المعلومات، وكيفية حماية حقوق أصحاب الملفات التي قد لا تتوفر لها نسخ.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الملفات العقارية والقضائية، حيث يمكن لوثيقة أو قيد واحد أن يرتبط بحقوق مالية وملكية أو نزاعات بين أطراف متعددة.
من الدمج الإداري إلى اختبار الخدمة
بالنسبة إلى المواطنين الذين تحدثت إليهم «العين السورية»، لا تُقاس عملية الدمج بالترتيبات الإدارية وحدها.
محمد ينتظر نقل ملكية محل اشتراه، ومازن يتحدث عن أطفال لم تُستكمل إجراءات تسجيلهم، وعن أسر لا تستطيع تحمل تكلفة السفر لإنجاز معاملاتها، ونزاعات مدنية وعقارية تنتظر قضاءً قادرًا على النظر فيها.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الدمج دخل مرحلة التنفيذ العملي، وأن العمل مستمر على تفعيل المؤسسات وتأمين الوثائق والسجلات وحماية حقوق المواطنين، مع الإقرار بأن بعض المؤسسات تحتاج إلى وقت إضافي بسبب طبيعة ملفاتها وحساسيتها.
لكن موعدًا نهائيًا لعودة جميع المؤسسات إلى كامل طاقتها التشغيلية لم يُحدد بعد.
وبين تقدم العملية رسميًا واستكمالها عمليًا، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطن: أين ينجز معاملته خلال فترة الانتظار، ومتى تصبح المؤسسة المعنية قادرة فعليًا على تقديم الخدمة، وما الآلية التي تحمي حقه حتى ذلك الحين؟
فنجاح عملية الدمج في الحسكة لن يُقاس بإعادة فتح المقرات وحدها، وإنما بقدرة المواطن على تسجيل ابنه، وتثبيت زواجه، وإنجاز حصر إرثه، ونقل ملكيته، وتسجيل دعواه والوصول إلى قضاء قادر على النظر في نزاعه، ضمن مؤسسات واضحة المرجعية وقادرة على تقديم الخدمة.
بين تقدم تعلنه الجهات الرسمية في عملية دمج مؤسسات الدولة بمحافظة الحسكة، وانتظار مواطنين لخدمات تمس حقوقهم مباشرة، من القضاء والأحوال المدنية إلى السجلات العقارية، لا تزال المرحلة الانتقالية تفرض أسئلة عملية: أين ينجز المواطن معاملته اليوم؟ وكيف تُحمى حقوقه إلى حين استكمال عمل المؤسسات؟
مواطنون تحدثوا لـ«العين السورية» يقولون إن تأخر تفعيل بعض المؤسسات الأساسية لم يعد بالنسبة إليهم مسألة إدارية مرتبطة بمسار الدمج فحسب، بل بات ينعكس على معاملات يومية، بينها تسجيل الأطفال وتثبيت الزواج وحصر الإرث ونقل ملكية العقارات وتسوية النزاعات المدنية.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن عملية الدمج انتقلت إلى التنفيذ العملي، وأن بعض المؤسسات تحتاج إلى وقت إضافي بسبب حساسية ملفاتها ومتطلبات استعادة الوثائق والسجلات والكوادر، من دون تحديد موعد نهائي لاستكمال عمل جميع المؤسسات.
معاملة عقارية تنتظر القضاء
بالنسبة إلى محمد علي، وهو من أبناء محافظة الحسكة ويعمل في مجال الصناعة، لا يبدو تأخر تفعيل القضاء مسألة نظرية، بل يرتبط مباشرة بملكية عقار اشتراه وينتظر استكمال إجراءات نقله إلى اسمه.
يقول محمد إنه اشترى محلًا ويريد نقل ملكيته من اسم البائع إلى اسمه، لكن إنجاز المعاملة، بحسب قوله، يحتاج إلى إجراءات قضائية تشمل الشهود والتبصيم.
ويخشى أن يؤدي استمرار التأخير إلى تعقيد المعاملة في حال وفاة صاحب العقار ودخول الورثة طرفًا فيها.
ويقول لـ«العين السورية»: «أنا مشتري هالمحل، وإذا صاحب هذا المحل توفى، أدخل بمسألة أخرى هي ورثة وما ورثة».
بالنسبة لمحمد، لا يتعلق الأمر بإنجاز معاملة متأخرة فقط، بل بحماية ملكية اشتراها بالفعل، ولذلك يرى أن حسم ملف القضاء أصبح ضرورة بالنسبة إلى أصحاب الحقوق والمعاملات المعلقة.
