سوريا - اقتصاد
جدل حول السلفة الضريبية في سوريا.. تعديلات لم تمنع التحفظات
ن
نورا حربا
نشر في: ٣ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٣٢
3 دقيقة
36

أصدر وزير المالية محمد يسر برنية، منذ أيام، قراراً يقضي بإدخال تعديلات على القرار رقم 637 تاريخ 29 نيسان لعام 2026، بشأن استيفاء السلفة الضريبية، تم بموجبه تخفيض السلفة على المستوردين لمدخلات الإنتاج الصناعي والمواد الغذائية إلى 1%، وذلك بما يخدم مصلحة الاقتصاد، ويدعم قطاع الأعمال.
تحرير السيولة
يُصنّف رجل الأعمال ونائب رئيس المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية محمود الذرعاوي التعديل الذي أصدره وزير المالية على القرار رقم 637 ، كخطوة إيجابية مقارنة بالقرار السابق، خصوصاً من خلال تخفيض السلفة الضريبية على مدخلات الإنتاج الصناعي والمواد الغذائية إلى 1%، إضافة إلى إعفاء بعض الشحنات الصغيرة من هذه السلفة.
واعتبر الذرعاوي في حديث لـ " العين السورية"، أن الإيجابية الأساسية للقرار تكمن في تخفيف الضغط على السيولة لدى المستوردين والصناعيين، فالمستورد لم يعد مضطراً إلى تجميد نسبة أكبر من أمواله لدى الدولة إلى حين إجراء التسوية الضريبية النهائية، وهذا يساعد على تحسين حركة السيولة داخل المنشآت الصناعية والتجارية، ويخفف جزءاً من الأعباء التمويلية المرتبطة بالاستيراد.
تحفّظات على المبدأ
لكن في الوقت نفسه، والكلام للذرعاوي يجب الاعتراف بأن أثر هذا التخفيض سيبقى محدوداً نسبياً، ولن يشكل تحولاً جذرياً في بيئة الأعمال أو تكلفة الإنتاج، وإن كان يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.
وقال: أما من حيث المبدأ، فأنا ما زلت أرى أن فكرة السلفة الضريبية المسبقة ليست الحل الأمثل اقتصادياً. فالضريبة في الأصل يجب أن تُفرض على الأرباح الفعلية بعد تحققها، وليس قبل ذلك. كما أن نظام السلف المسبقة يخلق أعباء إدارية إضافية على الدولة والقطاع الخاص معاً، من خلال مطابقة البيانات ومراجعة الملفات والتسويات اللاحقة وإدارة الفروقات المالية.
كما تبرز تساؤلات مشروعة حول الحالات التي يدفع فيها المكلف سلفة تفوق الضريبة المستحقة فعلياً، أو في حال لم تحقق الشركة أرباحاً كافية. فهل ستتم إعادة هذه الأموال بسرعة وكفاءة؟ وهل ستنعكس هذه الإجراءات إيجاباً على ثقة المستثمرين بالإدارة الضريبية؟ هذه أسئلة مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار.
نظرة مختلفة
من الناحية العملية، يُلفت الذرعاوي إلى أن كثير من التجار والصناعيين لا ينظرون إلى هذه السلفة باعتبارها دفعة مؤقتة على حساب الضريبة المستقبلية، بل يتعاملون معها باعتبارها تكلفة إضافية مرتبطة بعملية الاستيراد، وهو ما يؤثر على حساباتهم الاقتصادية ويضعف جاذبية الاستثمار لذلك أرى أن هذه الخطوة إيجابية في ظل الظروف الحالية التي تمر بها سوريا، وربما تكون مقبولة كحل مرحلي ومؤقت، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى سياسة دائمة.
نظام ضريبي شفاف
وأوضح إن المرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو بناء نظام ضريبي أكثر حداثة وشفافية، يقوم على الفوترة الإلكترونية والربط الرقمي والتدقيق الفعلي في النشاط الاقتصادي، بحيث تُحصّل الضريبة على الأرباح الحقيقية لا على التوقعات أو السلف المسبقة و يجب أن يكون الهدف النهائي هو إلغاء نظام السلف الضريبية بالكامل عندما تصبح البنية التقنية والإدارية جاهزة لذلك، واستبداله بمنظومة ضريبية تعتمد على الإفصاح والفوترة الإلكترونية والتدقيق المهني الفعّال.
وفيما يتعلق بالمواد الغذائية تحديداً، قال الذرعاوي: كنت أتمنى أن يتم إعفاؤها بالكامل من هذه السلفة، لأن أي تكلفة إضافية في نهاية المطاف تنعكس على أسعار السلع الأساسية، والمواطن السوري اليوم يتحمل أعباءً معيشية كبيرة.
تخفيف الأعباء المالية
من جانبه يؤكّد الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش في تصريح لـ"العين السورية" أن أهمية تعديلات وزير المالية محمد يسر برنية على القرار رقم 637 لعام 2026 تكمن في تخفيف الأعباء المالية المباشرة عن قطاع الأعمال، وتعزيز المرونة الاقتصادية للإنتاج المحلي عبر إيجاد توازن بين مكافحة التهرب الضريبي وتحفيز الصناعة الوطنية. وتكتسب هذه التعديلات أهمية خاصة كونها جاءت كاستجابةً مباشرة للملاحظات والمقترحات التي قدمتها غرف الصناعة والتجارة السورية.