ولا تتوقف مطالبته عند القضاء، إذ يضع الأحوال المدنية والنفوس ضمن الأولويات، مشيرًا إلى ما يصفه بوجود أعداد كبيرة من الأطفال غير المسجلين في بعض قرى المحافظة.
ويقدّر محمد، استنادًا إلى معرفته بالمنطقة، نسبة الأطفال غير المسجلين في بعض القرى بنحو 60 إلى 70 بالمئة، إلا أن «العين السورية» لا تتعامل مع هذه النسبة بوصفها رقمًا إحصائيًا مثبتًا في غياب بيانات رسمية تحدد حجم المشكلة.
طفل بلا تسجيل.. والسفر ليس متاحًا للجميع
مازن عساف، مدرس متقاعد من محافظة الحسكة، يربط تأخر عمل الأحوال المدنية بمشكلة يقول إنها امتدت لسنوات، وظهرت بصورة خاصة في ملف تسجيل الأطفال.
ويقول عساف إن المشكلة انعكست سابقًا على عمله في التعليم، مشيرًا إلى وجود أطفال لم تُستكمل إجراءات تسجيلهم في الأحوال المدنية منذ سنوات.
وبحسب عساف، تمكن بعض المواطنين من السفر إلى دمشق لإنجاز معاملات تسجيل أبنائهم أو أوراق أخرى، إلا أن هذا الحل لا يبدو متاحًا للجميع، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف السفر والإقامة.
ويقول: «في ناس سجلت ابنه وراحت، وضعه مقتدر ماديًا شوي، قدر يسافر إلى الشام ويسجل أولاده، بس في ناس ما عندها أجار، ما يقدر يروح إلى الشام حتى يسجل أولاده أو يقضيها ورقياته».
وتكشف هذه الشهادة جانبًا إضافيًا من المشكلة؛ فحين لا تتوفر الخدمة محليًا، يصبح الوصول إليها مرتبطًا أيضًا بالقدرة المادية على الانتقال إلى محافظة أخرى.
القضاء.. أين تذهب الخصومات؟
لا يحصر عساف مشكلة القضاء في المعاملات العقارية، بل يطرح تساؤلات حول مصير الدعاوى والنزاعات والقضايا التي تحتاج إلى مسار قضائي.
ويشير إلى معاملات الزواج ودفاتر العائلة وحصر الإرث والعقارات والنزاعات المدنية، باعتبارها ملفات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تسجيلها ومعالجتها.
ويقول: «في خلافات مدنية كثير بالحسكة بسبب العقارات، ما في محكمة تحل بيناتهم، يجون لشو؟ وين يروحون؟».
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: كيف تُدار حقوق المواطنين خلال فترة لم تستعد فيها المؤسسات القضائية والأحوال المدنية كامل قدرتها على تقديم الخدمات؟
وإذا كانت عملية الدمج تحتاج إلى وقت لاستكمال الكوادر والسجلات والمقرات والتجهيزات، فما الآليات المؤقتة التي تضمن عدم ضياع حقوق المواطنين خلال هذه المرحلة؟
الحكومة: الدمج دخل مرحلة التنفيذ
في رد حصلت عليه «العين السورية»، قال أحمد الهلالي، نائب محافظ الحسكة والناطق الإعلامي للفريق الرئاسي المكلف بمتابعة ملف الدمج، إن عملية دمج مؤسسات الدولة في المحافظة قطعت مراحل متقدمة، وانتقلت من التفاهمات العامة إلى التنفيذ العملي على الأرض.

وأوضح أن العمل يتركز حاليًا على إعادة تثبيت مؤسسات الدولة في مختلف القطاعات وتنظيم عملها وفق القوانين والأنظمة النافذة، بالتوازي مع استكمال ترتيبات الموظفين والكوادر والملفات الموجودة في المؤسسات السابقة.
وأكد الهلالي أن مبدأ عودة مؤسسات الدولة لم يعد موضع نقاش، وأن المسار يتمثل في توحيد المرجعية الإدارية والقانونية والخدمية في المحافظة ضمن مؤسسات الجمهورية العربية السورية.
وأشار إلى أن عددًا من المؤسسات والقطاعات عاد إلى العمل أو قطع شوطًا متقدمًا في الدمج، ولا سيما في الإدارة المحلية والخدمات والتربية وبعض المؤسسات الخدمية والأمنية.
في المقابل، أوضح أن بعض المؤسسات ما تزال بحاجة إلى استكمال إجراءاتها الفنية والإدارية، ومن أبرزها ملفات مرتبطة بالقضاء والسجلات العقارية والنقل، إلى جانب ملفات تتطلب نقل الوثائق وأرشفة البيانات وتنظيم أوضاع العاملين وتحديد الصلاحيات والمرجعيات بصورة نهائية.
وبحسب الهلالي، لا يرتبط التأخير في بعض القطاعات بعائق سياسي يتعلق بمبدأ عودة الدولة، وإنما بطبيعة المؤسسات وحساسية الملفات الموجودة فيها، ولا سيما القضاء والشؤون المدنية، لما تتضمنه من وثائق وحقوق قانونية وملكيات وأحكام وملفات تحتاج إلى الحصر والتأمين والتدقيق وإعادة الربط بالجهات المختصة وفق الأصول القانونية.
لا موعد نهائي لكل مؤسسة
وعن الجدول الزمني، قال الهلالي إن هناك خطة تنفيذية مرحلية يجري العمل عليها، لكنه اعتبر أنه من غير المسؤول إعطاء المواطنين تاريخًا محددًا لكل مؤسسة قبل استكمال متطلباتها الفنية والقانونية.
وأوضح أن المبدأ يقوم على تفعيل كل مؤسسة فور استكمال شروط تشغيلها وتأمين سلامة ملفاتها وحقوق المواطنين فيها، مشيرًا إلى أن بعض القطاعات ستكون أسرع من غيرها، فيما تحتاج المؤسسات ذات الطبيعة القضائية والعقارية إلى وقت إضافي بسبب حجم الوثائق وحساسية الحقوق المرتبطة بها.
وفيما يتعلق بالقضاء، أكد الهلالي أن الملف من أكثر الملفات التي يجري التعامل معها بحساسية لارتباطه المباشر بحقوق المواطنين.
وأوضح أن العمل يجري على إعادة تفعيل المنظومة القضائية بصورة نظامية، وتأمين المقرات والكوادر والوثائق والسجلات وربطها بالجهات القضائية المركزية وفق الأصول.
وأضاف أن التشغيل الكامل والنهائي للمحاكم والدوائر القضائية في المحافظة يرتبط باستكمال هذه المتطلبات، ولذلك لا تريد الجهات المعنية إعلان اكتمال الملف قبل أن يصبح قادرًا فعليًا على تقديم الخدمة القضائية بصورة منتظمة.
السجلات العقارية.. حماية الوثائق أولاً
وفي ملف السجلات العقارية، أكد الهلالي أن العمل يتركز على حصر الوثائق والسجلات وتأمينها والحفاظ عليها، والتأكد من عدم ضياع أي وثيقة يمكن أن تمس حقاً من حقوق المواطنين.
وأشار إلى أن دائرة المصالح العقارية بدأت تقديم خدماتها جزئيًا، بالتوازي مع تنظيم البيانات وأرشفتها وربطها بالمؤسسات المختصة، وإجراء عمليات التدقيق والمطابقة عند الحاجة.
وأكد أن الوثائق المتعلقة بهذه الملفات تُعامل باعتبارها ملكاً للدولة ومرتبطة بحقوق المواطنين، وليست ملكًا لأي جهة سياسية أو إدارية سابقة.
وبحسب الرد الحكومي، فإن الملفات السابقة التي تتضمن حقوقاً أو التزامات قانونية لا تُلغى لمجرد انتقال الإدارة أو إعادة تنظيم المؤسسة، وإنما يجري التعامل معها وفق القواعد القانونية بعد التحقق من سلامتها ومطابقتها، على أن تكون المرجعية النهائية للجهات القضائية والإدارية المختصة في الدولة.
كيف تُحمى الحقوق خلال الانتقال؟
وفيما يتعلق بالملفات التي تحتاج إلى قضاء أو تنفيذ قرارات قضائية، قال الهلالي إن المبدأ الأساسي هو ألا يُترك المواطن بلا مرجعية قانونية، وألا يُنفذ أي إجراء خارج الأطر القانونية للدولة.
وأوضح أن العمل يجري على تنظيم هذه الملفات وحصرها وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة فور استكمال عملها، مع الحفاظ على الوثائق والقرارات السابقة وعدم السماح بضياع حقوق أصحابها نتيجة المرحلة الانتقالية.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من العمل الحالي إداري وفني، ويتعلق بالموظفين والبيانات والوثائق والصلاحيات وآليات الربط بين المؤسسات.
وأكد أن المرجعية النهائية هي مؤسسات الدولة والقانون السوري، وأن العمل الجاري يستهدف معالجة تفاصيل الانتقال من واقع إداري سابق إلى مؤسسات الدولة، بما يضمن عدم حدوث فراغ إداري أو خدمي، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الموظفين والمواطنين.