تحليل أكاديمي
ويمكن تفنيد إيضاح أهمية التعديلات الجديدة، والكلام للدكتورعياش، وفق العوامل التالية:
1- تقليص السلفة الضريبية من 2% إلى 1% على مدخلات الإنتاج والمواد الغذائية الأساسية.
2- إلغاء السلفة الضريبية بالكامل عن مستوردات مدخلات القطاع الزراعي الأساسية لدعم الأمن الغذائي.
3- استيفاء السلفة بناءً على نوع المادة (البند الجمركي) وليس صفة المستورد، مما يقضي تماماً على ظاهرة "المنشآت والمستوردين الوهميين".
4- تأكيد عدم استيفاء السلفة من الجهات المعفاة قانوناً من ضريبة الدخل.
5- تسوية مبالغ السلف واقتطاعها لاحقاً من التكليف الضريبي النهائي بعد صدور قرارات اللجان القطعية.
توقعات إيجابية
وتوقع الدكتور عياش أن يكون لهذه التعديلات تأثير إيجابي على الصناعة الوطنية السورية من خلال:
ً- زيادة السيولة النقدية: حيث يتوقع أن يوفر الخفض حيزاً مالياً أكبر للصناعيين لتمويل تشغيل خطوط الإنتاج بدلاً من تجميد رؤوس الأموال كسلف لدى الخزينة.
- المساهمة في تخفيض تكاليف المنتج النهائي: يؤدي خفض كلفة استيراد المواد الأولية إلى تراجع كلف التصنيع، مما يعزز القدرة الشرائية للمواطنين في الأسواق المحلية ويسهم في ضبط وتوازن الأسعار.
- المساعدة في تعزيز التنافسية التصديرية: تمكن الكلف الإنتاجية المنخفضة البضائع السورية من منافسة المنتجات الأجنبية في الأسواق المحلية أولاً وبالتالي تساهم في تغطية الطلب المحلي وتخفيض الاستيراد. وكذلك في الأسواق الإقليمية والدولية.
4- حماية المنشآت النظامية: يسهم استهداف البند الجمركي في محاربة المضاربة غير العادلة الناتجة عن التهرب الضريبي الذي كانت تمارسه الكيانات الوهمية.
5- تكامل القطاعات الإنتاجية: يضمن إلغاء السلفة عن مدخلات الزراعة تدفقاً رخيصاً للمواد الخام للمصانع الغذائية والتحويلية الوطنية. حيث تعتبر الزراعة مدخلات أساسية للصناعات التصديرية وهي القطاع الأسرع والأقدر على التعافي.
عودة إلى القرار
تضمنت المادة الأولى من القرار الذي نشره وزير المالية مؤخراً، تعديل القرار 637، بحيث تقتطع من المستورد سلفة على ضريبة الدخل من قبل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك عند الاستيراد بموجب البيانات الجمركية الموضوعة بالاستهلاك المحلي بالنسب المحددة في الجدول المرفق بحسب البند الجمركي من القيمة المصرح بها من قبل المستورد في فاتورة الاستيراد مضافاً إليها الرسوم والبدلات المستوفاة كافة باستثناء رسم الإنفاق الاستهلاكي في حال وجوده.
إعفاءات
وأعفت المادة الثانية من القرار عمليات الاستيراد التي لا تتجاوز قيمتها 100000 مئة ألف ليرة جديدة من استيفاء السلفة المحددة بالمادة الأولى.
حصّة الخزينة
كما نصت المادة الثالثة على أن تقوم الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بتحويل السلف المستوفاة إلى حساب الخزينة المركزية المفتوح لدى مصرف سوريا المركزي خلال 15 يوماً من الشهر الذي يلي الشهر الذي تم فيه الاقتطاع، وأن يتم تزويد الخزينة المركزية بصورة عن طلب التحويل الموجه إلى المركزي.
وبيّن القرار ضرورة أن يرفق طلب التحويل بجداول شهرية تتضمن، اسم المكلف الثلاثي المستوفى منه السلفة، والرقم الضريبي له، ورقم السجل التجاري، واسم المحافظة الصادر عنها، ورقم البيان الجمركي وتاريخه، ومقدار السلفة، ورقم الإيصال وتاريخه، بحيث تقوم مديرية الخزينة المركزية بتحويل المبالغ حسب العائدية إلى مديريات المالية بالمحافظات.
إعفاء اقتطاع السلف
ومنحت المادة الرابعة إعفاءاً من اقتطاع السلفة الضريبية، على مستوردات الجهات المعفاة أصولاً من ضريبة الدخل، ونصت المادة الخامسة على أن تقوم مديرية الاستعلام الضريبي في الهيئة العامة للضرائب والرسوم بالتحقق اللاحق من صحة القيم المصرح بها من قبل المستوردين.
تسوية السلف
وحسب المادة السادسة.. يُسوى حساب السلفة المحددة في هذا القرار بالنسبة للمكلفين بعد صدور قرارات اللجان الضريبية واكتساب التكليف الدرجة القطعية، على أن يعتبر القرار وفق المادة الثامنة نافذاً من تاريخ 2026/6/1.
وكانت وزارة المالية أصدرت في الـ29 من نيسان لعام 2026 القرار رقم 637 الذي يقضي باقتطاع سلفة على ضريبة الدخل من المستوردين عند الاستيراد بموجب البيانات الجمركية الموضوعة بالاستهلاك المحلي، بنسبة 2% من القيمة المصرح بها في فاتورة الاستيراد، مضافاً إليها جميع الرسوم والبدلات المستوفاة، باستثناء رسم الإنفاق الاستهلاكي في حال وجوده.