ويرى الهلالي أن المرحلة الانتقالية لا تُقاس بتاريخ واحد يُعلن فيه انتهاء كل شيء، وإنما بما يتحقق على الأرض، معتبرًا أن قدرة المواطن على مراجعة القضاء واستخراج وثيقته العقارية وتسجيل مركبته والحصول على خدماته ومراجعة مؤسسات الدولة المختلفة من دون وجود مرجعية موازية، تمثل جوهر عملية الدمج.
إعلام الحسكة: الجاهزية تختلف بين المؤسسات
بدوره، قال نوار رهاوي، مدير مديرية إعلام الحسكة، ردًا على أسئلة «العين السورية»، إن عملية توحيد المؤسسات وإعادة تفعيلها تشهد تقدمًا، لكن درجة التفعيل تختلف بين مؤسسة وأخرى.
وأوضح أن بعض الجهات ما تزال بحاجة إلى استكمال إجراءات تتعلق بالكوادر والسجلات والمقرات والتجهيزات والجوانب القانونية والإدارية، مشيرًا إلى أن التأخير في بعض الملفات يرتبط بتعدد الإجراءات والحاجة إلى التنسيق بين الجهات المحلية والوزارات المركزية واللجان المختصة.

وبالنسبة إلى القضاء، قال رهاوي إن ملف الوثائق والسجلات القضائية حساس، وإن الجهات المختصة تعمل على دراسة السجلات الموجودة وتحديد ما فُقد منها أو تعرض للتلف، بالتوازي مع العمل على إعادة بناء الملفات بالاستناد إلى النسخ والقيود الموجودة لدى الجهات الرسمية أو الأطراف ذات الصلة.
وأوضح أن المديرية لا ترغب في الإعلان عن مواعيد غير نهائية، وأن تحديد موعد عودة أي مؤسسة يرتبط بالجهة الوزارية أو القضائية المختصة ومدى جاهزية الكادر والمقر والتجهيزات والسجلات.
وأكد أن مديرية الإعلام ليست جهة تنفيذية مسؤولة عن تحديد الوضع الإداري لكل مؤسسة، وإنما تنقل المعلومات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة.
أرشيف قيد إعادة البناء
حديث رهاوي عن وجود سجلات قضائية فُقدت أو تعرضت للتلف يفتح جانبًا آخر من الملف، يتعلق بكيفية إعادة بناء الأرشيف وحماية الحقوق المرتبطة به.
فإعادة بناء الملفات بالاستناد إلى النسخ والقيود المتوفرة تطرح أسئلة حول حجم الملفات التي تحتاج إلى هذه العملية، وأماكن وجود النسخ البديلة، وآليات التحقق من مطابقة المعلومات، وكيفية حماية حقوق أصحاب الملفات التي قد لا تتوفر لها نسخ.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الملفات العقارية والقضائية، حيث يمكن لوثيقة أو قيد واحد أن يرتبط بحقوق مالية وملكية أو نزاعات بين أطراف متعددة.
من الدمج الإداري إلى اختبار الخدمة
بالنسبة إلى المواطنين الذين تحدثت إليهم «العين السورية»، لا تُقاس عملية الدمج بالترتيبات الإدارية وحدها.
محمد ينتظر نقل ملكية محل اشتراه، ومازن يتحدث عن أطفال لم تُستكمل إجراءات تسجيلهم، وعن أسر لا تستطيع تحمل تكلفة السفر لإنجاز معاملاتها، ونزاعات مدنية وعقارية تنتظر قضاءً قادرًا على النظر فيها.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الدمج دخل مرحلة التنفيذ العملي، وأن العمل مستمر على تفعيل المؤسسات وتأمين الوثائق والسجلات وحماية حقوق المواطنين، مع الإقرار بأن بعض المؤسسات تحتاج إلى وقت إضافي بسبب طبيعة ملفاتها وحساسيتها.
لكن موعدًا نهائيًا لعودة جميع المؤسسات إلى كامل طاقتها التشغيلية لم يُحدد بعد.
وبين تقدم العملية رسميًا واستكمالها عمليًا، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطن: أين ينجز معاملته خلال فترة الانتظار، ومتى تصبح المؤسسة المعنية قادرة فعليًا على تقديم الخدمة، وما الآلية التي تحمي حقه حتى ذلك الحين؟
فنجاح عملية الدمج في الحسكة لن يُقاس بإعادة فتح المقرات وحدها، وإنما بقدرة المواطن على تسجيل ابنه، وتثبيت زواجه، وإنجاز حصر إرثه، ونقل ملكيته، وتسجيل دعواه والوصول إلى قضاء قادر على النظر في نزاعه، ضمن مؤسسات واضحة المرجعية وقادرة على تقديم الخدمة.


